لم يتمالك الجمهور في مركز خليل السكاكيني برام الله نفسه مساء الخميس، أمام عامر حليحل وهو يختم مسرحيته بذات الجملة التي بدأها بها: أنا أجيت عالدنيا غصب عنها، مش بخاطرها، ما كان بدها اياني". وقف له الجمهور، ولبراعة أدائه، وللشوق الذي وضعه في كل واحد منا، وأيضا، للألم الذي سرى فينا قبل أن يضحكنا، بتواضع خبير؛ فأدهشنا.
في مسرحية "المونودراما" "طه" التي لم تتجاوز مدتها ساعة واحدة، يسرد المسرحي الفلسطيني عامر حليحل، ببراعة قصة حياة الشاعر الفلسطيني طه محمد علي، عبر أحداث أنهكته ولم تفلته إلى أن صعد درجة درجة على سلم الشعر الذي فرض نفسه عليه حتى أيقن، هو نفسه، أنه خلق ليكون شاعراً.
تنتقل المسرحية زمانياً بين الحرب العالمية الثانية والنكبة ثم اللجوء وقرار والد الشاعر طه بالعودة الممنوعة إلى الوطن، ومكانياً بين صفورية والناصرة وبنت جبيل والرينة، وتعرج على لندن حيث أول أمسية شعرية شارك فيها الشاعر، بعد أن أصبحت دكانته صالوناً أدبياُ يرتاده سميح القاسم وراشد حسين وإميل حبيبي وغيرهم، وبهذا رافقناه والشاعر في واحدة من قصص الفلسطينيين التي لا تنفك تبكينا علينا، وتضحكنا أيضاً علينا. فمن خراريف الفتاحات إلى سجالات أنصار دول المحور والحلفاء في الحرب العالمية الثانية، إلى الحب الأول الكفاح من أجل العيش والنجاح رغم القلة.
في تقنية مسرحية الممثل الواحد تقمص حليحل شخصية الشاعر طه علي محمد طفلاً ورجلاً وشخصيات والده وجده وأمه وصاحب الدكان في بنت جبيل، وانتقل بينها بسلاسة وبوضوح مقنعا متقناً لغة الجسد والصوت واللهجات المختلفة بين المدن التي تنقل فيها طه محمد علي، ومبدعاً في حركته على المسرح والتحكم في المساحة والفراغ، ولم يترك أداءه ثغرة واحدة رغم صعوبته وتعقيده وتعدد شخوصه والبساطة الشديدة في تصميم المسرح والموسيقى.
مسرحية طه كتبت عام 2013 وهي من تأليف وتمثيل: عامر حليحل، إخراج: يوسف أبو وردة، دراماتورج: علاء حليحل، ديكور وملابس: أشرف حنّان، موسيقى: حبيب شحادة حنّا، وإنتاج مسرح مرايا وقديتا للثقافة والفنون بدعم من مؤسسة عبد المحسن القطان، وعرضت في عدة مدن فلسطينية وعربية، كان أحدث عروضها اليوم في مركز خليل السكاكيني في رام الله، الذي تبرع له حليحل بدخل المسرحية.
عامر حليحل ممثل سينمائي ومسرحي فلسطيني، كتب ومثل العديد من الأفلام والمسرحيات مثل فيلم الجنة الآن وأمريكا، ومسرحية العاصفة لوليام شكسبير وفي مستعمرة العقاب لفرانز كافكا. عمل عام 2006 في مسرح الحرية في جنين برفقة جوليانو مير خميس، وأسس شبر حر في حيفا عام 2009.
طه محمد علي، شاعر فلسطيني ولد في صفورية عام 1931 وتوفي عام 2011، له خمسة دواوين شعرية، يتميز بمضامينه الشعرية وبنية قصائده المختلفة عن المألوف في بدايته الشعرية وهو مثار لاهتمام النقاد والمترجمين حالياً. تقرير عن وكالة الأنباء الفلسطينية الرسمية "وفا"
