حلاق القدس العتيق "أبو ماهر".. قصة مدينة!

غالب الوعري المعروف بـ "أبو ماهر"، هو أحد أشهر وأقدم الحلاقين "العتاقي" في شارع صلاح الدين بمدينة القدس، لا زال على رأس عمله يجلس قرب مدخل محله كأنه القبطان، يراقب ابنيه وهما يستقبلان الزبائن من الشباب، كأنه ينتظر بعضا ممن بقي حياً من زبائنه المسنين، لأنه حسب قوله "97٪ من زبايني اعطوك عمرهم، معظمهم ماتوا".

الثمانيني أبو ماهر، منذ أكثر من 60 عاماً، يمارس مهنته التي ورثها عن والده عزت الذي كان أيضا حلاقا ماهراً يعمل في البلدة القديمة من القدس، لكنه توفي جراء حادث انفجار مركبة، ليكمل ابنه غالب المسيرة وحده.

افتتح أبو ماهر محله الخاص في شارع صلاح الدين عام 1963 بعد أن نال ترخيصا أردنيا، ليصبح صاحب اليد الخفيفة أحد أشهر حلاقي مدينة القدس حتى يومنا هذا.

زبائنه "باشاوات"

أبو ماهر، يتكلم بفخر عن بعض زبائنه الذين كانوا من الشخصيات الاعتبارية والمهمة في المجتمع المقدسي والفلسطيني، أمثال فيصل الحسيني، أنور الخطيب محافظ القدس سابقا، أنور نسيبة، الاستاذ نهاد أبو غربية، بالإضافة إلى ضباط كبار في الجيش الأردني والحرس الملكي للملك حسين. ويضيف: "بعض زبائني الخاصين كنت أذهب لبيوتهم وأحلق لهم رؤوسهم في أيام الاثنين وهي العطلة الأسبوعية للحلاقين، حيث أننا نعطل في هذا اليوم منذ زمن الانتداب البريطاني بقرار نقابة الحلاقين وقتها، وذلك بسبب أننا كنا نستقبل زبائن من الديانات الثلاث خلال العطل الأسبوعية وهي الجمعة، السبت والأحد".

من نوادر أبو ماهر

وفي حديثه عن موقف طريف حصل معه في مسيرته الطويلة، يقول "إنه في زمن الحكم الأردني، تقرر تدريب جميع شباب مدينة القدس في الحرس الوطني الإردني، إلا أنا فلقد كان المسؤول عن الحرس زبونا عندي، ولما ذهبت لأخضع للتدريب، قال لي: "إذهب واعمل في دكانك أفضل".

"قصات زمان" حسب أبو ماهر، "هي قصات عادية وغير مبتذلة، فلم يكن هناك أكثر من تسريحتين للشباب"، أما قصات اليوم فقد أعرب عن بغضه لها، وقال: "أشكال غريبة يطلبها الشباب اليوم لم تكن سابقاً، أراها قبيحة وغير ملائمة لهم".

ويسرد الحلاق المقدسي أبو ماهر قصة طريفة أخرى فيما يتعلق بتسريحات الشعر خلال فترة الخمسينات قائلا: "كنت أدرس في الكلية الإبراهيمية وأعمل حلاقا في نفس الوقت، مدير المدرسة نهاد أبو غربية طلب من الطلاب اللي مطولين شعرهم يحلقوه، فرفض الطلاب، والاستاذ نهاد استنى لنصف السنة، بالامتحانات إلي ما حلق أعطاه علامة صفر، واللي حلق دخلو عالامتحان، وقد صمم على موقفه". مشيرا إلى أنه كان وهو طالب في المدرسة يحلق لطلاب قسم "الداخلية"، الذين كانوا يأتون من مناطق شمال وجنوب فلسطين.

عصافير أبو ماهر

وأثناء حديثه خلال المقابلة، توقف أبو ماهر عن الكلام فجأة وبدأ يضرب على شباك المحل غاضبا، وأخذ ينادي أطفالا يدعسون على خبز مفتت مجبول بالماء كان جهزه سابقا للحمام والعصافير، ويطالبهم بالابتعاد عنه بشكل حازم.

وقال: "أحب العصافير والطيور الأخرى وأطعمهم يومياً ولا أحب أن يقترب من طعامها أحد".

يستذكر الحلاق المخضرم، أيام النكبة، وكيف رحل مع عائلته من حي البقعة، بعد ارتكاب اليهود لمجزرة "دير ياسين"، إذ اضطروا للهرب إلى البلدة القديمة من القدس، إلا أنه لا يتذكر جيدا هذه الأحداث كونه كان صغيراً بالسن.

جرأة في التعبير

كغيره من أبناء السوق المقدسي، يعبر "أبو ماهر" عن أرائه السياسة بجرأة لا حدود لها، كما تطرق في حديثه إلى بعض المقاومين المقدسيين ودورهم في الدفاع عن مدينة القدس عام 1948، منهم عبد القادر الحسيني وعبد الله التل، وقال إنه على الرغم من أنه كان صغيرا إلا أنه يذكر أنهما وغيرهما من المقاومين سطروا قصصا بطولية في المدينة.

القدس.. فخر بابنائها

وعند سؤاله عما تمثله مدينة القدس بالنسبة له، قال: "ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة، نحن صامدون رغم ما نتعرض له من اعتداءات إسرائيلية". وأضاف: "شباب القدس الله يحييهم ويحميهم، شب من شباب القدس بقاوم عشرة من جنودهم، بس فش سلاح، بدون سلاح احنا أقوى منهم بروحنا وارادتنا". مشيرا إلى صمود وبسالة حراس المسجد الأقصى رغم أنهم لا يحملون أسلحة.

المصدر: "القدس" دوت كوم - سعيد عموري -