يشارك "جاليري 1" ومقره في مدينة رام الله، هذا العام في "آرت دبي 2016" أحد أهم المعارض الفنية في المنطقة العربية والعالم، ما يشكل حدثاً مهماً للفن البصري في فلسطين، خاصة بعد اختيار ادارة المعرض للجاليري ليكون واحداً من بين أكثر من تسعين دار عرض وجاليري في العالم تشارك في "آرت دبي" بالفترة ما بين 16 – 19 آذار 2016.
ويمثل "جاليري 1"، وتديره القيمة سمر مرثا، في "آرت دبي 2016"، الفنانون بشار الحروب وعامر شوملي وخالد جرار، عبر مشاريع فنية بعضها حديث وبعضها الآخر يعرض للمرة الأولى، ما من شأنه تسليط الضوء، عبر هذه الفعالية الدولية، على تجارب الفنانين الشباب في فلسطين وإبداعاتهم.
ويعتبر "جاليري 1" مشاركته في "آرت دبي 2016"، اعترافاً بمهنية الجاليري، وأهمية المعارض والمشاريع الفنية التي يقوم عليها، وكذلك اعترافاً بإبداعات من يمثله من فنانين في هذا المعرض الدولي والمحافل الفنية المشابهة.
من الجدير بالذكر أن "جاليري 1" تأسس مطلع العام 2014 بحيث يستضيف وينظم فعاليات فنية متعددة تندرج في إطار الفنون البصرية، ما بين معارض فردية أو جماعية، وأُخرى تتعدد فيها الوسائط الفنية في المعرض ذاته.
ويمثل الجاليري مجموعة من الفنانين الفلسطينيين المكرسين وأصحاب الموهبة، منهم المقيم في فلسطين ومنهم من يقيم خارجها حيث تشكل أعمالهم حالةً من التنوع المتميز والمغاير في الحركة البصرية الفلسطينية المعاصرة والحديثة، ما من شأنه مد جسور التواصل ما بين المبدع الفلسطيني والجمهور.
ويقام معرض "آرت دبي" في شهر آذار من كل عام، تحت رعاية الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، حيث يعتبر المعرض الفني الدولي واحداً من المعارض الرائدة في الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب آسيا.
ويستضيف "آرت دبي" مزيجاً متنوعاً لقاعات العرض في العالم ما بين فن معاصر وحديث، مكرساً بشكل كامل جهوده لتسليط الضوء على مثل هذه الفنون في العالم العربي على وجه الخصوص، كما يحفل المعرض برامج غير ربحية موسعة.
أهمية خاصة
وشددت سمر مرثا، مديرة "جاليري 1" على أهمية المشاركة في "آرت دبي 2016"، كواحد من بين أهم المعارض الفنية ليس على المستوى العربي فحسب، بل على مستوى العالم .. وقالت لـ"أيام الثقافة": مشاركة جاليري فلسطيني في محفل دولي كـ"آرت دبي 2016"، أمر مهم للتأكيد على وجود هذا النوع من الجاليريات في فلسطين، والتي تعمل بشكل احترافي كمثيلاتها في العالم، كما هو أمر مهم بالنسبة للفنانين الشباب على وجه الخصوص، وهنا أتحدث عن بشار الحروب، وعامر الشوملي، وخالد جرار .. هم فنانون معروفون، لكن تواجدهم في هكذا محافل، من شأنه أن يفتح لهم آفاقاً جديدة، ويعرف قيّمين ونقادا وأصحاب دور عرض من مختلف دول العالم بتجاربهم، وخاصة تلك المشاركة في "آرت دبي 2016"، وتعكس حكايات متنوعة ذات علاقة بالأوضاع في فلسطين، وبرؤى فنية مبتكرة.
وأضافت: الجاليري تأسس قبل عامين فقط، ولكن، لربما المشاريع التي نقوم فيها، والمعارض التي نستضيفها، وعملية التشبيك مع المعارض الفنية والفعاليات الدولية، ساهم بتحقيق نوع من الاعتراف العربي والعالمي بـ"جاليري 1"، وفي فترة قياسية نسبياً، وكذلك طبيعة الفنانين وما يقدمونه من فن معاصر وحديث يحاكي مع يحدث في فلسطين والمنطقة والعالم.
