"جُمعة رفح السوداء".. روايات قاسية عن لحظات حرب الإبادة!

بدأ مُحركات الآليات تخفق أصواتها، ويتلاشى صوت القصف الجوي والبري وأزيز الرصاص، مع اقتراب مؤشر الساعة من الثامنة صباحًا، وهو التوقيت الذي تدخل فيه التهدئة الإنسانية حيز التنفيذ، فبدأ النازحون العودة لمنازلهم في مختلف المناطق الشرقية لقطاع غزة، من بينها محافظة رفح جنوبي القطاع.

وأثناء ذهابهم ووصول البعض لمنزله وحقله الزراعي، كسر حالة الصمت مشهد تقدم مئات الجنود وخروجهم مسرعين برفقة دبابات إسرائيلية من الشريط الحدودي لرفح، بحدود الساعة 8.30 صباحًا أول أقل، وبدءوا بإطلاق النار التحذيري على كل جسم مُتحرك، خاصة في منطقة "أبو الروس" "وحي النهضة" شرقي رفح.

فظن السكان أن شيئًا ما يحدثُ في المنطقة، بعدها بقليل بدأت تطلق قذائف مدفعية، وعادت الطائرات للتحليق، وبدأت تُطلق الطائرات المروحية نيرانها، فبدأت رحلة نزوح جديدة، هربًا من بطش آلة الحرب الإسرائيلية، التي اشتد قصفها الجوي والبري الساعة 9.30صباحًا.

فبعض السكان تحاصروا داخل منازلهم، من شدة القصف، فيما هرب المُعظم، عبر مركبته، أو عربة يجرها حيوان، أو مشيًا على الأقدام، فلم ترحم المدفعية والطائرات أحدًا، فقامت بقصف كل مُتحرك، في حرب إبادة جماعية استهدفت النازحين، فتناثرت أشلائهم في الطرقات والأزقة.

وأصيب جيش الاحتلال بحالة أشبه "بالهستيريا"، بدء ذلك من خلال القصف العنيف، فتسقط في كل (10ثواني) أو أقل قذيفة مدفعية أو صاروخ من طائرة، في الطرقات، والأزمة، والبنايات السكنية المأهولة والفارغة، والمنشأة الصناعية..، ولم يكتفي بذلك بل أعاق سيارات الإسعاف من التقدم، لتصبح عربات (الكارلو) (والتكاتك) وسائل نقل الشهداء والجرحى! 

ذكريات قاسية

ولم تغِب تلك المشاهد عن ذهن صالح أبو محسن والد الشهيدة "أسيل" "18عامًا" الذي يتحدث لـ مراسل "وكالة قدس نت للأنباء" عن فصول المجزرة فيقول : "غادرنا المنزل يوم الثامن عشر من يوليو، في اليوم الذي دخلت فيه القوات البرية، ونزحنا لحي الجنينية وسط رفح، لمنزل أختي".

وأضاف أبو محسن "يوم الأول من أغسطس/أب، كانت التهدئة الإنسانية ستبدأ الهدنة الساعة (8)، توجهت لمنزلي الواقع بجوار بلدة الشوكة بحدود الساعة (9)، بعد سريان التهدئة بساعة، وصلت بحدود (9.15)، برفقة نجلاتي (أسيل، مرح، راما)، اللواتي أصررنّ على الذهاب معي".

وتابع "ذهبت لأسُلم على الجيران، وتركت بناتي تنظف المنزل من أثار القصف مُحيطه، فجأة بدون مُقدمات، تجدد القصف وإطلاق النار بُعنف، فخافت نجلاتي خاصة الطفلتين (راما ومرح)، وبحدود (10.45صباحًا)، تعرض سور المنزل لقذيفة مدفعية، وانهار وتطايرت الحجارة وأحد الأبواب علينا".

واستطرد أبو محسن "جاءني اتصال بضرورة المغادرة من أهلي، لوجود جندي إسرائيلي مخطوف، وهذا ما شجعني على الخروج، فغادرت الساعة (11) وحملت طفلتي (راما ومرح)، وتركت (أسيل) برفقة جارتي، خشية أن نُقصف جميعًا، وصلت لمنطقة (كف المشروع) وجدت شاحنة مُحترقة، ودبابات إسرائيلية مقابل ثكنة سعد صايل التي تبعد (200 متر) عن الكف المذكور".

