صرحت جولدا مائير، رئيسة وزراء الاحتلال السابقة، بعد اغتيال الأديب والروائي الفلسطيني غسان كنفاني، عن طريق تفجير مركبته في منطقة "الحازمية" قرب العاصمة اللبنانية بيروت، بأن "إسرائيل باغتياله تخلصت من كتيبة دبابات والآلاف من المخربين، فكلماته كانت تزعجنا".
ولا غرابة في ذلك، فهو الذي قالها يوما "أموت وسلاحي بيدي، لا أن أحيا وسلاحي بيد عدوي".
ولم يكن كنفاني مجرد روائي من الرواد في فلسطين، بل كان منظراً، ومفكراً، وفيلسوفاً، وفناناً، فدائياً بامتياز، شكل رمزاً للكثيرين، إن لم يكن للأغلبية الساحقة في فلسطين، وللعديد من التقدميين العرب، وفي مختلف أنحاء العالم.
حكاية سعداوي
ولعل هذا ما ينعكس في تأثر العديد من الكتاب والروائيين العرب، ممن عاصروه، وحتى يومنا هذا، بما كتب .. ويقول الروائي العراقي أحمد سعداوي، الفائز بالجائزة العالمية للرواية العربية العام 2014 عن روايته "فرانكشتاين في بغداد" لـ"أيام الثقافة" : إنه برقوق نيسان .. مرت مؤخراً الذكرى الثالثة والأربعين على اغتيال غسّان كنفاني، الذي قضى في عملية تفجير للموساد الاسرائيلي في الثامن من تموز في العام1972.. معترفاً: هناك شيء شخصي مع كنفاني، يعود الى بدايات التسعينيات من القرن الماضي، في وقت لم يكن فيه إنترنت ولا فيسبوك ولا أي شيء، كان هناك "فيسـ مجلات"، تقتنيها من المكتبات وشارع المتنبي وتقرأ مقالات عن هذا الكاتب وذاك. فيصبح عندك دليل شخصي للبحث عن أسماء مؤلفين وكتب، ومن خلال ذلك تعرفت على "رجال في الشمس" ولكني لم أعثر عليها في المكتبات.
وأضاف: كانت قديمة بالصدور، وكان هناك حصار على العراق، ومنع حتى للكتب، وما لم يضطر مواطنٌ ما الى اخراج ما في مكتبه وبيعه على الرصيف، فلم نكن لنتعرف على عناوين كثيرة. . وجدت "رجال في الشمس" بالمصادفة، في مخزن المكتبة في معهد المعلمين، وجدتها مع روايات أخرى في مجلد واحد، ثم راجعت الموجود فكان أربع أو خمس مجلدات هي كل تراث كنفاني الكتابي.. شيء مذهل.
ويتابع: استغرقت في قراءة مجلد الروايات عدة أيام، وأعدت قراءة رواية "رجال في الشمس" عدة مرات، ثم استعرت مجلد القصص القصيرة الكبير، ثم المسرحيات، ثم المقالات الادبية، ثم مجلد المقالات السياسية.. قرأت كل قصاصات كنفاني التي ظل يسطرها حتى يوم استشهاده.
ويضيف الروائي العراقي الفائز بجائزة "البوكر" :أعجبتني لغة كنفاني كثيراً، والتحولات التي تجري في رواياته، أما الصدمة ذات المذاق الغريب، فهو ما عايشته وأنا أقرأ في رواية "برقوق نيسان"، وهي الرواية الأخيرة التي كان يكتب فيها.. كنت مندمجاً مع الأحداث، وأتذكر مشهد البطل في مخزن الطحين أو المطحنة، ثم قلبت الصفحة لأتابع الأحداث فوجدتها بيضاء..لم يستطع كنفاني إكمالها، لأن يده وجدت لاحقاً، بعد التفجير الموسادي، على سطح إحدى البنايات المجاورة لمكان الحادث.
ويضيف: قررت وقتها اكمال احداث الرواية. أن أكملها من حيث ما انتهت. جربت هذا الأمر عدة مرات. ثم تخليت عن الفكرة المجنونة لاحقاً.
ويشدد: جزء من دوافع الاهتمام بالكتابة يمكن أن افسره، استناداً الى لحظة "برقوق نيسان" في ذاكرتي، هو رغبتي أن لا يتحكم مصير ما في الروايات التي أقرأها، استناداً الى مقدمة اساسية من المخرج العالمي جيمس كاميرون "أنا أخرج الافلام التي احلم بمشاهدتها في السينما" ...أنا أكتب الروايات التي أحلم بأن أقرأها. صرت كاتباً، حتى أتحرر من سطوة "موساد" ما يفجر سيارة الكاتب، ويحرمني من إكمال القراءة في الرواية التي اعجبتني.