وحول أهمية هذه المشاركة، قال الفنان عامر شوملي لـ"أيام الثقافة": نحن كفنانين فلسطينيين نعاني من أزمة الوصول إلى العالم بشكل عام، الذي لا يطلع على أعمالنا، فالعروض المحلية لا تفي بالغرض، بل إنها تقتصر أحياناً على جمهور المدينة التي نعرض فيها أعمالنا ومشاريعنا الفنية .. ما يقوم به "جاليري 1" من نقل أعمالنا ومشاريعنا الفنية إلى معارض عالمية كـ"آرت دبي" من شأنه إيصال مشاريعنا الفنية إلى العالم، حيث القيّمون والصحافة العالمية وأصحاب دور العروض والجاليريات من كل أنحاء العالم، وهذا يضع مشاريعنا الفنية كفنانين فلسطينيين على خريطة العالم، وأمام أعينهم بشكل مباشر، وهو أمر في غاية الأهمية لكسر حالة الحصار التي نعاني منها.
وفي ذات الإطار، قال الفنان بشار الحروب: كان لي مشاركة سابقة في "آرت دبي" من خلال جهة أجنبية كانت تقتني أعمالي في السابق، لكن أن أشارك في "آرت دبي 2016" عبر جهة فلسطينية، وهي هنا "جاليري 1"، أمر يكتسب أهمية خاصة كون أن الناقل لأعمالنا ومشاريعنا الفنية إلى هكذا تظاهرات عالمية مهمة جاليري فلسطيني، وهو ما يشكل دافعاً للكثير من الفنانين الفلسطينيين لنقل أعمالهم إلى العالم عبر "جاليري 1" الفلسطيني، دون الحاجة إلى جهات أجنبية تتبنى أعمالنا تسويقياً.
"الجندي الكوني"
في مشروعه الجديد "الجندي الكوني"، انطلق الفنان بشار الحروب من "لعبة الجندي البلاستيكية التي هي من الألعاب الشائعة عالمياً، ولا يخلو بلد من هذه اللعبة التي تبدو شعبية في بعض المناطق، وعلى الأغلب يتناولها الأطفال من شعورهم بها كمصدر للقوة والأمان. في نفس الوقت تعزز الشعور في العقل الباطن بتفوق الجندي على غيره، لكن لهذه الألعاب خصوصية في البلاد التي تعاني من ويلات الحروب، ومع ابتداء وعي الطفل تأخذ منحى آخر".
ويقدم المشروع تساؤلات حول مفهوم الجندي كرمز تقليدي للحروب، ومن خلال هذه الأسئلة، هناك محاولات لتفكيك النمطية السائدة، ويتناولها المشروع من زاوية اللعب التي فيها موازاة لما يجري حقيقة في هذا العالم، حيث يحمل المشروع في طياته ترميزاً لمفهوم الديمومة، وانعكاسها على العمل عبر الدائرة التي تشكل مركزية العمل من حيث دور الجندي في لعبة الحرب كأداة، وكذلك عبر المواد المستخدمة في صناعة الجنود البلاستيكية كمادة نفطية كانت سبباً لكثير من الحروب.
ويقول الحروب: شكلت "لعبة الجندي" في طفولتي مساحة مهمة من التعامل مع هذه العناصر، عبر تشكيلها بنماذج مختلفة، وتنظيمها بشكل يتوافق مع حريتي، بعيداً عن تأثري المباشر بما يحدث في فلسطين والمنطقة كباقي الأطفال، سواء في صناعة الانتصار لفريق من الجنود على الآخر، وكذلك محاولاتي لتقليدهم، وممارسة هذا السلوك في بعض الأوقات في المدرسة أو الشارع.
ويضيف: في العودة لمساحة جنودي، كنت أتعامل معها بنوع من المشهد السينمائي بصرياً، ومحاولة تجاوز الفكرة النظرية التي أحملها في رأسي من دروس التاريخ أو أحاديث العائلة حول الاحتلال، وما يقوم بفعله بالفلسطينيين، وانضم جيشي الخاص لينتصر على العدو.
