حركة "فتح"... خمسون عاماً من تجربة الشعب الفلسطيني

مراجعة ماجد كيالي تجربة حركة "فتح" الفلسطينية، وردت في كتابه "فتح 50 عاماً - قراءة نقدية في مآلات حركة وطنية (المؤسسة العربية للدراسات والنشر)". وإذ أصاب الكاتب عندما وصف الحركة، موضوع النقد والمراجعة، بأنها الأكثر شبهاً بشعبها، فإنه ابتعد من هذا الوصف حيناً، واقترب منه أحياناً، عندما جعلها تنظيماً قائماً بذاته، خلواً من انتسابها إلى واقع شعبها، أو عندما قرأها بنظارات فيها بعض الخلفية "النخبوية" التي تقارب إسقاط الرغبة على الواقع، عندما تفترق النظرية عن معطيات العيش اليومي، أو عندما تُظهر الوقائع عناداً أشد، ومغالبة أعلى، في صراعها مع النظرية والأفكار والرؤى، فتمنع انسيابها، أو تعرقل سلاسة هذا الانسياب.

ربما كان المدخل الجدير بأن يكون نقطة بداية في مراجعة تجربة حركة "فتح"، هو مدخل مراجعة معضلات الحركة الوطنية الفلسطينية عموماً، ومن ضمن القراءة الأشمل هذه، تصير رؤية الأزمة الخاصة بـ "فتح" مفهومة أكثر، وكذلك الأزمات الخاصة بكل تنظيم فلسطيني على حدة. هذا الأمر يعيد القضايا إلى نصابها الأصلي، إذ إن السنوات الخمسين، التي هي عمر "فتح"، ليست كل عمر الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي الذي يعود إلى بدايات القرن العشرين قبل إنشاء إسرائيل، وصعود "فتح" الثورة وترهل "فتح" السلطة، لم يكونا حالتين فريدتين في تاريخ الشعب الفلسطيني، الذي عرف اشتعال الصراع مثلما عرف خفوت جذوته، وتعرَّف لاحقاً إلى تجربة "السلطة"، بعد أن انتقل الصراع إلى الداخل، فبات يدور فوق جزء من تراب فلسطين.

اعتمد كيالي مراجعة أدبيات حركة "فتح" منذ انطلاقتها، وعاد إلى مقررات مؤتمراتها، وأشار إلى المحطات السياسية الأساسية التي رافقت تحولاتها...، وعاين الوضع التنظيمي الذي قليلاً ما ضبط جسم "فتح" الفضفاض، وكثيراً ما كان سبباً من أسباب عدم استقامة حياتها الداخلية، وشكل كابحاً أمام تحولها إلى "حزب أو مؤسسة أو جبهة" أو كيان سياسي له حدود معروفة وآليات اتخاذ قرار معلومة... ولم تغب عن المعاينة لدى الكاتب، حقيقة التيارات السياسية التي شغلت حيزاً ضمن المساحة الفتحاوية، فأشار إلى يسار "فتح"، بفروعه الثلاثة، القومية واليسارية والإسلامية، وربط بين تقدم أحدها على الآخر وبين الظروف السياسية العامة التي كانت تحيط بالوضع الفلسطيني، خصوصاً وجود الاتحاد السوفياتي والمنظومة الاشتراكية، على ما كانت عليه حال تلك الأيام.

من النصوص، أطل ماجد كيالي على الأسباب الذاتية والموضوعية التي أملت راديكالية مناخ بعض مقررات المؤتمرات الفتحاوية، خصوصاً المؤتمرين الثالث والرابع، وفي السياق ذاته عرض للأسباب التي أدت إلى خفوت تلك الراديكالية، من محطة سياسية إلى أخرى، وما كان صعوداً فلسطينياً عاماً، فازت حركة "فتح" بالنصيب الأكبر من جناه، اتخذ منحى انحسار إجمالي كان لـ "فتح" أيضاً الحصة الأهم من خسائره وتداعياته. هي معادلة الغنم بالغرم، التي ألقت بظلالها على التجربة الفتحاوية، والتي ما زالت تداعياتها تتوالى حتى تاريخه، في صيغة مأزق فلسطيني سياسي عام، وفي صيغة مأزق فتحاوي خاص، والمأزقان يختزلهما سؤال واحد هو: ماذا عن اليوم التالي فلسطينياً؟ هذا السؤال الملح لا يستطيع المكوث طويلاً في انتظار الجواب، ذلك أن كل انتظار فلسطيني طويل، تملأه العدوانية الإسرائيلية باغتصاب إضافي للحقوق الفلسطينية.

