يتزايد الجدل في إسرائيل حول الشطر الشرقي من القدس المحتلة إزاء اقتراح مجموعة سياسيين وعسكريين سابقين بناء المزيد من الجدران فيها وفصلها عن 28 من بلداته، لتفادي "التهديدات الديموغرافية". وتسعى حركة "من أجل إنقاذ القدس" إلى تقطيع أوصال المدينة بفصل القرى المحيطة بها عنها بغية تحقيق هدف أمني، ديموغرافي ومالي. وتعمل "الحركة من أجل إنقاذ القدس" منذ شهر على إقناع الرأي العام والحكومة بضرورة الإسراع بنقل هذه القرى خارج نفوذ بلديتها وإخضاعها للحكم العسكري كبقية الضفة الغربية.
يشار إلى أن إسرائيل أخضعت القدس الشرقية والكثير من قراها لسيادتها بعد احتلالها عام 1967 وفي ظل فشلها في تغيير التوازن الديمغرافي تزداد فيها الأصوات الداعية لبناء جدران بين المدينة وبين ضواحيها في محاولة لتكريس طابع يهودي لها. وتتطلع "الحركة من أجل القدس" التي تشمل وزراء وجنرالات سابقين فيالجيش والشرطة، وهي تعمل لإخراج 200 ألف فلسطيني من منطقة نفوذ بلدية الاحتلال في القدس يقيمون في القرى المذكورة من قلنديا حتى جبل المكبر ويحملون بطاقات هوية زرقاء.
ومن بين مؤسسي الحركة وأعضائها البارزين الوزير السابق حاييم رامون (العمل) والجنرال السابق في الشرطة ديفيد تسور، ومديرعام وزارة الأمن سابقا الجنرال عاموس يارون، والرئيس السابق للمخابرات العامة "الشاباك" والجنرال بالاحتياط شاؤول أرئيلي.
ويستدل من موقع الحركة أن القائمين لا يستخدمون مصطلح "تقسيم القدس" لأنهم يعتقدون أن السياسيين يضللون الإسرائيليين بتأكيداتهم رفض تقسيم المدينة المقسمة على أرض الواقع لاسيما أن بعض أحيائها بات خلف الجدار الحالي كجبل المكبّر وعرب السواحرة.
وعن الدافع لتأسيس الحركة قال رامون للقناة الإسرائيلية العاشرة إن الكثير من المهاجمين الفلسطينيين في الانتفاضة الحالية وصلوا من القدس الشرقية، وإن تعزيز الأمن يقتضي فصلها عن القرى المحيطة بها بواسطة جدار.
شعفاط وأبو غنيم
ويدعو رامون وهو صاحب فكرة جدار الفصل العنصري لاستكمال الجدار الذي يقطع أوصال القدس من أجل "الفصل بين الأحياء الفلسطينية كشعفاط وبيت حنينا والعيساوية وجبل المكبر حتى صور باهر، وبين الأحياء اليهودية كحي النبي يعقوب، عن طريق مستوطنة بسغات زئيف والتلة الفرنسية حتى جبل أبو غنيم.
وطبقا للخطة المقترحة سيتم إدخال هذه القرى ضمن المناطق المعرفة بـ "بي" أو "سي" تحت السيادة الأمنية الإسرائيلية الكاملة كالكثير من القرى الفلسطينية في الضفة الغربية المحتلة.
ويدعي رامون أن رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو قرر فور بلوغه الحكم مجددا عام 2009 وقف بناء جدار الفصل في القدس خوفا من تحول ذلك لتقسيم فعلي للمدينة. لكن الخطة المقترحة تواجه معارضة من جهة اليمين الذي يرى بها إعلانا واضحا بتقسيم المدينة، ويرد القائمون على ذلك بالقول إنها مقسمة على أرض الواقع منذ سنوات.
كما تصطدم الخطة بمعارضة من قبل اليسار الذي يشكك بجدوى كل خطوة أحادية الجانب، بل يقول إنها غير قابلة للتطبيق لأن الكثير من سكان هذه القرى يقيمون ويعملون داخل المدينة، وإن فصلهم عنها يعني إبقاءهم بلا مصدر عمل ودون أفق مما يزيد من تحاملهم.