"كانت لعبة سهلة، يمكنني التلاعب بها كيفما شئت، إلى أن اصطدمت للمرة الأولى بالجندي الحقيقي، وجهاً لوجه، الجندي الإسرائيلي الذي كسر كثيراً من أفكاري الطفولية، وقدرتي على التعامل مع الجندي بشيء من الإيجابية، وهذه الصدمة كانت سبباً مهماً في تفكيري ومراقبتي ومقارتني للجندي الحقيقي، الجندي العدو، والجندي الصديق الذي أتعامل معه في ألعابي.. ومنذ تلك الفترة بدأ مفهوم الجندي يتحول لديّ شيئاً فشيئاً، من الجندي الصديق إلى الجندي العدو داخل اللعبة نفسها، إلى أن كانت الصدمة الأخرى بعد اتفاق أوسلو، بأن أشاهد الجندي الفلسطيني الحقيقي أيضاً لأول مرة في العام 1994، ويكسر الفكرة مرة أخرى .. إن هذا الجندي هو الصديق، وحامي الوطن والحدود، وهذا أيضاً من دروس التربية الوطنية، لكن في النتيجة كل ذلك لم يكن إلا نظرياً أقرب ما يكون للقصص، لم أشاهدها على أرض الواقع ما في الأفلام الأميركية، وما تعلمناه في دروس التاريخ".
وحول تحوله مؤخراً إلى محاكاة الحروب ومآسيها في أعماله ومشاريعه الفنية، أجاب الحروب لـ"أيام ثقافية": هذا برز بشكل واضح في آخر مشروعين فنيين لي: "شاشة صامتة" الذي أتحدق فيه عن الضحية، و"الجندي الكوني" الذي أتحدث فيه عن الأداة التي تتسبب بهذا الكم الكبير من الضحايا، وما تحمله كل منها من حكايات وحيوات وذكريات باتت على قارعة الطريق، كما هم، كاشفاً عن أن مشروع "الجندي الكوني" استغرق من البحث أربع سنوات، قبل أن يخرج مؤخراً للمشاركة في "آرت دبي 2016"، وعلاوة على ما ذكرته سابقاً، شكلت تحولات الجندي في المنطقة العربية، مؤخراً، رافعة إضافية للمشروع، ففي ليبيا وسورية تحول الجيش من جيش وطني حام للشعوب، إلى جيش يحمي الأنظمة، وأداً لقتل الشعب، وهو ما تسبب بفكرة الشتات واللجوء، والذي يعكس حالة عربية وعالمية، وليس فقط فلسطينية، حيث كنت في السابق أعتقد أن اللجوء صفة ملتصقة بالفلسطينيين دون غيرهم.
ومن اللافت في مشروع "الجندي الكوني" للحروب، الذي اشتهر مؤخراً بطرق مواضيع عالمية المعايشة، وإن من خلفيات فلسطينية، يقوم على تنوع في التقنيات الفنية المستخدمة، ما بين لوحات وفيديو وصور فوتوغرافية، كما هو حال تنوع الخامات، كاشفاً أن تطورات قد تضاف لهذا المشروع، الذي يتناول القضية الفلسطينية في إطارها الكوني، كحال الكثير من مشاريعه السابقة بدءاً من العام 2009، حيث بات قادراً على الخروج من حيزه المكاني نحو قضايا إنسانية كونية، وإن كانت تنطلق من فلسطين على المستوى الذاتي أو العام، وهذا يساهم في وصول العمل إلى أكبر عدد من الناس في العالم، وهذا "يأتي من إيماني بالحرية والهوية المفتوحة في اللغة البصرية"، ويؤكد على "أن الفلسطيني يعيش هموم العالم كما همومه"، قبل أن يختم بألم "بت على قناعة بأن لا جندي في العالم يقوم بمهمته الأساسية في حماية شعبه، بل يمارس كل أشكال القمع وصولاً إلى القتل لحماية أنظمة دكتاتورية تتقاطع فكرياً معه في رؤيتها القمعية".
"بين زمنين"
ويشارك الفنان عامر شوملي في "آرت دبي" بثلاثة مشاريع فنية، أبرزها "بين زمنين" (Between Two TIMEs)، ويقوم على مقارنة ومقاربة بصرية، لا تخلو من تحليل مضمون في ما وراء الصورة والعنوان لعددين من مجلة "تايم" كان غلافها للرئيس الشهيد ياسر عرفات، الأولى العام 1968 تحمل صورة عرفات الثائر، والثانية العام 2002 وتحمل صورة لعرفات المحاصر في المقاطعة .. الأولى اعتمدت فيها "التايم" على رسام مكسيكي متخصص في رسم ملصقات أفلام هوليوود، فرسم عرفات بذات طريقة أفلام "الآكشن" وخلفه "كوماندوز" بكوفية بيضاء كانت هي السائدة وقتها في لثام الفدائيين، وحملت عنوان "قوات قائد الفدائيين ياسر عرفات ... الكوماندوز العرب القوة الجديدة في الشرق الأوسط"، وفي الداخل تحقيق مفصل حول هذه القوة التي تشكل "خطراً على إسرائيل"، والثانية تحمل صورة لعرفات على خلفية سوداء بعنوان "جميهم تم حصارهم"، وكأن العدد الثاني بعد قرابة ثلاثة عقود يكمل الحكاية الأولى، التي رأت المجلة أن تلك القوة التي كانت تمثلها الثورة الفلسطينية انتهت بحصار "المقاطعة".. "الصورتان تعكسان بداية الحلم الفلسطيني بثورة من أجل دولة فلسطينية حرة، ونهاية الحلم بحصار عرفات ومن ثم اغتياله.