وواصل "فهممت بالهروب، بعد دقائق أتت جارتي وسألتها عن (أسيل) وقالت (البنت وقعت وبخير)، وما تصورت أنها اسشهدت، حاولت أرجعلها، ولم استطع لشدة القصف، ودخلت ببناتي ركضًا على الأقدام، ودخلنا لمستشفى الشهيد أبو يوسف النجار، للاحتماء به من القصف، بعد ساعتين ونصف، طلبت من سيارة إسعاف تذهب للمكان الذي وقعت به ابنتي، وذهب ولم يجدها، وعدت مع إسعاف ثاني ولم أجدها، وشاهدنا جنود وآليات إسرائيلية، فهربنا خشية استهدافنا".

وأمضى أبو محسن "وصلت الساعة (4 مساءً) تم إخلاء المستشفى بعد تهديده من الاحتلال، وتوجهت لمنزل أهلي مُجددًا، وأخبرت وسائل الإعلام ونشرت صورة ابنتي وتفاصيل ملابسها، للبحث عنها، ويوم الاثنين (4/8) هاتفتني وأعطيتها مواصفتها، وأخبرتنا أنها شهيدة، وملقاة أسفل شجرة عنب، على كف المشروع".

وأسهب "وذهبت برفق نجلي الأكبر وسيارة إسعاف، فوجدناها ملقاة، مُنتفخة، وجسدها بدأ يتحلل، في مشهد لم أقدر على تحمُله، ووضعوها داخل كفن بلاستكي مُحكم الإغلاق، وجرى نقلها ودفنها فورًا"، متوجهًا برسالة للعالم أجمع للعمل على مُحاكمة قتلة ابنته وكافة المدنيين الأبرياء..

إبادة جماعية!

أما المسن مصطفى الجزار "71عامًا" فلم تغِب عنه مشاهد القصف والإبادة الجماعية للمدنيين، بالقرب من منطقة (البلبيسي) بين حيي الجنينة والتنور شرق رفح، عندما تعرضوا للقصف الجوي والبري، واستشهد قرابة (70مدنيًا)، ولم يجدوا من يسعفهم بفعل شدة القصف.

ولم يتمالك "الجزار" نفسه، من هول المشهد، وهو ينظر للجثث المتقطعة أمامه، وللمصابين الذين يستغيثون، ولم يجدوا من ينقذهم، سوى عربات يجرها "حيوانات" أو دراجات نارية "تكتك"، لحين تمكنت سيارة إسعاف واحدة من الدخول للمكان، الذي شهد أبشع عملية إبادة جماعية يوم "المجزرة" التي أطلق عليها "الجمعة السوداء".

وقال "الجزار" لـمراسل "وكالة قدس نت للأنباء" : "في كل ثانية كانت تسقط قذيفة من المدفعية الإسرائيلية، أو صاروخ من الطائرات، وأبشع ما شاهدت، هو لحظة هروب النازحين من المناطق الشرقية لرفح، تحديد منطقة الشوكة، وعبورهم طريق ترابي يؤدي لمنطقة (البلبيسي) وقصفهم وقتلهم وإصابتهم جميعًا".

وأضاف الجزار "كان هؤلاء النازحين قد وصلوا لمنازلهم المُدمرة على الحدود الشرقية لرفح، صباح يوم (الجمعة السوداء)، بعد دخول التهدئة الإنسانية حيز التنفيذ، ولم يمكثوا كثيرًا، حتى باغتهم الجيش الإسرائيلي بالقصف البري والجوي، فهربوا من عدة محاور صوب مناطق وسط رفح".

وتابع "أكثر محور هربوا منه لأنه الأقرب والأكثر أمنًا حسب اعتقادهم (هو طريق ترابي يمتد داخل حي التنور ويوصلهم لمنطقة البلبيسي، وبعدها يسلكوا ممرات ترابية بين المنازل بجي الجينية القريب وصولاً للبلد)، لكن فور وصولهم الطريق الواصل بين حيي (التنور، والبلبيسي)، تم قصف المنازل المحيطة".

