قبل بضعة أعوام، ومع أول اكتشافات الحقول الغازية في البحر المتوسط، تعاظمت آمال إسرائيل بالتحول إلى "إمارةٍ نفطية". فالدولةُ التي كانت على مر عقود تستشعر عجزاً ما عن توفير موارد الطاقة، وتجد أن العرب يملكون أوراق ضغط هامة في المعادلة الدولية جراء امتلاكهم للنفط، سعت بكل جهدها للخروج من دائرة العجز هذه. وكثيراً ما ظهرت في إسرائيل ابتكارات أو مزاعم ابتكار، توحي بقرب التحرر من ربقة النفط العربية، بل وتحرير العالم منها. لكن شيئاً من ذلك لم يغير استمرار اعتماد العالم على النفط العربي، ما دفع رئيس الحكومة الإسرائيلية المقتول، اسحق رابين، ذات مرة، لتمني لو أن سيدنا موسى قاد اليهود إلى صحراء شبه جزيرة العرب، وليس إلى صحراء سيناء والنقب.
ولذلك شكّل اكتشاف حقول الغاز البحرية، وخصوصاً "تمار" و "لفيتان"، مفاجأةً سارة كبيرة لإسرائيل، أخرجتها من دائرة الحاجة لاستيراد الطاقة، ووضعتها على أبواب التحول إلى دولة مصدّرة. وما أن اتضحت معالم مكامن حقول الغاز وما تحتويه، حتى صارت الحكومة الإسرائيلية تبني قصوراً من آمال بالتحول إلى قوة عظمى إقليمية، ليس فقط عسكرياً، وإنما اقتصادياً أيضاً، استناداً إلى مكتشفات الطاقة. وذهبت حكومة بنيامين نتنياهو أبعد من ذلك، عندما صارت تتحدث، هي والإدارة الأميركية، عن "تحولات استراتيجية" أساسها تجارة الغاز في خدمة السلام والاستقرار. وكَثُر الحديث عن خططٍ لمشاركة روسيا وتركيا واليونان ومصر والأردن والسلطة الفلسطينية، بل واستراليا، في استخراج واستهلاك وتوزيع الغاز الإسرائيلي.
وظهرت الخلافات داخل الحلبة السياسية والمجتمعية الإسرائيلية، بين من يرون الغاز تجارةً، وبين من يرونها ذخراً للأجيال. وبدأت الاتهامات المتبادلة بين مختلف الجهات حول ما صار يعرف بـ "صيغة الغاز" التي تنظم حصة الدولة من عوائد حقول الغاز وطريقة توزيعها. وخرج من يطالب باعتماد النموذج النرويجي في إنشاء صندوق لخدمة الأجيال المقبلة، ومن يطالب بزيادة تمويل الاحتياجات التعليمية والصحية للتجسير على الفوارق الاجتماعية. والأهم أن كل هذه الخلافات دارت بشكل أساسي بعد اكتشاف حقل "لفيتان".
وعند الحديث عن "لفيتان"، لا بد من الإشارة إلى شركة "نوبل انرجي" الأميركية التي كانت إلى جانب شركة "ديلك" الإسرائيلية أكثر من استثمر في اكتشاف الحقول البحرية لإسرائيل وقبرص. ولم تَرُق صيغة الغاز التي حددت ما نسبته 60 في المئة من الغاز لإسرائيل، و40 في المئة لتصديرها، للشركات المستثمرة. وزاد الطين بلة أن الصيغة فرضت أيضاً على الشركتين التخلي عن حصص لها في حقول أخرى، وذلك للتجاوب مع متطلبات قوانين منع الاحتكار الإسرائيلية. وبعد خلافات هائلة بين الحكومة والشركتين، وداخل الحكومة، وما بين الحكومة وجهات في الكنيست والمجتمع الإسرائيلي، أفلح نتنياهو في إقرار صيغة الغاز. لكن حينها دخل على المعادلة عنصر جديد اسمه هبوط سعر النفط بشكل كبير. فخلال سنوات الخلاف هذه، تراجع سعر برميل النفط، الذي تتحدد وفقه أيضاً أسعار الغاز، من 140 دولاراً إلى أقل من 30 دولاراً.