ويقول شوملي: خلف كل عمل صورة مثقلة بالدلالات، صورة تقبض على زمن مفصلي بالتاريخ الفلسطيني المعاصر ... رغبة غامضة هي التي شدتني إلى العمل على هذه الصور انطلاقاً من الآن وهنا، فكلما كنت أواجه تلك الصور تملكني شعور غامض، ورغبة في إعادة صياغة تلك اللحظة التي تقبض عليها كل صورة، قتلها أو ربما استكشاف حياة جديدة لها، ببساطة لم أجد نفسي قادراً على التسليم بالنظر إليها فقط، دون أن أترك العنان لرغبة داخلي تشبه "التخريب" أو تبدو كذلك، أو تفعل فعلها أثناء عملية إنتاجها من جديد ... ربما تدخلاتي "التخريبية" هي كل ما أردت قوله في هذا العمل، ربما هي سوداوية فرد في مواجهة تاريخ مثقل بالمعاني ... سوداوية تحاول أن تجد متنفساً جمالياً لها عبر العبث فيما يشبه التاريخ، في زمن التبست فيه المعاني.
ويشير شوملي لـ"أيام الثقافة": انطلقت في ما يمكن تسميته بالاشتباك مع التاريخ الفلسطيني المعاصر، وبالتحديد تاريخ الثورة الفلسطينية بقصصها وحكاياتها ومنتجاتها البصري، وهذا الاهتمام جاء بداية عبر عملي في الملصقات والكاريكاتير، والتي هي فنون تحاول التواصل مع الناس بالاعتماد على التناقض في المتشابهات، والتشابه في المتناقضات، وساعدني في ذلك العمل في مشروع لأرشفة ملصقات (بوسترات) الثورة الفلسطينية، وما سبقها، ويعود إلى قرابة القرن .. خلفية الكاريكاتير و"البوستر" هو ما دفعني للعمل في هذه المنطقة.
وحول انعكاسات هذه الرؤية على عمله "بين زمنين"، يتبين ذلك في الكوفيتين اللتين قام شوملي بإعادة تركيبهما بصرياً، بعد "تنسيلهما" باستخدام تقنية "البكسل آرت"، أي الرسم بالنقاط، فأظهرت الأولى صورة لعرفات الثائر، والثانية صورة لعرفات في أيامه الأخيرة، في محاكاته للغلافي "التايم"، وبإسقاط غير موارب حول مآل الثورة الفلسطينية.
أما اللوحات التي هي إعادة تركيب لصور حقيقية تعود لحقبة الثمانينيات، وبالتحديد ما بعيد مغادرة الفدائيين منها، حيث تظهر الصورة الفارغة في إطار مذهب كجزء من إعادة تركيب الصورة من جديد، ما يجعل الأمر قابلاً لعدة تأويلات .. وعنها يقول شوملي لـ"أيام الثقافة": هذه اللوحات مبنية على صور حقيقية للاجئين فلسطينيين كانوا يحملون صوراً لعرفات ما بعد مغادرة الفدائيين بيروت، والجديد أنني أدخلت رسماً لي كطفل في هذه الصور .. في تلك الفترة كان عمري 11 عاماً، وللإطار المذهب الفارغ دلالات موجعة، تعكس حالة الإحباط التي تملكتني وغالبية اللاجئين الذين لا يزالون يهيمون على وجههم في بيروت وكل أنحاء العالم، فحين كان عرفات يغادر بيروت سأله أحد الصحافيين إلى أين أنتم ذاهبون، فأجابه: عائدون إلى فلسطين، وهو ما بث الأمل في نفوس اللاجئين وخاصة في لبنان، وكنت وأسرتي بينهم .. عرفات عاد إلى فلسطين، ولكن اللاجئين بقوا إلى الآن هناك، واللافت تلك اللوحة المعنونة بـ"إطار مذهب"، والتي يظهر فيها شوملي طفلاً يحمل الإطار المذهب الفارغ من أية صور، في محاكاة لرسومات الأيقونات المسيحية، ما يعكس حالة التوهان التي يعيشها الفلسطيني قبيل "أوسلو"، وما بعدها.
