صدر عن المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار"، كتاب بعنوان "المحرقة، الانبعاث والنكبة" للباحث يائير أورون الذي يزعم أنه لا مجال للصلح بين الفلسطينيين والإسرائيليين دون اعتراف متبادل بالنكبة والمحرقة.
ويقرّ أورون في كتابه أنه اكتشف خلال أبحاثه أن ما شهدته البلاد من مجازر خلال النكبة، أكبر بكثير مما كان يعرفه قبل بداية تأليف الكتاب، وأكثر بكثير مما يعترف به المجتمع اليهودي الإسرائيلي. وأشار إلى أن كثيرين من الإسرائيليين لا يستطيعون خوض مواجهة مع هذا الموضوع، و"يرتّبون" لأنفسهم آليات كبت وإنكار، إلى جانب من يدلون بدلائهم في عمليات شرعنة الأفعال التي أدّتهـا الدولة بأثر رجعـيّ.
ويلفت المؤلف منذ البداية إلى أنه لا يسعى في بحثه هذا لكشف النقاب عن حقائق تاريخية، وإنما لتقديم قراءة جديدة تشمل ثالوث "المحرقة " وما يسميه "الانبعاث" (القصد قيام إسرائيل) و"النكبة"، بوصفها ثلاث نقاط هندسية مرتبطة ببعضها البعض. ويشير إلى أن "المحرقة" و"الانبعاث" هما من الأحداث التأسيسية التي ستصمم على مدى أجيال عديدة مُجرّد وجود ووعي الشعب اليهودي. كما أن "انتكاسة العالم العربي ما زالت ترافقه منذ سنوات. ويرى هو الآخر ان النكبة تحولت إلى حدث مؤسِّس بالنسبة للفلسطينيين، وطوّر كل من اليهود والفلسطينيين هوية يشكل عامل الضحية عنصراً مهماً فيها، بينما طوّر اليهود هوية في مركزها المحرقة طوّر الفلسطينيون هوية في مركزها النكبة. بيد ان الكتاب يتجاهل عدم وجود علاقة للشعب الفلسطيني بالمحرقة بل هو ضحية ضحيتها، بينما النكبة هي صناعة إسرائيلية بالأساس.
وبناء على ذلك يصل إلى الاستنتاج الرئيس لهذا الكتاب، وهو أنه من دون أن يعلم الإسرائيليون بالجرائم التي ارتكبها قادة الدولة عام 1948، ومن دون أن يعترفوا بآثار هذه الجرائم المستمرة في المجتمع الفلسطيني، وبالتوازي من دون أن يعترف الفلسطينيون بالمحرقة ومغزاها المستمر في المجتمع الإسرائيلي – اليهودي، ليس ثمة احتمال لتحقيق مصالحة حقيقية بين الشعبين.
وبكلمات المؤلف: "من دون الاعتراف بالمحرقة كتراجيديا يهودية ومن دون الاعتراف بالنكبة كتراجيديا فلسطينية، لا أمل في تحقيق تسوية وصلح بين الشعبين".
الكاتب الفلسطيني انطوان شلحت يقول في تقديمه الكتاب ان هذا استنتاج المؤلف لا يمكنه إلا أن يستوقف القارئ العربي، كونه استنتاجاً غير صحيح لأسباب كثيرة أهمها أن النكبة الفلسطينية بدأت خيوطها الأولى تلوح قبل أكثر من نصف قرن من وقوع المحرقة مع بداية تأسيس الحركة الصهيونية واعتمادها برنامج إقامة "وطن قومي" لليهود على أنقاض وطن الشعب الفلسطيني في فلسطين، باعتبار ذلك "حقاً تاريخياً". كما لا تزال المؤسسة السياسية الإسرائيلية تتعامل مع هذا "الحق التاريخي اليهودي" في فلسطين بصفته المبرّر الرئيس لشرعية إقامة دولة إسرائيل. ومما جاء في تقديم الكتاب أيضاً: يتبيّن أنَّ المحرقة لم تكن في عُرف الآباء المؤسّسين لإسرائيل ومكملي دربهم الآن أكثر من أداة أو "قاعدة انطلاق "، بكل ما يعنيه ذلك من استغلال معيب لمعاناة ضحاياها وعدم اكتراث لعذاباتها. ويتابع "من هنا فإنَّ الطريق إلى إنكار معاناة ضحايا النكبة تغدو قصيرة جداً، إذا لم تتقاطع في المفترق نفسه".
وهذا ما انعكس عبر الكلمات التالية في الكتاب "إن المحرقة التي حلت بالشعب اليهودي في الآونة الأخيرة التي ذُبح فيها الملايين من يهود أوروبا، قد عادت وأثبتت بالفعل ضرورة حل مشكلة الشعب اليهودي المحروم الوطن والاستقلال من خلال استئناف قيام الدولة اليهودية في أرض إسرائيل لتفتح باب الوطن على مصراعيه من أجل كل يهودي".
وأكد التقديم أنه في ضوء ذلك كله فإن ما ينقص المقولة الرئيسة لهذا الكتاب أمر جوهري شديد الأهمية والدلالة، هو رؤية أن "الانبعاث"- كما يسمي المؤلف قيام إسرائيل- نشأ بخطيئة النكبة وطرد مئات الآلاف من الفلسطينيين من وطنهم تحت وطأة الإيمان الأعمى بـ "حق اليهود التاريخي في فلسطين" ومن خلال تجييش المحرقة، وأنه تبقى ثمة حاجة أولاً ودائماً للتكفير عن هذه الخطيئة بداية عبر الاعتراف باقترافها من دون قيد أو شرط، ومن ثم تحمّل المسؤولية الأخلاقية عن حلّ يعيد الحقّ القومي الفلسطيني إلى أصحابه.
وأفاد استطلاع جديد في إسرائيل (مركز مولاد السنوي) ان غالبية الإسرائيليين تؤيد تسوية سياسية مع الفلسطينيين لكن فشل معسكر الوسط – اليسار في طرح تصوّر مقنع يمنع ترجمة الموقف الشعبي إلى دعم سياسي.