لكن الجنرال ارييه عميت القائد السابق للشرطة في القدس يؤكد أن "أسطورة المدينة الموحدة" هو واحد من أكبر الأكاذيب التي يرددها قادة إسرائيل منذ سنوات. وفي حديث لملحق صحيفة "يديعوت أحرونوت" أمس برر عميت تدخله هو وزملائه بالقول إن قادة إسرائيل لا يتطلعون للأمام بسبب رؤيتهم السياسية الضيقة.
وتابع "هذه القرى المذكورة لم تكن قبل 1967 جزءا من القدس لكن لجنة إسرائيلية استعلائية ومنبهرة بالانتصار وقتها قررت توسيع المدينة وهذه القرى عبارة عن بيت للكراهية والعمليات المعادية ومن يتجول فيها يدرك مدى خطورتها على مستقبلنا". ونفى انطواء الخطة على تقسيم القدس، ويتهم السياسيين بالشعاراتية، ويحذر من قيام سكانها الفلسطينيين يوما ما بترك السكاكين جانبا واستبدالها ببطاقات الاقتراع والمشاركة بانتخابات البلدية والعمل ضد إسرائيل بوسائل ديمقراطية، وبعد فترة سنجد رئيسا من حماس للبلدية، ومن لا يدرك ذلك فهو أعمى والقدس لن تكون يهودية بعد سنوات".
وينفي الجنرال في الاحتياط شاؤول أرئيلي أيضا أن الحركة دوافعها سياسية، ويقول إنها تدرك أن إقناع الإسرائيليين بجدوى الخطة يحتاج لمسيرة طويلة. ويتابع في حديث للقناة العاشرة أمس "واضح لنا أن الحركة ستواجه عقبات وتحفظات كثيرة بيد أننا قررنا المضي بالخطة خطوة خطوة حتى ننجزها". ويكشف الهدف الجوهري للخطة بالقول إنها ستخرج 200 ألف فلسطيني من منطقة القدس وانتزاع بطاقات الهوية الإسرائيلية منهم وعندها سترتفع نسبة اليهود في المدينة بشطريها الشرقي والغربي من 60٪ إلى 80٪ وحيث سيبلغ عدد اليهود في القدس 532 ألف نسمة مقابل 123 ألف فلسطيني. ويخلص للقول "اليوم تواجه إسرائيل حالة حساسة، ففي حال قرر المقدسيون الفلسطينيون يوما ما أن يشاركوا في انتخابات بلدية القدس فربما يكون رئيسها أحد أحفاد المفتي الراحل أمين الحسيني".
مرّ وأمر
ويتفق مع رامون على إن الخطة تمكّن إسرائيل من اعتماد استراتيجية تؤمّن عاصمة يهودية وصهيونية. وتبقي الخطة بعض قرى القدس فيها وتحت سيادة بلديتها كسلوان ووادي الجوز ورأس العمود وأبو تور بسبب "حساسية الموضوع وقربها من الحرم القدس الشريف".
ويوضح أرئيلي أنه لم ولن تكن خطة مرتبطة بالصراع الإسرائيلي ـ الفلسطيني خالية من المثالب فهناك "مرّ وهناك أمرّ" كما هو الحال مع جدار الفصل أو إعادة فك الارتباط عن قطاع غزة.
خطاب الانفصال
وتبدي وزيرة التعليم الإسرائيلية السابقة يولي تمير استغرابها حيال منطق الخطة القائم على المزيد من الجدران الفاصلة بين الإسرائيليين وبين الفلسطينيين ومن كون القائمين على الخطة المذكورة من "اليسار".
وعبرت عن خجلها من خطاب اليسار الصهيوني في إسرائيل الذي انتقل من خطاب السلام مع الفلسطينيين لخطاب الانفصال عنهم وسط استخدام مصطلحات عنصرية واستعلائية.
وترى في كلمة أمام مجموعة مثقفين يهود وعرب في حيفا أن الحل في القدس وغيرها يكمن بالعودة لتسوية الصراع بإقامة دولة فلسطينية على الأراضي المحتلة عام 1967 والتأكيد على لا أخلاقية وخطورة الاحتلال للطرفين دون تلعثم.