واستطرد الجزار "وسقطت قذائف مدفعية عليهم، فتناثرت أشلائهم، نساءً وأطفالاً ورجالاً وشبابًا، وتطايرت لأكثر من 200متر، وعددهم حوالي (70شخص)، وهرب من بقي على قيد الحياة، وبعضهم حمل شهداء وجرحى للمستشفى، وآخرين على عربات يجرها حمار، وبسيارات مدنية، وكان القصف متواصلاً حينها".

وواصل "هربنا حينها من المنطقة، تحت وطأة القصف العنيف، الذي تواصل حتى المساء، وتقدمت الآليات الإسرائيلية لعمق المناطق الشرقية لرفح مُجددًا، حتى تجاوزت شارع صلاح الدين الذي يبعد حوالي 4كم عن الحدود مع الأراضي الفلسطينية المحتلة (إسرائيل)".

وأشار "الجزار" في روايته للأحداث في ذاك اليوم، إلى أنه عاد في اليوم التالي مُجازفًا بحياته، ليتفقد المنطقة التي يقطنها ووقعت بها المجزرة، فوجد المحال مفتوحة، وأبواب المنازل من شدة القصف، فهاتف جاره طاعن بالسن ليأتي ليغلق محلاته ومنزله، المُقابل لمكان المجزرة".

وخلال سيرهما وسط الركام لم يستطع "الجزار" التمييز بين جثث الشهداء، وركام المنازل المقصوفه، والتي تحول لونها (للرمادي) كما الركام، وتعثر بجثث أو لا يعلم أنها جثث، لولا تنبيه جاره الذي أتي ليغلق محاله، بناء على طلب منه".

وأخبر سيارات الإسعاف، ولم تتمكن من الدخول، لحاجتها لتنسيق، لأن المنطقة أعلنها الجيش الإسرائيلي عسكريةً مُغلقة، لتأتي سيارات مدنية وعربات يجرها حمار، وتنقل عددًا منهم، بدأت روائحهم تفوح، وفي اليوم الثالث مع إبرام تهدئة إنسانية أخرى، عاد ووجد جثث ما زالت مكانها مُتحللة، جرى نقلها من قبل الإسعافات..

140 شهيدًا

ووثقت مراكز حقوقية ومن بينها مركز الميزان لحقوق الإنسان قتل إسرائيل لحوالي "(140 شهيدًا) من الهاربين من القصف المدفعي والجوي شرق رفح، منهم من انهار المنزل فوقه، وآخرين في الطرقات، فيما ارتقى ما بين الأول والرابع من أغسطس (255شهيدًا)، بينهم (85 طفلاً)، (44 امرأة)".

ونشرت منظمة العفو الدولية وفريق البحث المعني بمشروع  "فورنسيك آركتكتش" (بنية الأدلة الجنائية) الأربعاء الماضي، أدلةً جديدةً تُظهرُ أن القوات الإسرائيلية ارتكبت جرائم حرب انتقامًا لوقوع أحد جنودها في الأسر برفح.

وتتضمن الأدلة، بحسب المنظمة، تحليلاً مفصلاً لكمٍ هائلٍ من المواد متعددة الوسائط، وتشير إلى وجود نمط منهجي ومتعمد على ما يظهر تتسم به الهجمات الجوية والبرية التي شنها الجيش الإسرائيلي على رفح وأدت إلى مقتل 135 مدنيا، بما يجعلها ترقى إلى مصاف الجرائم ضد الإنسانية أيضاً.

ويورد التقرير المنشور على شبكة العفو الدولية بعنوان "يوم الجمعة الأسود" مجزرة في رفح أثناء نزاع إسرائيل/ غزة 2014 تقنيات تحقيق متطورة وتحليلاً ريادياً من إعداد فريق مشروع "فورنسيك آركتكتشر" في جامعة غولدزسميث بلندن.

 

المصدر: رفح – وكالة قدس نت للأنباء -