"ليس من السهل أن يوفي المرء كتاب الآنسة غرانكفست حقه من الثناء، فقدرتها على الوصف واستخدام النصوص فائقة، ومادتها الإحصائية منظمة في شكل جيد. وأساليب عملها الميداني لم يتفوّق عليها أحد من علماء الأنتروبولوجيا. وهي تبرز بوضوح في تدوينها مادتها، كيف تؤثر القواعد الرسمية والممارسات الفعلية بعضها في بعض، وكذلك العلاقات بين سلوك الفرد والبنية الاجتماعية. لقد عرّفت العلاقات الاجتماعية المتبادلة وشرحتها بإسهاب كبير. وفسّرت القواعد الاجتماعية بكلمات مخبريها، وكذلك بالاستشهاد بفيض من المواقف الواقعية التي استدعت تطبيقها. والى ذلك، فإن هذه الدراسة لا تقتصر على طقوس الزواج، أو حتى على علاقات الزواج، بل تعالج أحوال العائلة وعلاقات ذوي القربى في شكل عام. وينبغي أن نهنئ المؤلفة على عملها المتميز...". كاتب هذا الكلام في العام 1937 هو إدوارد إيفانز – برتشارد، المعروف كواحد من أكبر علماء الأنثروبولوجيا والإثنولوجيا في العالم خلال النصف الأول من القرن العشرين. أما "الآنسة غرانكفست" التي يثني عليها هذا العالم الكبير هنا، فكانت، في ذلك الحين، باحثة نروجية بالكاد تجاوزت الأربعين من عمرها حين قصدت فلسطين بغية دراسة نساء العهد القديم لاستكمال شهادة جامعية. لكنها هناك، إذ حلّت في قرية أرطاس الى الجنوب من بيت لحم، سرعان ما وجدت نفسها تتخلى عن ذلك المشروع، وقد فتنت بكل ما له علاقة بالحياة الاجتماعية والعائلية وطقوس الزواج لدى الفلسطينيين الذين كان لاكتشافها لهم، في ذلك الحين، أعمق الأثر في حياتها، فعاشت بينهم وسبرت أغوار مجتمعهم، وصارت كأنها منهم الى درجة أنهم أطلقوا عليها اسم السيدة حليمة، بدلاً من اسمها الأصل هيلما... وكانت نتيجة تلك المعايشة خمسة كتب تتناول العادات والتقاليد والأعراف والممارسات الشعبية المتعلقة بالحياة الفلسطينية كما بالحياة العربية، لعل أشهرها "أحوال الزواج في قرية فلسطينية"، الذي يتحدث عنه إيفانز – بريتشارد في العبارات السابقة، والذي صدر أخيراً – وللمرة الأولى في العربية – في ترجمة الراحلة خديجة قاسم وإخلاص القنانوة عن منشورات "المركز العربي للأبحاث وسياسة الدراسات" ( مع الإشارة الضرورية هنا الى أن تخلي الباحثة عن مشروعها الجامعي عن نساء العهد القديم لمصلحة العمل على المجتمع الفلسطيني والأحوال العائلية فيه، في وقت كان ثمة إنكار لوجود فلسطين نفسها، سيكون السبب في تجاهل الأوساط العلمية الجامعية في بلدها أعمالها عقوداً طويلة من السنين، أو هذا على الأقل ما يتم تأكيده في مقدمات الترجمة العربية للكتاب التي نحن في صددها هنا.
> والحقيقة أن التوغل في هذا الكتاب النادر والبديع، يجعل المرء قادراً، من ناحية، على فهم ذلك الانقلاب الذي أحدثته مؤلفته في توجّه دراستها الجامعية، لكن أيضاً كل تلك الحماسة التي بها استقبله عالم أنثروبولوجيا كبير من طينة إيفانز – بريتشارد. لكن أكثر من هذا وذاك، يمكن الكتاب أن يفسر حتى ذلك الافتتان الفلسطيني بالعرس. حيث، منذ "عرس الجليل" وحتى آخر الأفلام الفلسطينية الحقيقية، مروراً بـ "عرس رنا" وشرائط عديدة أخرى، يبهر العرس الفلسطيني وما يلتحق به من عادات وأعراف، المبدعين. ولن نغالي إن قلنا إن هذا الافتتان ماثل هنا، في كتاب غرانكفست، في كل صفحة وفصل، إنما من دون أن تبعد المؤلفة من الموضوعية والنظرة العلمية. وهما بعدان لم ينتجا، كما يرينا الكتاب، من توغّل في الكتب والدراسات، بل من معايشة ميدانية كما أشرنا. فكل شيء هنا إنما هو موصوف كما لمسته المؤلفة في الحياة اليومية للناس، وكذلك أيضاً – وهذا يبدو فائق الأهمية هنا –، في حواراتها اليومية مع عدد من أكثر سيدات تلك القرية اطلاعاً على كل ما يتعلق بموضوع الدراسة. ولئن كانت المؤلفة تعبر في تقديمها لجزءي الكتاب، عن شكرها للأساتذة والباحثين الذين قدموا لها العون، فإنها في كل صفحة من صفحات الكتاب تكشف عن افتتانها بتلك السيدات الفلسطينيات اللواتي زوّدنها بمعرفة لا تضاهى وكنّ هنا، كما تشير وإن ضمنياً، الصانعات الحقيقيات للكتاب، ومنهن على سبيل المثل عليا إبراهيم العودة، التي تكاد تذكرها على طول صفحات الكتاب.
