أصدر مركز "مدى الكرمل" العدد السادس والعشرين من مجلّة "جدل" الإلكترونية. ويناقش العدد قرار حظر الحركة الإسلاميّة الذي اتّخذته الحكومة الإسرائيليّة في أواسط نوفمبر/ تشرين الثاني عام 2015. ويعتبر الدكتور مهند مصطفى احد محرري المجلة والباحث من أراضي 48، أن حظر الحركة الإسلامية بقيادة الشيخ رائد صلاح نقطةَ تحوُّل تاريخيّة في العلاقة بين إسرائيل وفلسطينيي الداخل ومؤشرًا على تغيير قواعد اللعبة، غير العادلة أصلًا، التي حكمت العلاقة بينهما.
ويرى مصطفى أن الحظر يفضي نحو قواعد جديدة تعمّق فيها إسرائيل خطابها وسلوكها الكولونياليّ الاستعماري تجاه الجماهير الفلسطينيّة داخل الخطّ الأخضر.
جاء ذلك ضمن مقالات بحثية نشرتها مجلة "جدل" الصادرة عن مركز " مدى الكرمل " للدراسات التطبيقية وتناولت جوانب مختلفة من قراءة وانعكاسات الحظر. ويعتبر مصطفى أيضا أن الحركة الإسلاميّة المحظورة ليست توجُّهًا صوفيًّا مُغلقًا، وليست جمعيّة عثمانيّة وإنما تيّار سياسيّ-أيديولوجيّ له حضور في كافة شرائح المجتمع العربيّ داخل أراضي 48 وطبقاته ومناطق وجوده.
وفي ظل النقاش المتصاعد بين الحركة الإسلامية وسواها في السنوات الأخيرة لاسيما منذ أحداث سوريا في عام 2011 يقول إن النقاش والاختلاف مع الحركة الإسلامية في أَجِنْداتها السياسيّة والاجتماعيّة لا يقدّمان تبريرًا أخلاقيًّا ووطنيًّا لدعم حظرها.
في مقالها قارنت الحقوقية الفلسطينية سهاد بشارة، حظر الحركة الإسلامية مع حظر حركة الأرض داخل أراضي 48، في ستينيات القرن الماضي، مشيرة إلى أنه في الحالتين لجأت إسرائيل لقوانين الطوارئ الاستعمارية. وتقرأ بشارة الحظر ضمن المنظومة القانونيّة-السياسيّة العامّة التي تحاول بها إسرائيل تجريم العمل والنشاط السياسيّين في المجتمع الفلسطينيّ . وتؤكد الكاتبة في نهاية مقالها أن المؤسّسة الإسرائيليّة تخطو بقرارها خطوة إضافيّة لتوسيع حيّزها القمعيّ والمهَيْمِن تجاه الفعل السياسيّ الفلسطينيّ في الداخل".
ويؤكد الصحافيّ هشام نفاّع ضمن قراءته أنّ الحظر جاء مرتبطًا باستراتيجيّة الحكومة غير الجديدة في إعادة إنتاج العدوّ العربيّ الفلسطينيّ على نحوٍ منهجيّ، وبغاياتها من ورائها..
وتقدّم الباحثة رنا إسعيد قراءة لدَوْر الحركة الإسلاميّة في تزويد خدمات اجتماعيّة ورفاه للمجتمع العربيّ، متطرّقةً إلى مشروع المجتمع العصاميّ الذي عملت الحركة الإسلاميّة على تجسيده من خلال المبادرة إلى بناء مؤسّسات أهليّة تهتمّ بمسألة الرفاه الاجتماعيّ بعصامية. وبيّنت الانعكاسات السلبيّة للحظر على شرائح اجتماعيّة مختلفة كانت تستفيد من الخدمات التي تقدّمها الحركة الإسلاميّة. مشيرة إلى أنّ إسرائيل تعتبر توفير الخدمات الاجتماعيّة "تهديدًا سياسيًّا – اجتماعيًّا"، لا منافسًا شرعيًّا للدولة ومؤسّساتها في هذا المضمار.