وفجأة، لم يعن نجاح نتنياهو في تمرير صيغة الغاز نجاحه في إزالة العراقيل التي تعترض، ليس فقط تصدير الغاز من حقل "لفيتان"، وإنما أيضاً في تطويره. وقد أفصح عن ذلك مؤخراً تقرير أعدّه باحث كبير في "صندوق مارشال"، نيكوس تسفوس، قال فيه إن إنهاء الأزمة مع سلطة منع الاحتكار "لم يلغ التحديات الأخرى في سوق الغاز، فالمشكلات التي تعترض تصدير الغاز كبيرة، وحتى إذا صار تصدير، فإن الفوائد منه ستكون أقل بكثير مما كان يقال". وتكمن أهمية هذا التقرير في أنه كتب بعدما شرعت شراكة "لفيتان" في إجراء اتصالات لتصدير الغاز إلى مصر، وأعلن وزير الطاقة الإسرائيلي يوفال شتاينتس أنه سيفتح البحر لاكتشافات أخرى، وحتى بعدما أعلنت شركتا "إسرامكو" و "موديعين" عن احتمال العثور على غاز في امتياز "دانييل شرق". ولخص تسفوس تقريره بأن "التفكير بتدفق مليارات الدولارات على إسرائيل حال إقرار صيغة الغاز كان مجرد تمنٍ".
ويشير التقرير إلى أن "حقلي تمار ولفيتان كبيران نسبياً، والغاز فيهما من نوعية جيدة، وهما قريبان نسبياً للساحل، ومع ذلك هناك حاجة للتغلب على تحديات كثيرة قبل أن يكون بالوسع تصدير الغاز منهما". وعدد التقرير المصاعب التي تعترض تصدير الغاز الإسرائيلي، وأولها أنه "لا يوجد سوق للغاز. فالسوق المصري محدود بكمية الغاز التي يحتاجها، والتصدير من منشآت التسييل يرتبط بتغييرات اقتصادية. والاقتصاد الأردني لا يبرر تطوير لفيتان، والتصدير لتركيا عبر أنبوب سيتأثر طوال الوقت بمنظومة العلاقات بين الدولتين". وشدد على أن خيارات التصدير الأخرى لا تقل صعوبة: "خط غاز من إسرائيل إلى جنوب شرق أوروبا سيكون باهظ الكلفة، ويجد منافسة من الغاز الواصل من دول البحر الأسود (كازخستان، أذربيجان وتركمنستان) ودول أخرى. كما أن إنشاء محطة لتصدير الغاز المسال في إسرائيل لن تنال الأذونات اللازمة للبناء، وستغدو هدفاً سهلاً للعمليات الإرهابية. صحيح أن خيار انشاء محطة التسييل في قبرص قائم، لكن ستكون هذه هي المرة الأولى التي يصدر فيها غاز منتج في دولة بواسطة تسييل في دولة أخرى، فيما أن تكنولوجيا تصدير الغاز في منشأة تسييل عائمة ليست متوفرة بعد".
ولكن التقرير لا يقصر التحديات أمام تصدير الغاز الإسرائيلي على العوائق الاقتصادية والفنية بل يشير أيضاً إلى العوائق السياسية. ويذكر أن "بوسع الجهات الإرهابية أن تهدد بمهاجمة منشآت الطاقة، الأمر الذي سيزيد جداً من المخاطر ومن تكلفة الانتاج". ويزيد التقرير على ذلك عاملين يتعلقان بإسرائيل، وهو عدم الاستقرار القانوني، حيث يمكن لأي تغيير في الحكومة أن يغير التعامل مع صيغة الغاز خلال السنوات من العشر إلى الـ15 المقبلة، وأيضاً قلة خبرة الإسرائيليين في إنشاء البنى التحتية لتصدير الغاز، سواء المسال أو عبر الأنابيب.
وأمام هذه المصاعب، يتوقع التقرير أن تواجه عملية تطوير حقل "لفيتان" والحقول الجديدة الأخرى مصاعب تحول دون الاستفادة منها لسنوات طويلة. وإسرائيل ليست وحيدة في هذا المجال، إذ أن هناك دولاً عديدة اكتشفت حقولاً ولم تتمكن من استثمارها إلا بعد مرور عقود على اكتشافها، وبعدما توفرت الجدوى الاقتصادية. وهناك حقول مكتشفة ولم يعمد أحد لتطويرها بسبب تكلفة الاستخراج العالية.
ويشدد التقرير على أن الكلام الإسرائيلي عن امكانية الاستفادة السياسية من الغاز وتصديره ليس سوى كلام فارغ، إذ ليس معروفاً أن صفقات بيع الغاز أثرت على العلاقات السياسية بين الدول إلا نادراً.
