في الجيش الإسرائيلي لم يعرفوا حقا كيف يشرحون لوزراء الطاقم الوزاري المصغر "الكابينت" الذين زاروا فرقة المناطق هذا الأسبوع ما الذي تسبب بالانخفاض الدراماتيكي في عدد العمليات في الأسبوعين الأخيرين. فقد عرضوا عليهم الحسابات الجديدة التي طورتها الاستخبارات واستهدفت تشخيصا من بين آلاف الفلسطينيين الذين يرفعون بوستات إلى الشبكة عن رغبتهم في أن يكونوا شهداء كفيلون بأن يجربوا تحقيق تطلعهم. فكل يوم وكل ليلة يقتحم الجيش والمخابرات الإسرائيلية منازل بضع عشرات كهؤلاء ويقوموا باجراء حديث إيضاح لهم ولعائلاتهم. ولكن في الجيش أيضا يعترفون بأن هذا مجرد تفسير جزئي للانخفاض الكبير في ظاهرة العمليات.
الحقيقة هي أن لا أحد لديه تفسير كامل للانخفاض الحالي. فلم يحصل أي شيء على الأرض والأجواء نفسها أيضا لم تتغير. ولكن الجميع، وعلى رأسهم أولا وقبل كل شيء رجال الاستخبارات، يحذرون من الحديث عن خبو الظاهرة. في هذه اللحظة يتعاطون مع هذا كانخفاض لحظي كفيل بأن ينقلب ذات يوم.
لقد سبق أن رأيت من ادعوا بجدية أن الجندي الذي اطلق النار على المخرب الملقى على الأرض في الخليل – هو الذي أوقف العمليات. شيء واحد أوقفه بيقين – الجندي التالي الكفيل بأن يقرر بناء على رأيه الخاص ان يصفي مخربا محيدا. فالمعالجة الصارمة والحازمة التي قام بها الجيش بحق الجندي مطلق النار، بإسناد وزير الأمن، ثبتت دفعة واحدة المعيار في الجيش ونقلته بسرعة حتى آخر الجنود.
خيرا فعلت المحكمة العسكرية التي وازنت مطالب النيابة العسكرية وبعثت بالجندي إلى معتقل مفتوح. هو سيعاقب، ولكن لا يوجد أي سبب يدعو إلى الثأر الشخصي منه. قاضي المحكمة العسكرية سبق أن اشار هذا الاسبوع إلى النيابة العامة بأن من الافضل ان تخفض مادة الاتهام – بحيث ان من المعقول ان تنتهي هذه الحالة بصفقة قضائية والا تصل إلى المداولات. المهم كان نقل رسالة قيادية واضحة عما هو مسموح به وما هو محظور – وهذا تحقق منذ الآن.
الحدث في الخليل والمصافحة الحارة التي تلقاها الجندي مطلق النار من باروخ مارزل فور الحادثة رفعا إلى السطح مرة اخرى مسألة علاقة وتأثير المستوطنين على قوات الجيش الإسرائيلي التي تحميهم. فآيزينكوت يحرص على ان يقول المرة تلو الاخرى للقادة بأنهم أصحاب السيادة في الميدان وعليهم واجب إنفاذ القانون والنظام، ولكن اقواله تبقى في الهواء. فقوات الجيش الإسرائيلي التي تخدم في المناطق غير قادرة، في معظم الحالات على إنفاذ القانون على الإسرائيليين الذين يسكنون هناك.
ان تكليف جنود الخدمة الالزامية بمهام حفظ النظام حيال الفلسطينيين اشكالي بما فيه الكفاية. فمن الصعب أن نتوقع من جنود ابناء 20 ان يكونوا قادرين على انفاذ القانون حتى على من يفترض بهم ان يحموهم. وصاحب السيادة الحقيقي في الميدان هم المستوطنون، وهذا لا يمكن لايزينكوت ان يغيره.
كما أنه سيجد من الصعب ان يتخلص من وسم اليساري الذي التصق به في هذا الحدث في اوساط محافل اليمين. ففي الخطاب الهائج لدولة إسرائيل اليوم – فان من يتمسك بحكم القانون يعتبر يساريا. التهديد على الديمقراطية الإسرائيلية يأتي اليوم من الداخل، من داخل الحكم.