أما مشروع شوملي الثاني "الأيقونة"، فيقوم على مقارنة ومقاربة ما بين "الملصق الفلسطيني" والإعلان التجارية لكبرى الشركات والبنوك الفلسطينية، والتي تحاكيها بشكل أو بآخر في إعلاناتها، مستهجناً تحول صورة المناضلة ليلى خالد، بوعي أو دونه، من مقاومة تحمل البندقية إلى فتاة تروج للقروض البنكية، وكأنها عملية "اختطاف" لرمزيات وبصريات الثورة الفلسطينية، ومحاولة مضللة لإظهار رأس المال الفلسطيني كرأس مال وطني بحت!
وقال شوملي: بدأت السلطة الفلسطينية بداية العام 2011 عملية تمهيد للتقدم بطلب إلى الأمم المتحدة بهدف الاعتراف بالدولة الفلسطينية. ومنذ ذلك الحين، بدأت بعض الشركات الفلسطينية الكبرى بتبني موضوع قومي وطني لإعلاناتها. فقد بدأت هذه الشركات باستخدام الرموز الوطنية التقليدية والصورة الرمزية الفلسطينية الأيقونية (أي الكوفية)، في تلك الإعلانات، بل لجأت أحيانا إلى عملية تكرار ونسخ فقط للملصقات الفلسطينية الثورية الشهيرة التي تم إنتاجها في سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين. كما أنني أرى في هذه الأيام الأيقونات والرموز الوطنية من أمثال ليلى خالد وغيرها، من رموز تلك السبعينيات والثمانينيات وهي توظّف في الإعلانات التجارية، وذلك من خلال استخدام وتوظيف نفس العناصر البصرية الشعبية الشهيرة، كوسيلة لربط تلك الشركات بالذاكرة الجماعية. ويتم هذا الأمر على الرغم من أن"الهدف الوطني" في الوقت الحاضر لاعلاقة له، بل يتناقض، مع تطلعات وطموحات الفلسطينيين في السبعينيات والثمانينيات نحو الحرّية !
ويرى الشوملي في تركيزه على تاريخ الثورة الفلسطينية ما يطرح أسئلة للفلسطينيين ويقدم أجوبة لها، أما بالنسبة للغرب فهي تثير أسئلة فقط، وهذا جعلني أركز على جماليات العمل الفني لتسليط الضوء على القضايا الفلسطينية التي قد تكون مغرقة في المحلية، وابرزها تلك "الأيقونة" التي تحاكي الصورة الشهيرة لليلى خالد، ولكن باستخدام قرابة خمسمائة "قلم حمرة"، فمن بعيد تظهر صورة امرأة ترتدي كوفية وتحمل بندقية، وعن قرب يلفتك أقلام الحمرة، خاصة لمن لا يعرف من هي ليلى خالد، فالعمل "من جهة يعكس تحولات الثورات، وتحولات أدوار المرأة الفلسطينية ..وهنا أشير إلى أن ليلى خالد غيّرت من ملامحها عبر ست عمليات تجميل، كي لا تكون رمزاً أيقونياً للمرأة الفلسطينية، حتى باتت أقل جمالاً، وهو ما ساعدها لاحقاً في خطف طائرة أخرى .. "عمليات التجميل في السابق كانت تخدم الثورة والمقاومة، أما عمليات التجميل الآن فباتت للتشبه بهيفاء وهبي وغيرها".
أما مشروعه ما بعد "زوروا فلسطين" أو المقصلة، فهو عبارة عن إعادة استخدام ساخر لملصق "زروا فلسطين" الأصلي الذي أنتج العام 1936، والذي قام بتصميمه، آنذاك، الفنان الإسرائيلي فرانز كراوس، وقامت بدورها وكالة التنمية الصهيونية بنشر هذا الملصق لتشجيع كتلة مؤثرة من اليهود على الهجرة إلى فلسطين قبل تأسيس "دولة إسرائيل"، أما في العام 1995 فقد قام فنان إسرائيلي آخر هو ديفيد تارتاكوفر بإعادة طباعة الملصق كوسيلة احتفالية بالتفاؤل الناجم عن اتفاقية أوسلو للسلام، والحديث عن احتمال قيام دولة فلسطينية .. "الآن وبعد فشل عملية السلام، لربما آن الأوان لطبعة ثالثة من ملصق زوروا فلسطين لتعلن فشل الطبعتين السابقتين"، وهو ما قام به بالفعل عامر شوملي صاحب الفيلم العالمي "المطلوبون 18"، حيث اشتمل الملصق على إضافة جدار الفصل العنصري الذي حجب غالبية ملامح القدس لما فيها قبة الصخرة، على عكس الملصقين الإسرائيليين السابقين، اللذين تركا المجال رحباً أمام المشهد بكامله، في محاولة تضليل بأنها "أرض الميعاد".