ونبقى في العراق، حيث يروي المخرج السينمائي العراقي قاسم حول، وقد عمل طويلاً مع غسان كنفاني مسؤولاً عن قسم السينما في إعلام "الجبهة الشعبية"، أن الكاتب الشهيد جاء إليه بمقالة للدكتور إدوارد سعيد، كتب عليها بخط يده للقراءة وإبداء الرأي.. يروي حول دهشته من ذلك، هو الذي يعرف أن غسان لم يكن مجرَد رئيس تحرير بل كان أديباً وكاتباً، فكيف له أن يوكل للعاملين في القسم الثقافي قرار نشر أو عدم نشر مقالة لمفكر بحجم إدوارد سعيد... مع ذلك سيعرف "قاسم حول" لاحقاً أن غسان كنفاني، أراد بذلك التصرُف احترام مسؤوليات رؤساء الأقسام، واحترام العمل الصحافي، وتكريس المؤسسة.
"فارس فارس" و"م.سفيان"
ويسرد الكاتب والأديب محمود الريماوي ذكريات ربطته بـ"القائد المرح": بدأت صلتي بالشهيد غسان كنفاني عن (أو من) طريق الأديب الراحل سهيل إدريس. كنت منذ اواخر العام 1967، قد بدأت النشر في مجلة "الآداب" التي كان الراحل ادريس يترأس تحريرها. في نيسان من العام 1968 زرت ادريس في مكتبه في مقر مجلة "الآداب" ودار الآداب للنشر في وسط البلد في بيروت في شارع الخندق الغميق. ابديت له رغبتي بالعمل في الصحافة، وكنت اتوهم انه يمكنني العمل معه في المجلة.. في واقع الامر انه كان يقوم بنفسه بالعمل تساعده زوجته القاصة عايدة مطرجي ادريس (اين هي الآن هذه السيدة الرصينة الموهوبة؟).. ابلغني ادريس انه سيتحدث بشأني مع غسان كنفاني، الذي كان يعمل آنذاك في دار الصياد مديرا لتحرير صحيفة "الأنوار"، ورئيساً لتحرير ملحقها الثقافي.. زرت غسان كنفاني ورحب بي باقتضاب ولكن بمودة خالصة، وقال انه يمكنني التعاون على الفور مع الملحق، وبالذات مع مدير تحرير الملحق الشاعر روبير غانم.. جرى التعاون بسرعة، بنظام العمل بالقطعة.. كنت اكتب قطعتين في العدد الواحد.
ويضيف الريماوي لـ"أيام الثقافة": غسان كنفاني أيامها كان دائم الانشغال، وكنا نتبادل التحيات وعبارات المودة العفوية. كما كتبت حينها في مجلة "الصياد" التي كان يدير تحريرها ذو الفقار قبيسي. كان غسان يكتب في الملحق صفحة ساخرة يوقعها باسم فارس فارس.. ساخرة لكنها تتناول مواضيع ثقافية جدية، وتضم مقطوعات قصيرة فكهة.
ويتابع: بعد نحو سنة من ذلك التاريخ فاتحني غسان كنفاني انه ينوي اصدار مجلة باسم "الهدف"، وعرض عليّ ان انتقل معه الى تلك المجلة محررا ادبيا فيها. وهكذا كان، وقد كتبت فيها باسم:م. سفيان، وهو الذي اختار لي هذا الاسم المستعار. ورغم ان غسان كان علما في الصحافة والأدب إلا أنه اتاح لي، انا الشاب ابن العشرين سنة حرية كاملة في الإشراف على صفحتين ثقافيتين في المجلة. وأذكر من بين ما اذكره ان الشاعر ادونيس كتب آنذاك في القسم الثقافي الذي كنت أحرره، لكن غسان نفسه لم يكتب، اذ كان قليل النشر في الصحف والمجلات، ويفضل ان تصدر اعماله الإبداعية في كتب دون ان يكون اي جزء منها قد نشر هنا أو هناك.