لا، المحكمة العليا ليست فوق النقد، وقراراتها ليست اقوالا حية للرب. كما أن التباكي الذي رأيناه في مؤتمر المحامين ضد وسائل الاعلام التي تتجرأ على انتقاد المؤسسات القضائية ليس في مكانه. فممكن وجدير انتقاد مضمون قرارات المحكمة، ولكن محظور التشكيك بصلاحياتها في اتخاذ القرار.
هزة أميركية
إن ضعف الديمقراطية ليس ظاهرة خاصة بإسرائيل. فبعد تسعين سنة من انهيار الديمقراطيات الأوروبية امام الفاشية، يقف مرة اخرى العديد من الديمقراطيات الغربية امام أزمة. فالنظام الديمقراطي الذي نجح، إلى هذا الحد أو ذاك، على مدى اكثر من قرن – بدأ يفقد صوابه.
مزيدا من الجماعات، المنظمات والناس حلوا لغز النظام ووجدوا السبيل لاستغلال ثغراته كي يمرروا قرارات وافكارا غير ديمقراطية. وسواء كان هؤلاء مسلمين في أوروبا ممن يدعون إلى تدمير النظام في بلادهم واحلال قانون الشريعة، أم نوابا في كنيست إسرائيل يتماثلون مع حزب الله، وحتى رؤساء الحزب الجمهوري في الولايات المتحدة ممن يحاولون الان ايجاد طريق غير ديمقراطي لصد مرشح خارجي كفيل بان يحتل الحزب بأكثر طريقة ديمقراطية متوفرة.
ان المسيرة التي تمر بها الولايات المتحدة هي الاكثر اثارة للتشويق. فمنذ عشرين سنة لم يسبق أن كانت أميركا سياسية بهذا القدر. والمرة الاخيرة التي عني بها حديث عادي في وليمة عشاء، في حفلة استقبال او في رحلة جماعية، بالسياسة، كانت في عهد قضية مونيكا لفنسكي. ومنذئذ لم التقِ يقظة سياسية بهذا القدر، تنصب بمعظمها على حملة الانتخابات، التي في الغالب تبقى ناعسة حتى السطر الاخير.
ينجح دونالد ترامب في هز أميركا ويتوجه إلى جمهور متعاظم مل كل ما تمثله السياسة التقليدية. ومثله، يفعل بيرني ساندرز بالضبط ولكن من الجناحي اليساري. نحن ننشغل كثيرا بمواقف السياسة الخارجية للمرشحين، ولكن من تحت كل السياسة الأميركية يوجد اساسا مسألة مشتعلة واحدة: كيف يتوقف الافلاس الاقتصادي للامبراطورية؟
مع دين قومي سيصل قريبا إلى 20 تريليون دولار، اكثر من الناتج الأميركي، نحو ربعه محتجز لدى الصينيين – فان الاقتصاد الاقوى في العالم كفيل بان يصل إلى الافلاس او أن يكون معلقا تماما بالنية الطيبة للعملاق الصيني. لقد سبق ان رأينا في السنوات الاخيرة كيف تفلس دول وبعد ذلك تتسول، وابعاد هذا الخطر سيكون المهمة رقم واحد لكل رئيس.
لقد حاول الرئيس المنصرف هو الاخر ان يتصدى للدين المتعاظم. ولكنه فعل هذا فقط عن طريق تقليص النفقات. وترامب، الذي سبق أن تعلم شيئا أو اثنين عن "الالتفاف" في المجتمع، يعرف بأن تقليص النفقات وحده يجعل الانسحاق اطول. من اجل الخروج من الهوة يجب أيضا العثور على الفرص التي تزيد المداخيل.
في مقابلة هاتفية منحها لـ"نيويورك تايمز" بسط ترامب مبادئه للسياسة الخارجية، والتي لا تعوزها التضاربات. فقد هدد بالكف عن حماية حلفاء الولايات المتحدة في اوروبا، في الشرق الاقصى والادنى، الا اذا دفعت هذه الدول لقاء خدمات الامن التي توفرها لهم الولايات المتحدة. كثيرون سخروا من اقواله، ولكن فيها غير قليل من المنطق، إذا اخذنا بالحسبان وضع القوة العظمى الأميركية.
وآمل أن في القدس من يريد الان الزيادة الكبيرة للمساعدة الأميركية ان يستمع جيدا لهذه الاقوال. هذا هو الزمن للتغلب على النفور، ومعانقة الرئيس اوباما وانتزاع التزام منه لاتفاق مساعدة للسنوات العشر التالية. بعد تشرين الثاني – سيكون هذا أصعب بكثير.
عن"معاريف"