"الرحلة 110"
وتحت عنوان "الرحلة 110" يشارك الفنان خالد جرار بمشروع فني في "آرت دبي 2016"، متكئاً على منتج بصري فيلمي سابق حمل العنوان ذاته، وتم البناء عليه في فيلم جرار العالمي الشهير "المتسللون".
وتناول في فيلمه "الرحلة 110" معاناة الفلسطينيين في التواصل فيما بينهم بسبب جدار الفصل العنصري٬ ما دفعهم للبحث عن طرق بديلة عنوانها الخطر المؤدي إلى الموت أحياناً٬ ومنها ذلك النفق المليء بالمياه العادمة٬ والفاصل ما بين شقي بلدة بيت حنينا٬ قرب القدس٬ مصوراً معاناة النساء٬ والأطفال٬ والشيوخ٬ والشباب بطبيعة الحال أيضاً.
وبين أنه تعمد عدم إظهار وجوه "الأبطال اليوميين للرحلة المؤذية"٬ كون أنه من جهة لا يريد أن يتسبب لهم بالأذى٬ وبالتالي يتعرضون لملاحقات أمنية من قبل سلطات الاحتلال٬ ومن جهة أخرى كونه ينزح في ما يقدمه من أفلام نحو بناء المشهد العام للحكاية٬ وتسليط الضوء على "الحالة" التي لا يعرف عنها الكثيرون بعيداً عن الشعاراتية والمباشرة٬ فهو لا يقدم فيلماً وثائقياً بل يكاد يقترب من دائرة ما يعرف بـ"الفيديو آرت".
وتحدث جرار عن حكاية مؤلمة في ما يشبه الفيلم، الذي اقتبس منه مشروعه الفني الفوتوغرافي هذه المرة، بخصوص نفق المياه العادمة٬ معبر الفلسطينيين ما بين بيت حنينا "الفوقا" و"التحتا"٬ حيث قام جنود الاحتلال بإغلاق المدخل والمخرج على من فيه وإلقاء قنابل الغاز المسيل للدموع داخله٬ ما أدى إلى العديد من حالات الإغماء والاختناق٬ إضافة إلى الذعر الشديد٬ ما خلق حالة من الدهشة لكل من شاهد الفيلم في جميع أنحاء العالم، بما فيها فلسطين.
وفي مشروعه المشارك في "آرت دبي 2016" تم اختيار صورتين لنساء في "نفق المياه العادمة" من فيديو "الرحلة 110"، وهو أي جرار فوتوغرافي بالأساس .. صورتان قابلتان لمن لم يشاهد فيديو "الرحلة 110" إلى نسج حكايات متعددة حول ما دفعها لعبور النفق نحو الجهة الأخرى من البلدة، أو باتجاه القدس، وما ذا كانت مصائرهم، بحيث تعكسان حالة غائبة عن الكثيرين في العالم، الذي لربما لم يسمع بعضهم بجدار الفصل العنصري، فما بالنا بهذا النفق.
في الصورتين، كما في الفيديو، ويحملان ذات الاسم، تظهر النساء من خلال ملامح وجوههن في نفق القاذورات، ومحاولاتهن غير البائنة للحفاظ على نظافتها من بركة الأوساخ التي يغوصون فيها، وكأنهن منجدات يتدربن على أقسى ظروف الحياة التي يمكن أن يمروا فيها، فلكل عابر، وليس النسوة فقط، أسبابه الخاصة التي تختلف وتتوزع بين الديني والاجتماعي والصحي .. هي حاجات إنسانية بسيطة لكنها محرمة على من يقفن دون تصنع أمام عدسة جرار في ظروف غير طبيعية، فيكون اللجوء للنفق حلا ووسيلة أخيرة لفعل كان لا بد أن يتحقق. تقرير لصحيفة "الأيام" الفلسطينية