سؤال ماذا عن اليوم التالي، واجه الحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة قبل هزيمة الخامس من حزيران (يونيو) 1967، وجاء الجواب في صيغة انطلاقة الكفاح المسلح الذي أطلقت رصاصاته حركة "فتح" في 1/1/1965. لم تكن تلك الرصاصات الأولى في سيرة النضال الفلسطيني، فقد سبقتها رصاصات في أزمنة فلسطينية أخرى، لكن هذه الطلقات كانت الأوسع أثراً والأشد فعلاً، بعد أن صارت استجابة لتطلعات الشعوب العربية المكسورة بالهزيمة، وبعد أن شكلت مخرجاً لعدد من الأنظمة التي كانت مسؤولة عن خسارة الأرض الوطنية، وعن ما تبقى من أرض فلسطين التاريخية. يشير ماجد كيالي إلى ذلك بوجه حق، ويتابع رصد المحطات التاريخية المتوالية من نص وثيقة فلسطين الديموقراطية عام 1969، إلى اتفاق أوسلو، مروراً بما بينهما من محطات برنامجية حيوية، عندما كان الثقل الأساسي للقوى الفلسطينية متمركزاً في لبنان، وبعد خروج قوات منظمة التحرير الفلسطينية، ومنها "فتح"، من بيروت، بعد الاجتياح الإسرائيلي عام 1982. تحرص إشارة الكاتب على الربط بين السياسة والميدان، ولا تبعد عن التذكير بمبادئ التأسيس ومفاهيم الانطلاقة وشعاراتها، وتقترب كثيراً من ملامسة الموضوع، عندما تؤكد على العوامل الموضوعية التي شكلت قاعدة أساسية للصعوبات التي واجهت الحركة الفلسطينية.

في أعلى صفحة الصعوبات نقطة حاسمة، هي قيام الثورة الفلسطينية خارج أرضها، وتحركها ضمن ميزان قوى غير مناسب، وضعف الموارد المالية الذاتية، ومحاصرتها بظروف عربية غير ملائمة، وغلبة الطابع العسكري على توجهات النشاط السياسي، والميل إلى تقديس العنف، وإعلاء شأنه كوسيلة أحادية لتأكيد الذات الفلسطينية.

هذا على صعيد موضوعي، أما على الصعيد الذاتي، فلا يتوانى ماجد كيالي عن الإشارة إلى العوامل الذاتية التي فاقمت الصعوبات الموضوعية، ومنها تعثر حركة "فتح" في طريقة إدارتها لأحوالها، والتخبط بين خياراتها التي لم توصل القيادة التي اعتمدتها إلى برٍّ سياسي آمن، أو إلى جنى شعبي وفير، هذا بالإضافة إلى العلاقات الداخلية التي باتت ركيزتها الولاءات الشخصية، والمنازعات المصلحية الفردية، بدلاً من أن تكون الركيزة الأساس اختلاف الرؤى الفكرية، وتعدد المقاربات السياسية، وتنوع النظرات إلى الخيارات الأسلم والأجدى، التي يمكن اللجوء إليها لتحقيق الحد الأعلى من المكاسب للشعب الفلسطيني. من هذه الخلاصة، يشير كيالي إلى أن حركة "فتح" فقدت تميزها الذي كان لها، خصوصاً في جانب التعدد والتنوع وتعايش "التيارات" والآراء، فلم تطور مفهوم الجبهوية، هذا الذي رافق نشأتها، ولم تضخ حياة جديدة في حيويتها التي تعينها على المفاضلة بين الخيارات، وأصابتها السلطة بلوثة الترهل، في الظروف المعلومة التي وجدت فيها السلطة، وفي الوقائع المعاشة التي تتخبط بين جنباتها، بحيث تبدو في واقع "التبعية" للمانح الغربي والراعي الأميركي، وفي موقع المرتبط الفاقد للمبادرة حيال التعنت الإسرائيلي، وفي حالة المستفرد في ظل الوضع العربي الحالي، الذي انكفأ ساسته إلى مواجهة ما أصابه من عصف "الربيع" الذي لم يتفتح أملاً في أي من الديار العربية.

تبقى نقاط عالقة كثيرة تعرض لها كيالي وخصَّها بسطور من النقد، وهي نقاط سجالية تحتاج إلى مراجعة لمراجعة الكاتب، إذ أنها تصير معلقة في فضاء غير مفهوم، إذا ما جرى تناولها بقلم الاختصار، ففي مجال المحطات الكبرى، لا يجوز الاختزال التبريري، مثلما لا يفيد الإيجاز النقدي، وفي الحالتين لا مكان للعدمية السياسية التي لا ترى جديداً تحت الشمس. على ذلك، فإن محطة برنامج الدولتين ستظل موضع مراجعة، ومعها كل التجربة في لبنان وما رافق ذلك من "أدبيات الخروج" من بيروت، كذلك سيظل مطروحاً على بساط البحث إعلان الاستقلال ومضامين الانتفاضتين الأولى والثانية، وسيكون لاتفاقية أوسلو وتجلياتها حتى تاريخه، النصيب الأوفر من المراجعة. لكن كل المراجعة لن تستقيم من دون التعرض لمواقف الفصائل الفلسطينية الأخرى، ومن دون مراجعة الأدوار العربية الرسمية، خصوصاً تلك التي أدمنت التخريب في الساحة الفلسطينية.

يكتب ماجد كيالي أن روح حركة "فتح" ما زالت راهنة، وإنها تكتسب اليوم كل مشروعيتها. هذا صحيح، فالحركة التي تشبه شعبها لا يمكن إلاَّ أن تكون واجبة الحضور، الجديد والمتجدد، في وجدان وواقع هذا الشعب الذي أعطى الكثير، وما زال يعلن بكفاحيته العالية، أنه ينبوع لكل عطاء.
* كاتب لبناني/"الحياة" اللندنية

المصدر: أحمد جابر -