ويشدد الريماوي أن من دواعي الشرف له ان يكون غسان كنفاني قد "اكتشفه". ويضيف: غير أن واقع الحال يفيد أن غسان هو من أسدى الي خدمة جليلة، بتمكيني من العمل لأول مرة في الصحافة الثقافية في ملحق الأنوار ثم "الهدف"... صلتي بغسان في "الهدف" كانت صلة مودة واحترام وعلاقة عمل، وهو طاقة جبارة في العمل، يتمتع بصفات القيادة دون ان يكون تسلطيا، ولا يفقد مع ضغط العمل روح السخرية والمرح، وهو مثقف عضوي عميق الصلة بالبيئة الشعبية، وهو في الوقت ذاته شخص متمدن ومنفتح اجتماعياً وناضج انسانيا وواسع الأفق. وكان يستغل فسحات يسيرة من الوقت للكتابة الروائية... كان يكتفي بقليل من التعديلات بقلم الحبر الأسود الذي كان يكتب به.. لقد رافقته أكثر من مرة في سيارته الصغيرة التي انفجرت به، ومن المؤسف وهذا ما انتبهتُ اليه متأخراً، انه لم يكن يتمتع بأي حراسة، لم يكن الأمر يخلو من رومانسية ثورية!.
الشاب الوسيم في غزة
ويتذكر الكاتب راسم المدهون، أول لقاء له بكنفاني، حين يقول: كان العام 1966 في ما أذكر.. هرعنا يومها إلى قاعة "سينما النصر" في مدينة غزة لحضور ندوة أدبية عقدت على هامش مؤتمر لاتحاد كتاب فلسطين، كان يعقد في المدينة. كانت المفاجأة أجمل من مؤتمر يعقد وينتخب هيئة مسؤولة للاتحاد وينفضُّ كأن شيئاً لم يكن، حيث أعلن عريف الندوة دعوته "الكاتب الشاب" غسان كنفاني .. شاب بالغ الوسامة، ناحل، وفي مقتبل العمر صعد المنبر ليتحدث بلهجة تمزج الحلم بالواقع في مناخ كان أقرب للحلم.
ويشحذ المدهون ذاكرته، فيضيف: أخبرنا عن شعر جميل جاءه من "هناك"، من "الجهة الأخرى" التي صارت "غامضة"، ومحجوبة عن أخبار الإذاعات والصحف، لأنها صارت جزءاً من الكيان الذي نشأ على أنقاضنا. أخبرنا غسان كنفاني يومها أنه سيقرأ قصائد "وصلته" لعدد من شعراء الجليل، وراح يردّد أسماء محمود درويش، وتوفيق زياد، وسميح القاسم، وفوزي الأسمر، وغيرهم ثم ليبدأ القراءة: "يحكون في بلادنا يحكون في شجن .. عن صاحبي الذي مضى وعاد في كفن".
ويواصل المدهون: فيما بعد سأعرف أن تلك المفاجأة الرائعة، كانت جزءاً من جهد بذله غسان كنفاني لتقديم شعراء جليل فلسطين للقارئ العربي في كتاب لعلَه النافذة الأولى والأجمل التي أطلَ منها شعراء كانوا منسيين ومنفيين خارج أسوار كتبنا وصحفنا ووعينا.
ويعترف: حتى هزيمة الخامس من حزيران العام 1967 لم أكن قرأت قصصاً لغسان، وكانت معرفتي الوحيدة بأدبه هي قراءة روايته الأشهر، وفي رأيي الأهم، وأعني "رجال في الشمس"، التي قدمتها الإذاعة الأشهر والأوسع انتشاراً في ستينيات القرن الماضي (صوت العرب) من القاهرة كتمثيلية مسلسلة..."رجال في الشمس" نشرت يوم كان غسان لم يبلغ بعد منتصف العشرينيات من عمره القصير زمنياً.
ويروي المدهون: يذكر أصدقاء غسان في تلك الأيام مواظبته على ارتياد "مقهى الفاروق"، وسط العاصمة السورية دمشق، ويذكر فضل النقيب أنه كان يكتب كثيراً، ويمزّق ما يكتب في طموح لما هو أجمل وأكثر حيوية في التعبير عن بعض ما يريد.
البركان
ولا يمكن الكتابة عن كنفاني دون الحديث عن مرثية الشاعر الكبير الغائب الحاضر محمود درويش فيه، والتي حملت عنوان "محاولة رثاء بركان"، وجاء فيها: اكتملت رؤياك، ولن يكتمل جسدك.. تبقى شظايا منه ضائعة في الريح، وعلى سطوح منازل الجيران، وفي ملفات التحقيق.. ولم يكتمل حضورنا نحن الأحياء ـ طبقاً لكل الوثائق... نحن الأحياء مجازاً، وأنت الميت ـ طبقاً لكل الوثائق، أنت الميت مجازاً.. نحزنُ من أجلك؟ لا.. نبكي من أجلك؟ لا .. أخرجتنا من صف المشاهدين دفعة واحدة وصرنا نتشوف الفعل، ولا نفعل. أعطيتنا القدرة على الحزن، وعلى الحقد، وعلى الانتساب. وكنا نتعاطى الحزن بالأقراص، ونتعاطى الحقد بالحقن، ونتعاطى الانتساب بالوراثة.
