لم يكن سهلاً على الطالبة المتفوقة حنان أنور عبد الغفور الحاصلة على مُعدل 98.1% في الفرع الأدبي بالثانوية العامة(التوجيهي) لهذا العام، أن تحصد هذا المُعدل، بعدما عادت للحياة مُجددًا بعد موتٍ مُحقق، في أعقاب تعرض منزلهم للقصف وهم نيام، خلال الحرب الأخيرة على غزة، وانهياره فوق رؤوسهم، ونجاتها ووالديها بأعجوبة..
تلك المشاهد ما زالت ماثلة في ذهن "حنان" بعد مرور نحو عام على انتهاء العدوان الإسرائيلي، ولم يتحسن وضعهم المعيشي، فما زالت تعيش وأسرتها مكان منزلهم المُدمر، بعد استصلاحه، وبنائه من ألواح خشبية رقيقة، وتغطيته بسقف من البلاستك، حار صيفًا وبارد جدًا شتاءً..
وقبل أن يُرمم منزلهم بهذه الشاكلة، التي تذكرهم باستمرار بما حدث معهم، من قصف مفاجئ لمنزلهم، عاشت وأسرتها أشهر من النزوح والتشريد، ما بين منازل بالإيجار، والسكن لدى الأقرباء، لتُشكل لها تلك الحياة مع كابوس الموت الذي يطاردها، عامل تحدٍ وقوةٍ، نحو السير وشق طريقها نحو المستقبل..
واقع وتحدي
هذا الواقع المؤلم، جعل "حنان" تجتهد وتُثابر، كي تحصد مُعدل مُرتفع كما شقيقتها الأكبر "حنين" التي حصلت على معدل 99.1% العام الماضي في فرع العلوم الإنسانية، وتعوض أهلها الفرحة، التي لم يفرحونها بنجاح الأخيرة، بعدما سلبتها آلة الحرب الإسرائيلية، خاصة بعد قصف منزلهم، وعيشهم التشتت لنحو ستة أشهر..
ورغم الظروف المعيشية الصعبة داخل المنزل، شديد الحرارة صيفًا، بارد جدًا شتاءً، ورائحة صاروخ الموت، الذي ما زال يسكن ركام المنزل، تأقلمت مع ذاك الواقع، وأكملت السير، نحو ما تصبوا إليه، لحين أتت اللحظة الحاسمة، التي أعلن فيها تفوقها بمُعدل 98.1%.
وبدت السعادة على وجه "حنان"، لحصولها على هذا المُعدل، بعد أن تزين منزل أسرتها بزينة الفرح، وتعالت أناشيد النجاح، وتهافت الأقرباء والجيران لتهنئتها بالتفوق، فيما صفق على أنغام الأناشيد كل من حضر لمنزلها لمشاركتها الفرحة..
حُلم ينتصر
وتقول "حنان" لـ مراسل "وكالة قدس نت للأنباء" : "شعوري بهذه اللحظات لا يوصف، فرحت كنت أتمناها، وأهلي كذلك، كنت أتوقع مجموع عالي، ولولا الظروف التي مررنا بها، لأخذت أعلى من ذلك، مع أنني كنت أتوقع ذلك، لثقتي بما قدمت في الاختبارات.
وتستذكر في هذا المضمار اللحظات القاسية، التي صعب أن تُنسى، وهي "كالحُلم" كما تصفها، عندما انهار منزلهم فوقها، وهي نائمة، ونقلوها للمستشفى، وهي فاقد الوعي، وأجريت لها محاولات إنقاذ، كما أخبرت من ذويها لاحقًا، بعدما اعتقدوا أنها شهيدة..
ليُكتبَ بذلك لها عمرًا جديدًا، ممزوجًا بألم جديد، تمثل في التشريدِ حتى نهاية الفصل الدراسي الأول، لحين العودة لمنزلٍ، شُيد على أنقاض المنزل القديم، فيما ما تزال ماثلة أجزاءً من ركام المنزل، بجواره، حاملةً في طياته أجمل ذكرياتهم، التي تقلبها بينٍ فينةٍ وأخرى، وتعثر بداخلها على أوراق اختباراتها وكُتبها..
ولم تُخفي "حنان" صعوبة العودة للحياة، بعدما كانت على حافة الموت، وتشير إلى أن ما حدث معهم لم يكن سهلاً في الحقيقة، لكنه زادها عزيمةً وإصرار على الاستمرار، والمُثابرة، وحمل سلاح العلم، الذي يوازي سلاح المقاومة، في تحدي ومواجهة الكيان الإسرائيلي، الذي يُراهن على كسرنا وهزيمتنا، من خلال قصفنا وقتلنا...
تعويض الفرحة
وتُشارك "حنين" شقيقتها "حنان" الفرحة، وكأنها هي من تفوقت هذا العام، وكانت تتمنى أن تعيش الفرحة، كما شقيقتها، وتقول : "رفعت شقيقتي رؤوسنا، وعوضتنا الفرحة التي فقدناها العام الماضي، فبعد أيام من نجاحي قصف منزلنا، ونجت أسرتي، وكانت أجواء حرب، ولم تدخل الفرحة منزلنا منذ ذاك الوقت."
وتُقاطع الأم نجلتها، بالقول : "العام الماضي كان حرب، وقصف منزلنا، ولم نفرح كما بقية عوائل المتفوقين، حتى يومنا هذا، الذي نعيش فيه بظروف صعبة، ورغم قلة الإمكانيات وفرت لها كل ما تحتاج، ووقفت بجانبها، وحثثتُها على أن تُكمل مشوارها، لأنها متفوقة، وانتظرنا النتيجة بفارغ الصبر، وفور إعلانها سجدت شكر لله".
وتضيف الأم "عوضنا فرحة العام الماضي، لأول مرة أشعر بفرحة حقيقية، أحلى فرحة هي النجاح، أنستنا آلام العام الماضي"، ويتفق معها زوجها بالحديث، بعد أن عبر هو الأخر عن فرحته لتفوق ابنته، وعادت أسرته لتُكمل حياتها، ومسيرة تفوقها، رغم قسوة ما حل بهم، بعد قصف منزلهم، ونجاتهم من الموت بأعجوبة..
