كلما عاودت السلطات المصرية فتح معبر رفح البري، ظن الكثير أنها فُرجت، وستساهم في التخفيف من معاناة مليوني مُحاصر في قطاع غزة، وأكثر من 25 ألف شخص من الحالات الإنسانية مُسجلين للسفر عبر معبر رفح البري، منذ أشهر وربما سنة.
أينما وقع نظرك داخل تلك الصالة التي يزيد عمرها عن عقد ونصف من الزمان، لا تزيد مساحتها عن 1000كم2، تجد ما لا تُطيق تحمله، من مشاهد تُدمي القلوب لمئات العالقين، الذين تدافعوا قبل بزوغ الشمس للصالة الخارجية من معبر رفح البري.
كل واحد داخل الصالة يحمل حكاية جديدة، تظن أذنك عندما تصغى لواحدة أنها لن تسمع أقسى منها، فتقشعر بدنك/جسدك عندما تسمع غيرها، فتتألم لرؤية أطفال ذهبوا في النوم من شدة التعب والحضور مُبكرًا للمعبر، ومرضى من كبار السن يبحثون من مظلةٍ من الشمس الحارقة، أما الطلبة وغيرهم فالكل يُزاحم وصولاً لموظفي المعبر طمعًا في فرصة للسفر.
لا شيء تغير منذ سنوات، أما تلك البوابة السوداء من معبر رفح، التي تتحكم بمصير مليوني نسمة يقنطون قطاع غزة، سوى الزمان؛ فلا مقاعد مُتهالكة تغيرت، ولا أجسد سكنها المرض، وأخرى أنهكها لهيب الشوق، ووجع الانتظار، ووجوه شاحبة سئمت وفقدت الأمل بأن تخطف مستقبلها قبل أن يضيع.
طالب مُهدد مُستقبله
الطلبة هم الفئة الأكثر تضررًا من إغلاق المعبر، فـ"سمير عصفور"، والد الطالب صدام عصفور، الحاصل على مُعدل "93%" في الثانوية العامة في الفرع العلم، يطمح كما أي أب فلسطيني في أن يرى الدنيا والمُستقبل الباهر في نجله، الذي يتطلع بأن يدرس الطب في الجامعات المصرية، لكن المعبر يقف حائلاً أمام تحقيق مُراده.
يقول عصفور لمراسل "وكالة قدس نت للأنباء" بصوتٍ عالي وبنبرة غضب : "ابني خسرت عليه كثيرًا حتى يُصبح مُتعلمًا، ونجح في الثانوية العامة، واليوم يتطلع لاستكمال حياته العلمية، التي يتمناها وأتمناها أنا ووالدته وأقربائه له، من خلال دراسة الطب في الجامعات المصرية".
ويُضيف عصفور "حصل نجلي على نصف إعفاء بجامعة الزقازيق المصرية، والدراسة بدأت، وهو ينتظر اللحاق بجامعته كما مئات الطلاب العالقين في قطاع غزة، لكنه لم يتمكن، بسبب إغلاق المعبر لفترات طويلة، والنظام الروتيني القاسي المعمول به على معبر رفح".
ويتابع بنبرة ألم وقد اغرورقت عيناه "مستقبل ابني يضيع أمام عيني، وإن لم يُسافر هذه الفتحه للمعبر، ستذهب عليه المنحة التي حصل عليها، وغيره حوالي 25 طالب وجدتهم في مجمع أبو خضرة الحكومي بغزة في مكاتب التسجيل وفي المعبر كذلك".
وناشد عصفور الجهات المسؤولة لتسهيل سفر ابنه وجميع الطلاب العالقين، ولا بد أن تكون أولوية السفر للمُتعلمين وطلاب العلم في الخارج، لأنهم سفراء لبلادهم، بالتالي يجب الوقوف معهم، وعدم تركهم يتيهون، ويفقدوا مستقبل؛ مُتسائلاً : "إن لم يتم تسهيل سفر هؤلاء الطلاب لمن التسهيلات إذًا".
مرضى يأمل إنقاذهم
أما الجريح محمد أحمد، المُصاب في العدوان الأخير على قطاع غزة عام 2014م، والذي يحاول العودة لاستكمال العلاج في مصر منذ نحو عام، ولم يتمكن، لأنه لم يجد علاجًا في غزة، فاضطر التوجه للخارج، لكن مرارة السفر تجرعها علقمًا أكثر مما تجرعه في داخل وطنه، الذي يفتقد لعلاجه.
أقصى ما يتمنى "أحمد" هو أن يتعاطف الجميع معه، خاصة الجانب المصري، ويسمح له بالسفر عبر المعبر، دون قيدٍ أو شرط، وأن يمنح الجانب الفلسطيني في العمر الجرحى حقهم الطبيعي في السفر، لأنهم ضحايا، والكل يجب أن يقف مع الضحية، وألا يتخاذل، ويتركها ويتنكر لها.
لا يختلف الحال كثيرًا لدى المريضة صبحية الرياطي، التي ترغب بالسفر للمملكة الهاشمية الأردنية لاستكمال للعلاج، بعدما حصلت على أربع ممانعات وانتهت جميعها، نتيجة عدم تمكنها من السفر، نتيجة إغلاق المعبر، وعدم وصول التسلسل الرقمي للتسجيل لها.
وتناشد الرياطي وهي تقبض في يديها أوراقها الطبية، وبعض الأدوية، وتجلس تحت ظل مظلة الصالة الخارجية من معبر رفح، الجهات المسؤولة في غزة ومصر، لتسهيل سفرها، لتُكمل علاج ظهرها وعيونها قبل أن تفقدهم، لأنها تنتظر إجراء عمليات في الأردن لذلك.
خطوة إيجابية
بدوره، اعتبر الناطق باسم وزارة الداخلية في غزة إياد البزم في تصريح لمراسل "وكالة قدس نت للأنباء" خطوة فتح معبر رفح لستة أيام إيجابية ومُقدرة؛ لكنهم يأملون أن تكون بداية لخطوات أخرى قريبة من قبل السلطات المصرية، من أجل تخفيف الواقع الإنساني الصعب في قطاع غزة".
وقال البزم : "فتح المعبر ستة أيام لا يكفي حقيقةً لسفر العدد الكبير والمُتراكم من الحالات الإنسانية الموجودة في قطاع غزة؛ لذلك نأمل من السلطات المصرية فتح المعبر بشكل كامل، حتى نستطيع تلبية الحاجات الإنسانية والضرورية لسكان قطاع غزة، كون المعبر هو النافذة الأساسية والوحيدة مع العالم الخارجي".
وبين أن المعبر، سيُفتح أيام "السبت والأحد"، من هذا الأسبوع، ويُغلق يومي الاثنين والثلاثاء، ويُعاد فتحه أيام : الأربعاء، الخميس، الجمعة، السبت"؛ مُشيرًا إلى أنهم نشروا كشوفات أول يومين، وخلال اليومين القادمين سيتم نشر بقية كشوفات سفر الأيام الأربعة القادمة.
ونوه أن لديهم نحو "25 ألف مُسجلاً" للسفر لدى هيئة المعابر في القطاع من الحالات الإنسانية، ولو فُتح باب التسجيل لوجدوا الآلاف يرغبون بالسفر؛ مُشددًا على أن إغلاق المعبر لفترات طويلة يعني تحويل القطاع إلى سجن جماعي لأكثر من مليوني نسمة.