و"مرة واحدة، أعطيتنا القدرة على الاقتراب من أنفسنا، وعلى الرغبة في الدخول إلى جلودنا التي خرجنا منها دون أن ندري، الآن ندري ـ حين خرجت منا.. حملناك في كيس ووضعناك في جنازة بمصاحبة الأناشيد الرديئة، تماما كما حملنا الوطن في كيس، ووضعناه في جنازة لم تنته حتى الآن، وبمصاحبة الأناشيد الرديئة... كم يشبهك الوطن!، وكم تشبه الوطن!".
وصرخ حينها: أيها الفلسطينيون... احذروا الموت الطبيعي!. هذه هي اللغة الوحيدة التي عثرنا عليها بين أشلاء غسان كنفاني... ويا أيها الكتّاب... ارفعوا أقلامكم عن دمه المتعدد! هذه هي الصيحة الوحيدة التي يقولها صمته الفاصل بين وداع المنفى ولقاء الوطن.
وقال درويش: لا يكون الفلسطيني فلسطينيا إلا في حضرة الموت. قولوا للرجال المقيمين في الشمس أن يترجلوا ويعودوا من رحلتهم، لأن غسان كنفاني يبعثر أشلاءه ويتكامل. لقد حقق التطابق النهائي بينه وبين الوطن... أهكذا؟. نعم هكذا ـ حين تزول الفوارق بين الأجساد وبين الأوطان ـ ويصير الكل في كيس واحد، تنزل العودة من الأناشيد الرديئة إلى البندقية الجيدة، ولا تكون الحياة مجازية.. وهكذا ـ تكون الهجرة شكلا محورا للعودة.
وأبدع درويش، وأوجع أيضاً، حين قال مخاطباً صاحب "أرض البرتقال الحزين": لم تمتَشِق قلَماً... لم تمتَشِق بندقيَّةً... لم تمتَشِق إلا دمكْ. كان دمُكَ مكشوفاَ من قبل أن يُسفَكْ. ومنْ رآكَ رأى دَمَكْ. هوَ الوحيدُ الواضحُ. الوحيدُ الحقيقيُّ والوحيدُ العربيُّ. دقَّ سقفَ الهجرةِ وعادَ كالمطر الذي يهطل فجأة من سماء النُحاسِ على أرضِ القصدير. فهل سمعنا رنينهُ؟ هل سمعنا صداه؟ سمعناهُ يا غسان، فكيف نثأر له؟... وحين نقول فلسطين، فماذا نعني؟ هل فكَّرنا بهذا السؤال من قبل؟ الآن نعرفُ: أن تكون فلسطينيا معناه أن تعتاد الموت، أن تتعامل مع الموت... أن تُقدِّم طلب انتسابٍ الى دمِ غسان كنفاني. ليست أشلاؤك قطعا من اللحم المتطاير المحترق. هي عكا، وحيفا، والقدس، وطبريا، ويافا.. طوبى للجسد الذي يتناثر مدنا. ولن يكون فلسطينيا من لا يضمُّ لحمه من أجل التئام الأشلاء من الريح، وسطوح منازل الجيران، وملفات التحقيق.
دون تحفظ
الحديث عن كنفاني لا ينتهي، فلكل فلسطيني تقريباً له معه أو مع كتاباته حكاية أو أكثر، وللكثير من العرب ولغير العرب حكايات مع منجزه، لكني فضلت أن أختم بما قاله ذات يوم في حوار أجرته معه إذاعة اسكندنافية في أيام حياته الأخيرة، حيث قال: أنا في العمل السياسي أدافع عن الحزب الذي أنتمي إليه، لكنني في الأدب الروائي والقصصي أطلق لأبطال قصصي ورواياتي حرية أن يعبروا عن مواقفهم دون تحفظ .. كنفاني الذي كان قال ذات يوم، وكأنه يختصر حكايته "خلقت أكتاف الرجال لحمل البنادق، فإما عظماء فوق الأرض، أو عظاماً في جوفها". عن صحيفة "الأيام" الفلسطينية