وفي مقاله يقدّم المحامي علاء محاجنة قراءة للعلاقة بين التحوّلات في السياسة الإسرائيليّة والصهيونيّة وحظر الحركة الإسلاميّة، مؤكِّدًا على العلاقة بين صعود التوجُّهات الدينيّة الاستيطانيّة في الحكومة والمشروع الصهيونيّ، وسعيِها لحظر الحركة الإسلاميّة، خاصّة على ضوء نشاط الأخيرة في القدس الشريف والمسجد الأقصى المبارك. وأشار إلى محاولات التيّار الدينيّ الاستيطانيّ الصهيونيّ إعادة امتلاك السيطرة الدينيّة على المسجد الأقصى، ويرى في الحركة الإسلاميّة عائقًا مركزيًّا أمام طموحه هذا.
وفي دراستها تقدّم الدكتورة تغريد يحيى- يونس مقاربة جندريّة لحظر الحركة الإسلاميّة، إذ تؤكّد في دراستها على الأبعاد السلبيّة للحظر على النشاط النسائيّ في الحركة الإسلاميّة. وتشير إلى أنّ شرائح نسائيّة واسعة وجدت في الحركة الإسلاميّة إطارًا سياسيًّا واجتماعيًّا ودينيًّا تستطيع من خلاله تأدية أدوار اجتماعيّة وسياسيّة، وفرصةً للخروج للعمل وتحقيق ذواتهنّ على المستوى الروحانيّ والنفسيّ أيضًا. وتقول الكاتبة، "أصابت تأثيرات الحظر، المجتمعَ الفلسطينيّ بأسْرِه والحركةَ الإسلاميّة الشماليّة برمّتها، بَنينا وبناتٍ ونساءً ورجالًا وأفرادًا وجماعة/ات. لكنّه بصورة مباشرة وذات خاصّيّة أصاب الفتيات والنساء من الموظّفات في الحركة والناشطات في الحركة التوعويّة أو حقول أخرى فيها، ومن يتلقّين خدماتها".
إلى جانب كلّ ما ذُكِر، يقدّم الباحث الأستاذ صالح لطفي قراءة إسلاميّة لحظر الحركة الإسلاميّة، وذلك عبْر مقاربة حضاريّة للحظر، معتبرًا فيها أنّ الصراع بين إسرائيل والحركة الإسلاميّة هو صراع حضاريّ لا سياسيّ فقط، مستخدِمًا الإطارَ الإسلاميّ متمثّلًا في مفهوم "الصراع" الذي تستخدمه إسرائيل في علاقتها مع الحركة الإسلاميّة، ومفهوم "التدافع" الذي تبنّته الأخرى في علاقتها مع إسرائيل.
وفي باب المقالات العامّة، ساهمت النائبة حنين زعبي بمقال حول القائمة المشترَكة، وهو استمرار للنقاش في الملفّ الذي طرحته مجلة "جدل" في عددها السابق الذي تناول القائمة المشترَكة من جوانب مختلفة. وتبيّن زعبي التبايُن السياسيّ والأيديولوجيّ بين مركّبات القائمة المشترَكة حول كُنْه المشترَكة ودورها، مضيفة أنه ينبغي على من يريد تطوير المشترَكة كاستراتيجية وطنيّة عدم الاكتفاء بتطوير ثقافة حِوار وطنيّ رصين ومسؤول بين أطراف المشترَكة، وانما عليه السعي لتقليص الاختلافات وتعميق الإجماع الذي بدوره يطوّر الرؤية السياسيّة للمشترَكة ويرفع سقفها.
وأخيرًا يقدّم الكاتب والباحث سلامة كيلة قراءة للقضيّة الفلسطينيّة في الوضع الراهن عمومًا، وبعد اندلاع الثورات العربيّة خصوصا، عارضا التحوّلات التي مرّت على المشروع الوطنيّ الفلسطينيّ، معتقدا بأن الثورات العربيّة تحمل في ثناياها انتصارًا للقضيّة الفلسطينيّة على العكس ممّا هو متوهَّم حاليًّا. إذ تنذر الثورات، برأيه بانقلاب كبير في الوطن العربيّ ليس في مصلحة الدولة الصهيونيّة وكلّ الرأسماليّات. ويتابع: "لقد أدّت (هذه الثورات) إلى أن يعود التفكير في انتفاضة ثالثة من قبل شباب فلسطين في مختلف مناطقها."
