باحث يهودي: مخاوف دفينة تكرّس ثقافة الصراع لدى الإسرائيليين

 يزعم باحث إسرائيلي جديد أن العوامل النفسية – الاجتماعية تشّكل السبب الأهم في استمرار الصراع الفلسطيني- الصهيوني، وأنها تتجاوز بأثرها سائر العوامل كالدين والموارد المادية والرمزية والأرض والعلاقات الدولية والمصالح الخاصة والجمعية.
وكان البروفيسور دانييل بارتال من جامعة تل أبيب والمختص في علم النفس الاجتماعي قد أكد في محاضرة أمس دور الحالة النفسية الدفينة والمخاوف التاريخية المتراكمة وتلك الناجمة عن المواجهة لدى الإسرائيلي في تكريس الصراع وإفشال مشاريع التسوية. وبعيون بارتال فإن الصراع العربي – الإسرائيلي كسائر "الصراعات المنفلتة" يتسع ويغدو أكثر دموية نتيجة "إيمان الشعبين المتناحرين" بأهمية أهداف كل منهما وبضرورة التجند لها والتضحية أحيانا بالنفس من أجلها.
وأوضح أن الحالة الإسرائيلية ليست الوحيدة. وأشار إلى عدة عناصر تكّون قاعدة مضمونية لثقافة الصراع وهي: تعزيز عدالة أهداف الصراع، حيازة الأمن، ونزع الشرعية عن الخصم، وتعظيم ذاتي للكينونة الجماعية، وفهم الذات كضحية، وتنمية الوطنية، الوحدة والتطلع للسلام.وأكد الباحث الإسرائيلي أن القاعدة النفسية – الاجتماعية التي تكوّنت في المجتمع الإسرائيلي ليست ثمرة تجارب من فترة الصراع الراهن. ونوه إلى أنها تطورت أيضا على خلفية تجارب بعيدة من حيث المكان والزمان، مشددا على أن المحرقة هي التجربة الأقسى وقد تركت بصمات لا تمحى على الشعب اليهودي.
وأشار الباحث إلى أنه رغم حدوث تغيرات لدى الإسرائيليين منذ سنوات السبعين إلا أن مقومات الصراع لا تزال رائجة لدى أوساط واسعة منهم، بل إن هذه متمّسكة بثقافته. واعتبر البروفسور بارتال أن الأمر يتجلى جيدا في توسيع المستوطنات التي تعكس الأهداف القصوى بالسيطرة على "أرض إسرائيل الكبرى" ، وبعدم الاستعداد لحل الصراع بطرق سلمية. وللتدليل على ذلك أشار الباحث الإسرائيلي إلى أن قادة إسرائيل ضللوا شعبهم بأن الفلسطينيين ليسوا شركاء للسلام. وبحسب بارتال فإن الحاجز النفسي لا يزال مرتفعا جدا وأن الرأي العام في الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني، يبدي عدم ثقة بجاهزية الطرف الآخر بالتوصل للسلام واحترامه. ولفت إلى أن المشروع الصهيوني التاريخي مستمر بقوة وسط استغلال لكافة الحيل الممكنة وبمساعدة مؤسسات الدولة بل وبخرق قوانينها، كما يظهر بالسيطرة على الأرض المعدة للدولة الفلسطينية.
ويعتبر بارتال الذي يميل بشكل عام لعدم المساواة بين الضحية الفلسطينية والمحتل الصهيوني، أن الانتقال من صراع منفلت لمسيرة سلام يستوجب تغييرا في القاعدة النفسية – الاجتماعية لدى المجتمع المتورط به وبثقافة المواجهة التي تغذي النزاع ذاته وتطيله على مدى أجيال أسوة بالصراعات الإثنية، كما في الشيشان وإيرلندا. وبذلك تقاطع مع الكاتب الصحافي يارون لندن الذي دعا قبل أيام الإسرائيليين للاعتراف بالحقيقة التاريخية وارتكاب الصهيونية جرائم تهجير وتدمير وقتل ضد الفلسطينيين. وقال في مقال رأي نشرته "يديعوت أحرونوت" إن من يدعو الآخرين للندم والتوبة واللطم على الصدور اعترافا بذنب عليه أن يطلب ذلك من نفسه أولا.
وفي مقال بعنوان "بين وارسو والنكبة" قارن الكاتب الإعلامي البارز يارون لندن بين تجربة اليهود في بولندا وبين تجربة الفلسطينيين. وتابع في معرض المقال "نعم هناك خوف معشش داخل اليهود حتى اليوم وبعض القادة الفلسطينيين في إسرائيل خاصة من التجمع الوطني الديمقراطي، يلعبون بأعصابهم ويستفزونهم ويؤججون مخاوفهم الدفينة لكنني لا أعمم، فعدد هؤلاء قليل جدا لكن ضررهم فادح".
ولفت الباحث بارتال إلى أن الإسرائيليين يسددون ثمنا باهظا للاحتلال والصراع، منوها إلى "التدهور الأخلاقي" وتفشي الاستهتار بالقانون وبلادة الإحساس تجاه الآخر وسيطرة الجيش على مناحي الحياة، منبها من أن ذلك بدأ يعود كيدا مرتدا على الإسرائيليين أيضا، مشيرا لاستشراء العدوانية والعنف في الشارع الإسرائيلي كمثال. وعلى غرار باحثين آخرين يرى أن الصراع الإسرائيلي الفلسطيني ليس نزاعا بين الأخيار والأشرار، لافتا إلى كونه نزاعا عنيفا وقاسيا فقد فيه الجانبان الرسن الأخلاقي. وأضاف "مع ذلك قطع الشعبان شوطا طويلا من النفي الكامل للآخر نحو الاعتراف بوجوده وبإبداء الاستعداد للتسوية ويعكس ذلك التحول الدرامي الذي شاهدناه منذ السبعينات خاصة بعد زيارة السادات للقدس المحتلة".
وقال الباحث إن إسرائيل تمسك بكل "أوراق اللعب" تقريبا فيما يخضع الفلسطينيون لسيطرة ومراقبة شبه كاملتين من قبلها. وأضاف "رغم كل التغييرات التي مر بها المجتمع الإسرائيلي فهو لا يزال غير قريب لمعتقدات ومواقف تمّكن من حل الصراع ويواصل تطلعه لتحقيق أهدافه القصوى وسط تجاهل للطرف الفلسطيني الآخر والسيطرة على أرضه ومعاقبته عقابا جماعيا." في المقابل قال إن استمرار العنف الفلسطيني خاصة العمليات الانتحارية التي استهدفت المدنيين خلال الانتفاضة الثانية وما لحقها من عمليات فلسطينية خلال الهبة الفلسطينية الراهنة شكّل ولا يزال عائقا كبيرا أمام تغيير واسع للقاعدة النفسية -الاجتماعية لدى الإسرائيليين، ومع ذلك فهو لا يحمل الجانب الفلسطيني ما جرى ويجري ويعتقد أن احتلال الضفة وغزة هو جذر الحالة المرضية الراهنة. وأضاف "أن مساهمة الفلسطينيين في جمود المسيرة السياسية قد بحثت موسعا أما مساهمة الإسرائيليين فلم تخضع سوى لبحث قليل حتى الآن لكن "الصورة واضحة وفيها يظهر من يتهرب من التسوية مدعيا أنه يؤيد تسوية الدولتين لكنه يزرع الأرض احتلال واستيطانا وتنكيلا."

المصدر: وكالات - وكالة قدس نت للأنباء -