ما إن انفض المصلون من صلاة العيد حتى توجهوا لتناول طعام الإفطار، ومن ثم ارتداء ملابس العيد الجديدة، والبدء بعدها في زيارة الأرحام من الأقرباء، وعيش أجواء الفرحة والسعادة، التي يفرحها الكبار والصغار "فرحة عيد الفطر"، بعد شهر كامل من الصوم، كما جرت العادة.
لكن وجهت الطفلة سجى زعرب "14عامًا" من سكان مدينة رفح جنوب قطاع غزة، كانت مختلفة، فبدلاً من أن ترافق ذويها في التجوال على الأقرباء، ومشاركة من هم بسنها الفرحة، كانت وجهتها قبر والدتها وأشقائها الأربعة، الذين استشهدوا في غارة جوية إسرائيلية على منزلهم العام الماضي، خلال العدوان على غزة.
وأدت الغارة التي شنتها المقالات الحربية الإسرائيلية دون سابق إنذار على المنزل الذي كانت تتواجد فيه، إلى استشهاد "15شخصًا"، من بينهم والدتها سعاد زعرب "38عامًا"، وأشقائها أحمد "16عامًا" محمد "13عامًا" المعتصم "3سنوات" الوليد "6سنوات"، وخالاتها الثلاثة، وجدتها، وزوج خالتها وأسرته، ولم ينجوا سواها.
ذكريات حزينة
وحملت "سجى" بين يديها دُمية "عروس بلاستيكية" وباقة ورد وضعتها على قبر والدتها، وقرأت الفاتحة عليه، وبدأت تُداعب دُميتها وكأن والدتها حيةً تراها، وبدأت تتحدث وهي تبكي تارة وتفرح تارة مع والدتها، التي لا تسمعها!، وكأنها تتمنى أن تعود لها مُجددًا، لتتلقفها من الضياع والتيه الذي تعيشه من بعدها..
وذهبت بعد الانتهاء من زيارة قبر والدتها، للمنزل الذي تعرض للقصف، واستشهدت والدتها وأشقائها بداخله، وجلست تتأمل وتستذكر تلك اللحظات الجميلة التي عاشتها مع أسرتها، قبل أن يتحول المنزل لركام، ويُستشهد جميع من كانوا بداخله، سواها وابنتي خالها.
وتعيش "سجى" من ذالك اليوم الذي رسمت فيه الصواريخ الإسرائيلية خارطة مُستقبلها المُظلم، بقتل أفراد أسرتها، وتدمير المنزل، في واقعٍ مؤلم، فلا يكاد يمر يومًا أو ساعةً إلا وتتذكر والدتها، ويعتصر قلبها ألمًا لرحيلها، وتتمنى لو يعود الزمن للوراء وتعود لها، وتحتضنا..
وعاشت فترةً عصيبةً جدًا غابت فيها عن الوعي، ولم تشعر بما حدث معها سوى بعد أشهر، حتى استفاقت من الحالة التي كانت تعيشها، بعد علاجها في "ألمانيا" على أثر إصابتها الحرجة في القصف الذي تعرض له المنزل، ونجاتها بأعجوبة من تحت ركامه.
ألم وأمل
وتقول "سجى" لـ مراسل "وكالة قدس نت للأنباء" بصوتٍ يئنُ ألمًا وبكلماتها الطفولية العامية العفوية : "لم أشعر بفرحة العيد بتاتًا، اليوم يأتي وافتقد به أمي وأخوتي، لن أفرح بعد اليوم لأنهم ليسوا معي، مرت سنة وأفتقدهم كل يوم، لا أحد يستطيع تعويض حنان الأم".
وتضيف "كل عام تشتري لنا أمي ملابس للعيد، والحلوى، ونخرج مع بعض على الأقارب والملاهي والمتنزهات، ونجلس مع بعض، لكن اليوم لا يوجد أحدًا ألعب معه، فأخوتي الذين كنت أفرح وألعب معهم استشهدوا مع أمي!، ولم يعد لي أحدًا ألعب معه كما كل عام".
وتتابع "باستمرار أقدم لمكان المنزل المقصوف لتفقده، وأتذكر أين كنا نلعب، كنت سعيدة جدًا، تحولت حياتي بعد رحيل أمي وأخوتي لحزينة، (مليش غير أمي وأخواتي، كلهم ماتو..!)، حتى الضيوف الذين يأتون لنا أين نجلسهم؟!، نفسي ترجع أمي، وأعيش مثل باقي أطفال العالم..".
وتلفت "سجى" إلى أنهم كانوا سعيدين في حياتهم، قبل أن يأتي الاحتلال ويدمرها، "ويقتل فرحتنا وسعادتنا، خاصة في الأعياد والمناسبات، عبر طائرته، فبدلاً من الذهاب للملاهي كما كل عام، أحتفل بالعيد واقضيه على قبر والدتي..!
وتتمنى أن تعود للحياة مُجددًا، وتعيش السعادة والفرحة والتي كانت تعيشها بأحضان والدتها، التي لا يعوض أحدًا حنانها، ولا يسد مكانها في الحياة، معبرة عن أملها أن يعم الأمن والسلام، وأن تعود الفرحة لكل أسر الشهداء، وأن يُحاكم من قام بقتل والدتهم وأشقائها وبقية أقربائها..
