في النزاع المرير والطويل بين الفلسطينيين والإسرائيليين، يشكل توقف طبيب فلسطيني لمساعدة عائلة من المستوطنيين بعد إطلاق النار على سيارتها قبل أسابيع في جنوب الضفة الغربية المحتلة، لحظة إنسانية قيمة.
ويقول عاملون في الحقل الطبي من فلسطينيين وإسرائيليين إنهم يتعرضون لانتقادات وللتهجم أثناء أدائهم عملهم، لكنهم يصرون على أنهم يساعدون الجميع بغض النظر عن انتمائهم السياسي عند الاستجابة لحالة طبية طارئة.
في الأول من تموز (يوليو) كان الطبيب علي الشروخ متجهاً إلى مسجد الأقصى في القدس الشرقية المحتلة للصلاة في الأيام الأخيرة من شهر رمضان، عندما تم إطلاق النار على سيارة تقل عائلة من المستوطنين جنوب مدينة الخليل، ما أدى إلى حادث سير تسبب بمقتل السائق وإصابة زوجته وأولاده.
ويشرح الطبيب الفلسطيني أنه لم يكن بإمكانه مواصلة طريقه من دون تقديم المساعدة، مع أنه عرف من لوحة تسجيل السيارة أن الركاب من المستوطنين.
وقال "أنا لست بطلاً. قمت باتباع ديني وضميري ومهنتي. إنه عمل إنساني". ووفق الشروخ، فإن الأطباء "يقسمون على مساعدة العدو قبل الصديق". ويقول الشروخ إنه تلقى رسائل تشيد بما فعله من كل أنحاء العالم، ومن أطباء فلسطينيين وإسرائيليين، للثناء عليه لتمكنه من تحييد نفسه عن السياسة.
إلا أن التزام مثل هذا الموقف الحيادي يبدو غالباً شبه مستحيل عندما يكون المرء ممارساً لمهنة الطب وسط نزاع مماثل. فيجد نفسه بين نارين.
ويتبادل الجانبان الإسرائيلي والفلسطيني الاتهامات بالانحياز وتجاهل المصابين والجرحى عندما يكون هؤلاء من الجانب الآخر. ويمكن رؤية ذلك في القدس مثلاً.
فقد احتلت إسرائيل القدس الشرقية وضمتها في 1967، وهي تعتبر أن القدس بشطريها عاصمتها "الأبدية والموحدة"، بينما يرغب الفلسطينيون بجعل القدس الشرقية عاصمة لدولتهم. وعلى رغم عدم قيام الحكومة الإسرائيلية بالتمييز بين شطري القدس في شكل رسمي، إلا أن خدمات الإسعاف الإسرائيلية، نجمة داود الحمراء، تؤكد أنها تدخل فقط مناطق معينة من القدس الشرقية على أن تكون برفقة الشرطة الإسرائيلية. وتعزو ذلك لأسباب أمنية. ويؤدي هذا إلى حالات تأخير تصل إلى أكثر من 30 دقيقة في حالات يحتاج فيها المرضى إلى علاج فوري.
وفي غياب خدمات الإسعاف الإسرائيلية، يحاول الهلال الأحمر الفلسطيني ملء الفراغ. كذلك يسارع متطوعون مثل "منظمة الإسعاف المتحدة الإسرائيلية" إلى مكان الحادث، في الغالب على دراجات نارية، بهدف تقديم الإسعافات الأولية لحين وصول سيارات الإسعاف.
ويقول رمزي البطش الذي يعمل مع منظمة الإسعاف المتحدة إن المنظمة اليهودية أنشأت فرعاً في القدس الشرقية المحتلة لأن المسافات بين القدس الغربية والشرقية أدت إلى خسائر في الأرواح. والمسعفون المتطوعون في القدس الشرقية هم من الفلسطينيين باستثناء متطوع يهودي واحد وهو جوش واندر.
ويقول واندر إنه تعرض لرشق بالحجارة عندما توجه مرة لتقديم المساعدة بسبب اعتماره القلنسوة اليهودية التقليدية. وأضاف "لم يسبق أن واجهت أي عدوانية من الأشخاص الذين يتصلون بي. وجدت فقط التقدير من الناس الذين كانوا بحاجة إلى مساعدة طبية".
ويعترف واندر أنه واجه مشكلات في السابق في الدخول والخروج من بعض الأحياء الفلسطينية في القدس الشرقية المحتلة.
واستشهد 217 فلسطينياً منذ مطلع تشرين الأول (أكتوبر) برصاص الجنود والشرطة الإسرائيليين خلال مواجهات أو هجمات ومحاولات هجوم استهدفت إسرائيليين. وقتل في هذه الهجمات 34 اسرائيلياً وأميركيان وأريتري وسوداني.
في المقابل، تقول طواقم الإسعاف الفلسطينية إنها تمنع بانتظام من الوصول إلى المصابين برصاص القوات الإسرائيلية. ورأى مراسلون لفرانس برس في السابق جنوداً يقومون بتهديد المسعفين.
وانتشر شريط فيديو العام الماضي تظهر فيه القوات الإسرائيلية وهي تطلق رذاذ الفلفل على مسعفين من الهلال الأحمر الفلسطيني بسبب خلاف وقع أثناء اشتباكات في الضفة الغربية المحتلة.
وادعت إسرائيلية العام الماضي أن مسعفين من جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني رفضوا تقديم العلاج لأفراد عائلتها بعد هجوم قرب مستوطنة في الضفة الغربية المحتلة، ما أدى إلى وفاة زوجها وابنها. واتهمت الحكومة الإسرائيلية في حينه الهلال الأحمر الفلسطيني بأنه فشل في أن يبقى محايداً.
ورفض تحقيق داخلي قامت به اللجنة الدولية للصليب الأحمر الادعاءات الإسرائيلية، معتبرةً أن لا اساس لها. وتتهم منظمات يمينية إسرائيلية بانتظام المنظمات الطبية الدولية العاملة في الأراضي الإسرائيلية والفلسطينية بأنها غير محايدة. ورفضت منظمات غير حكومية طبية الرد على أسئلة وكالة "فرانس برس" حول الموضوع خوفاً من اتهامها بالانحياز.
وأكد مسؤول في إحدى هذه المنظمات اشترط عدم الكشف عن اسمه أنه "من الصعب للغاية إيجاد توازن" بين انتقاد الاحتلال الإسرائيلي والحفاظ على علاقة جيدة مع الدولة العبرية لتجنب منع المنظمات من الوصول إلى المحتاجين إلى مساعدتها في الأراضي المحتلة.