> كما أشرنا، يتألف هذا الكتاب الصادر حديثاً، والذي وضعته مؤلفته أصلاً بالإنكليزية، من جزءين، يتناول أولهما التحضير للزواج، فيما يتناول الثاني إجراءات الزواج نفسه وصولاً الى الحياة الزوجية. ومن هنا يشغل الجزء الثاني من الصفحات أكثر مما يشغله الجزء الأول. وكتمهيد لهذا الأول تخبرنا المؤلفة، إذ تستعرض أمامنا منهج البحث، أنها خلال تجوالها في هذه القرية، صادفت نساء كنّ زوجات لرجال متعددي الزوجات، وتبين أنه "كانت لإحداهن ضرّة لحاجة البيت الى عاملة، ولم يكن من عادتهم آنذاك الاستعانة بالخادمات. وكانت هناك امرأة أخرى اتخذت لنفسها ضرّة لأنها لم تنجب ولداً، فإن توفي زوجها استولى أقاربه على البيت...". وعلى هذا النحو، دخلت الباحثة الفنلندية في موضوعها من منطلق الفضول الاجتماعي، فراحت تستعرض أموراً إجرائية مثل سن الزواج (بما في ذلك الخطبة عند الولادة) واختيار العروس، والزواج بالعياض (تبادل عروس بعروس)، وصولاً الى المهر والجدل في شأنه وقوائم الزواج وجداوله... والمدهش أن المؤلفة تختم هذا القسم بمجموعة من الجداول التي نشكّ اليوم في وجود ما يماثلها في أية محفوظات رسمية.
> أما في الجزء الثاني، فتنتقل المؤلفة الى مراسم الزواج بادئة بمراسم الخطبة، من الطلب الرسمي للعروس ثم المفاوضات حول المهر – وكل هذا معزز طبعاً بشهادات ميدانية وحكايات عائلية لا تنضب -، مع التفريق بين وليمة الخطبة التي تقام لعروس من القرية وتلك التي تقام لعروس "غريبة". ثم عقد الزواج، قبل الوصول الى البحث في "مواسم الأعراس"، حيث تفيدنا المؤلفة "بأن ثمة أوقاتاً للعرس محددة في القرية، حيث أن هناك "أوقاتاً لا يتزوج فيها الناس البتة، أو أنهم يفعلون ذلك كارهين". وهناك أوقات في المقابل تعدّ أكثر ملاءمة من سواها للزواج، حيث يقال أن قليلاً من الناس يتزوج في موسم الحصاد. ولا يتزوج الناس في رمضان، "في المقابل يستحسن الفلاحون المسلمون أن يزوج الرجل ابنه في العيد الكبير". وإذ تفيدنا المؤلفة هنا بأن المثل يقول "عرس المجانين في كوانين"، تروي لنا أنه في "أول شتاء لي في أرطاس، سخروا كثيراً من جيراننا – أهل الخضر – لأنهم احتفلوا بأحد أعراسهم في أجواء ماطرة. وأخبرنا أحد رجال أرطاس ممن حضروا العرس، كيف وصل الطين الى ركبهم وهم يرقصون". وبعد أن تحدثنا المؤلفة عن هذا، تحكي عن الاستعداد والاحتفالات التمهيدية للأعراس، ثم تقاليد إحضار العروس، لتصل بنا الى بيت العريس متوقفة عند تفاصيل أسبوع العرس نفسه.
> ويتلى موسم العرس هذا، وصولنا الى الحياة الزوجية نفسها، فتحدثنا غرانكفست عن "المرأة في بيت زوجها"، ثم عن "تعدد الزوجات" و "مشكلة المرأة الحردانة"، قبل أن تصل الى "الطلاق" و "الأرمل والأرملة"... كل هذا طبعاً في تفاصيل تكشف انبهار المؤلف بتلك الحياة الاجتماعية، وهو انبهار انتقل بالعدوى حين صدور الكتاب، ثم غيره من كتب هيلما غرانكفست (1890 - 1972) المتتالية، الى كثر ومن بينهم، وربما على رأسهم، عالمة الإناسة الكبيرة مرغريت ميد التي لم تتوان عن أن تعبر عن انبهارها، وهي مؤلفة ذلك السفر الكبير، عن المراهقة والعائلة والزواج في مناطق مجهولة – في حينه – من الجزر الباسيفيكية، والذي يعتبر أهم كتبها على الإطلاق: "الأعراف والحياة الجنسية في أوقيانيا"، فكتبت: "لقد تناولت غرانكفست المادة ونظمتها تبعاً لأهمية فهم شيء عن حياة النساء والأطفال من دون الاستعانة بأي من أدوات التحليل النفسي (...) [والحال] أن إخلاص عالمة الإثنولوجيا لمادتها، وغزارة الأمثلة، والتعليق المنقول حرفياً، يجعل من الممكن استخدام هذا الكتاب في تفسير أنواع أخرى من البيانات حول الثقافة العربية". صحيح أن ميد كانت تكتب هذا الكلام تعليقاً على كتاب آخر لغرانكفست هو "الولادة والطفولة عند العرب" (نشر عام 1951)، لكنه – أي كلام ميد – ينطبق حرفياً على "أحوال الزواج في قرية فلسطينية".
إبراهيم العريس / الجياة اللندنية
