فلسطين في كان ... والسينما الإسرائيلية تتصالح مع "الموساد"

 إتّسم اليوم الرابع لعروض مهرجان "كان"، الى حد كبير، بأبعاد سياسية لم تكن متوقعة. غير أنها لم تكن، لحسن الحظ، من النوع الذي يؤثر في مسار المهرجان، أو حتى في المتعة التي بدأ الحضور يستشعرونها مع عرض مجموعة من الأفلام المنتظرة، وإن كان يمكن القول إن المميّز حتى الآن لم يكن كثيراً. نصف دزينة من أفلام قوية ليست بالشيء الكثير... لكنها تشكل متعة سينمائية حقيقية، خصوصاً إن كانت من النوع الذي اشتاق أهل المهرجان إليه. فإلى جانب الفيلم الروماني "سييرا نيفادا" لكريستو بيو، والألماني "طوني آدرمان"، والإنكليزي "أنا دانيال بليك"، ناهيك عن فيلم الافتتاح الذي أعاد وودي آلن الى أحلى لحظاته، سيبدو حصاد العام الفائت، بالمقارنة، هزيلاً... على الأقل بالنسبة الى الذين يحبون المقارنات. طبعاً حين نتكلم عن السياسة لا نعني أن هذه الأفلام ليست سياسية، بل نعني أنها لا تعبأ بذلك النوع من "السياسة" الذي يشغل اليوم وسائل التواصل الإجتماعي العربية صاخباً زاعقاً، مرة لأن إدارة المهرجان إرتأت إضافة فيلم عن البشمركة حققه الفرنسي برنار هنري ليفي- الذي احتار وحيّر الناس في أمره فهو ساعة سينمائي وأخرى فيلسوف وثالثة روائي ورابعة ثوري، من دون ان يفلح في اجتذاب مؤيدين عرب له!-، ومرة لأن مخرجة من عرب فلسطين هي مها الحاج أعلنت بلا مواربة انها تقدّم فيلمها باسم إسرائيل "لأنني، شئت أم أبيت، مواطنة في هذه الدولة وحصلت من سلطاتها على تمويل فيلمي". طبعاً كان هذا الكلام كافياً لتتعرض المخرجة لهجوم المواقع إياها الساحق الماحق، ومرة ثالثة لأن فلسطينياً عرض بعض مشاهد فيلم يحققه عن "عملية ميونيخ"، أثار ثائرة بعض المنظمات اليهودية فطالبت إدارة المهرجان بمنعه، كما قال هو من دون أن يعلن أحد غيره ذلك!

كل هذا يشغل بال متابعي المهرجان، العرب دون غيرهم كما يبدو... من الذين لا تهمهم الأفلام بقدر ما يهمهم الضجيج من حولها. والمؤسي أن هؤلاء أنفسهم، حين جاءت السياسة الحقيقية، في السينما التي ينبغي لها فعلاً أن تهمهم، صمتوا غير عارفين ما يتوجب قوله. هذه السياسة، والمتعلقة مرة أخرى بفلسطين، تجلّت في الفيلم الإسرائيلي الذي عُرض في تظاهرة "نظرة ما"، "ما وراء الجبال والتلال" من إخراج إران كوليرن. وفي يقيننا أن في هذا الفيلم– من داخله ومن خارجه– ما يبدو جديراً بوقفة حقيقية. وذلك تحديداً لأنه يطرح وبقوة، وربما من دون أن يقصد، أسئلة مهمة حول المصير الذي آلت إليه السينما الإسرائيلية المعادية لحكم اليمين الإسرئيلي، على الأقل، أو حتى للبنيان الإيديولوجي نفسه الذي قامت عليه إسرائيل. واللافت أن كوليرن الذي قدّم قبل نحو عشر سنوات وفي "كان" تحديداً، واحداً من أقوى وأجمل الأفلام في تلك الموجة التي من الأسف لم يلتقطها الجسم الثقافي العربي كما يجب و "يوظفها" في معركته مع فاشية الدولة الإسرائيلية، ونعني به فيلم "زيارة الفرقة"... يعود اليوم الى "كان" بفيلم متراجع تماماً من الناحية الفنية ومناقض لمواقفه القديمة من الناحية السياسية.

"ما وراء الجبال والتلال" يتحدث عن ضابط متقاعد لتوّه يجابه بابنته تضع كوفية "الإرهابيين" حول عنقها وتشارك في تظاهرات مناهضة للحكومة ومتعاطفة مع الفلسطينيين، ما كان يمكنه أن يشكل منطلقاً جيداً لفيلم سيتناول صراع الأجيال ومآسي الضباط المتقاعدين، والوجود الفلسطيني وراء الجبال، والعديد من المشكلات العضوية التي تجابه المجتمع الإسرائيلي اليوم. لكن هذه الانطلاقة الواعدة سرعان ما تتحطم أمام بلادة في السيناريو والتمثيل وحيرة في إدارة الحوارات والمشاهد. أكثر من هذا، فنحن أمام قلبة في إيديولوجية الفيلم نفسها كان من الممكن أن تخجل كوليرن وكثراً من رفاقه السينمائيين قبل سنوات، لكنها تضحي اليوم كناية واضحة بائسة عن تراجع هذه السينما. فالفتاة الطيبة المناضلة، ينتهي بها الأمر الى المصالحة مع أبيها والتعاون مع الاستخبارات... واللوم على الفلسطينيين الذين كان أبوها قتل واحداً منهم من دون أن يسأله أحد عما فعل، وكانوا عاملوها هم أنفسهم بكل فظاظة حين ذهبت متعاطفة معهم مقدّمة لهم مالاً جمعته من أجل قضيتهم فرموه في وجهها، قبل أن يحاول "إرهابيّ" من بينهم توريطها في عملية، يكون كشفها لها مناسبة لعودتها الى الحظيرة العائلية... وكأن المخرج يصوّر هنا مبررات تراجع سينماه في الوقت نفسه!

المصدر: كان (الجنوب الفرنسي) – إبراهيم العريس -