كفاح أوباما لإقرار الاتفاق النووي مع ايران لم يمنع الزعيم الروحي لايران من أن يهاجم، أول من امس، في خطابه بشكل فظ الولايات المتحدة، "الشيطان الاكبر"، واسرائيل، "الشيطان الاصغر". "بعد 25 سنة ستمحا اسرائيل من على الخريطة"، قال، "لن نسمح باي محادثات اخرى مع الولايات المتحدة". ان التوقيت الاشكالي للخطاب، في ذروة عملية اقرار الاتفاق، يثير اسئلة قاسية حول مصداقية السلوك الايراني ومصير الاتفاق.
ولكن، عملياً، اذا ما فحصنا خطابات خامينئي والزعماء الايرانيين الاخرين في الماضي، فاننا سنرى بان مثل هذه التصريحات هي أمر عادي جدا عندهم، والولايات المتحدة ايضا لا تتأثر بهذه التصريحات. وسبب العناوين الرئيسة التي يحدثها هذا الخطاب في صحف المساء هي الملابسات التي يدور الاتفاق حولها، والتي تبرز هذا الخطاب. فكيف يمكن أن نفهم السلوك الايراني الذي من جهة يوقع على الاتفاق مع الغرب ومن جهة اخرى يبصق في وجهه؟
البروفيسور زئيف ماغين، رئيس دائرة دراسات الشرق الاوسط في جامعة بار ايلان والخبير في الشؤون الايرانية، يشرح بان هناك فجوة ثقافية نفسية تجعل من الصعب على الغرب أن يفهم كيف يعمل الرأي الايراني. فهدف الايرانيين هو اذلال الولايات المتحدة، العدو المكروه، حتى التراب، وهذا هو سبب التوقيتات غير التكتيكية على نحو ظاهر لتصريحات زعمائها الفظة. فبعد يوم من الوصول الى الاتفاق اعلنوا في ايران بان الولايات المتحدة لا تزال "الشيطان الأكبر"، وهكذا هي الان ايضا. أما الغرب الذي تنازل المرة تلو الاخرى وأمل في ان يحصل على اعتراف بالجميل او بعض الاحترام على الاقل فيحصل على بصاق في وجهه. فالايرانيون يسمحون لانفسهم بان يكونوا وقحين جدا كونهم يعرفون بان الأميركيين لن يتراجعو عن الاتفاق. فهذا الاتفاق مهم جدا لاوباما، والتراجع عن هذا "الانجاز" ليس خيارا بالنسبة له على الاطلاق. وهو سيبتلع الاهانة بصمت. المشكلة مع الغرب هي أنه اعتاد على هذه التصريحات، ولهذا فانه لا يتأثر بها. من ناحية غربية، اذا لم يكن الخطاب يترافق وانتهاكا عمليا فظا فليس للقول نفسه اسنان.
توجد هنا فجوة ثقافية تنبع من ان دول الشرق الاوسط تحركها "ثقافة المذلة والكرامة": فالزعماء في العالم العربي – الاسلامي لن يتجلدوا ابدا على التصريحات التي تمس كرامتهم. فللكرامة في الشرق الاوسط حياة رف طويلة، وزعماؤه سيستخدمون الاحداث التاريخية المرتبطة بالذاكرة الجماعية وبالرموز الثقافية والدينية التي توجد جمهور المستمعين. في العالم الاسلامي ثمة لعداء اسرائيل واليهود جذور طويلة، وهو يستخدم كعنصر موحد للمجتمع الاسلامي المنقسم، وهكذا ايضا أميركا. اما العالم الغربي، بالمقابل، فيعيش في ثقافة "ما بعد الكرامة": الزعماء الغربيون في عصرنا لا يعتقدون بان للمشاعر وللاعتبارات المتعلقة بالكرامة مكانا في العلاقات الدولية او في القرارات السياسية العقلانية. المشكلة هي أنه في العيون الايرانية لا تفسر التجلدات الغربية كسلوك "الكبير المسؤول" بل كدليل على انعدام الثقة وانعدام الكرامة. وفي الشرق الاوسط من ليست له كرامة ليس له حق وجود ايضا.
هل التصريحات الايرانية فارغة من المضمون الحقيقي ولا تستهدف سوى اغراض الدعاية الداخلية والخارجية؟ تماما لا. فالايرانيون يقصدون كل كلمة يقولونها، وفي اللحظة التي تكون لهم الفرصة والقوة اللازمة فانهم لن يترددوا في ترجمة تصريحاتهم الى افعال.
عن "إسرائيل اليوم"
*محاضرة في دائرة دراسات الشرق الاوسط جامعة بار ايلان.
