يؤكد بحث جديد صادر عن المركز الفلسطيني لأبحاث السياسات والدراسات الإستراتيجية ( مسارات) في رام الله أن إسرائيل تستثمر أحداث "الربيع العربي" للتهرب من تسوية القضية الفلسطينية، وتعميق سيطرتها الاستعمارية وخدمة مآربها في المنطقة والعالم.
وحسب دراسة دكتور مهند مصطفى (إسرائيل والبيئة الإقليمية .. التحولات الإستراتيجية والحالة الفلسطينية) انتقلت إسرائيل من مرحلة الصدمة مما حدث في العالم العربي والتخوفات التي رافقتها نتيجة التغييرات الكبيرة المتسارعة الى مرحلة إعادة التوازن الاستراتيجي، بحيث باتت ترى في التغييرات فرصة لها لتعزيز مكانتها الإقليمية. ويوضح الباحث أن ذلك تم عبر البحث عن تقاطع المصالح مع دول إقليمية عربية وغير عربية. كما يرى أن مآلات الأحداث والتغييرات الحاصلة في البيئة الإقليمية لإسرائيل عززت تفوقها الاستراتيجي الذي تستغله لتعزيز مكانتها الإقليمية.
ويظهر التفوق الإسرائيلي، على الأقل في المدى المنظور، من خلال تراجع التهديد التقليدي المباشر لها، فكل دول الجوار مشغولة في شؤونها الداخلية، وجيوشها انهارت (مثل سوريا والعراق) وأخرى مشغولة في مشاكلها الأمنية الداخلية وصراعات أهلية (مصر والأردن ولبنان)، ومجموعة ثالثة مشغولة في صراعات بينية (مثل السعودية والإمارات). ويعتبر الباحث أن الاتفاق النووي مع إيران، رغم معارضة إسرائيل له، ساهم بإنهاء آخر الأخطار الكبيرة لإسرائيل مرحليا على الأقل بعدما صنفته كخطر وجودي عليها. وترى إسرائيل بحسب الدراسة أن الاتفاق غير من جوهر وشكل الخطر الإيراني عليها بعد الاتفاق، وهو أحد الأسباب الذي دفعها لتعزيز مكانتها الإقليمية وبناء علاقات مع دول إقليمية تتقاطع معها في رؤية إيران كخطر عليها أيضا. إلا ان إسرائيل لا تزال تعتقد ان الاتفاق هو سيىء لان ما فعله هو تأجيل الخطر عليها وليس إلغاءه، بيد انها تحاول في هذه الفترة تعزيز علاقاتها لتفادي الخطر المستقبلي عليها من المشروع النووي الإيراني.
عودة لفترة بن غوريون
وتذهب الدراسة الى خارج حدود المنطقة العربية بهذه المرحلة فتقول إن إسرائيل جددت خلال هذه الفترة سياسة الأطراف التقليدية التي ابتكرها بن غوريون لمواجهة العداء العربي لإسرائيل فقامت خلال السنوات الأخيرة بتعزيز هذه السياسة وتوسيعها لتشمل دولا في أفريقيا، حوض المتوسط ودول الاتحاد السوفييتي السابق. وتربط الدراسة بين هذه السياسة وبين المسألة الفلسطينية، وخاصة في التصويت في مجلس الأمن والأمم المتحدة لصالح إسرائيل ضد قرارات تتعلق بالمسألة الفلسطينية، مثل امتناع نيجيريا في مجلس الأمن، وموقف اليونان المعارض لمشروع الاتحاد الأوروبي في مقاطعة منتجات المستوطنات، وتغييرات في مواقف الهند في العامين الماضيين.
وتتابع الدراسة "بناء على ما ذكر من استنتاجات في النقاط الأربع التالية، فقد ساهمت التغييرات الإقليمية على التوجهات الإسرائيلية من المسألة الفلسطينية، حيث اعتمدت إسرائيل في تعاملها مع الموضوع الفلسطيني على السياسات التالية: أولا العمل على تهميش الموضوع الفلسطيني من خلال الادعاء المثابر، أن الصراع الفلسطيني الإسرائيلي ليس السبب بعدم الاستقرار في المنطقة. ثانيا تحويل المسألة الفلسطينية لقضية أمنية بالأساس، وأن أي حل يجب ان يبدأ من الاعتبار الأمني وذلك على ضوء التغييرات في المنطقة العربية وصعود الجماعات الإرهابية، والعنف المستشري في المجتمعات العربية وغياب الاستقرار السياسي. وهذا برأي الباحث يضع لإسرائيل مخرجا من كل محاولة تسوية سياسية بالادعاء ان الموضوع الفلسطيني هو موضوع أمني بالأساس، وأنها لن تقبل ان يجري في الضفة الغربية بعد انسحابها ما جرى في سوريا وباقي الدول العربية لأنه يهدد الأمن الإسرائيلي. وتشدد الدراسة على أن" الربيع العربي" " أتاح لإسرائيل ربط المقاومة الفلسطينية بالإرهاب في العالم العربي وفي العالم من خلال الادعاء أن "الإرهاب" الفلسطيني هو امتداد للإرهاب في المنطقة والعالم وليس مقاومة وطنية مرتبطة بالاحتلال الإسرائيلي، وهو نتاج للإرهاب "الإسلامي" الإقليمي والعالمي، دوافعه دينية وليست وطنية. وعلى ضوء التغييرات في العالم العربي ومحاولات إسرائيل تعزيز مكانتها الإقليمية من جهة، وتهميش الموضوع الفلسطيني من جهة ثانية، فقد تبنت تصور التسوية الإقليمية كمدخل لكل تسوية في الموضوع الفلسطيني. واعتبرت ان كل تسوية للصراع الفلسطيني الإسرائيلي يجب ان تبدأ من تسوية إقليمية وهذا ما تؤكد الدراسة على أنه هروب إسرائيلي من أي مفاوضات مباشرة مع الفلسطينيين (ضمن جدول زمني وأجندة واضحين)، إلى رفع شعار التسوية الإقليمية، حتى بدون الفلسطينيين، لتشكل أرضية لتسوية مع الفلسطينيين. وعلى المستوى الداخلي تنبه الدراسة أن هذا التصور بات محل إجماع إسرائيلي كبير فرضته التحولات في البيئة الإقليمية.
تعميق سيطرة استعمارية
وعلى الأرض تعمق إسرائيل من سيطرتها الكولونيالية في الضفة الغربية خاصة في مناطق "ج" في أثناء هذا التوجه الذي تثابر عليه إسرائيل. كما استمرت إسرائيل في تعزيز الانقسام الفلسطيني بعد الثورات العربية، خاصة أنها ترى به مركبا أساسيا من مركبات السياسات الإسرائيلية تجاه المسألة الفلسطينية. وتتفق الدراسة مع دراسات أخرى بعضها إسرائيلية أيضا بأن إسرائيل تتبنى منذ سنوات قليلة استراتيجية تعزيز الانقسام وإضعاف طرفي الانقسام دون الوصول بهما الى حالة الانهيار، وذلك عبر إضعاف السلطة عبر محاولة إفشال كل تسوية سياسية مثلما حصل مع مبادرة جون كيري وزير الخارجية الأمريكي الأخيرة، او العمل على إفشال جهودها الدبلوماسية الدولية، وفي نفس الوقت منع انهيارها اقتصاديا او ممارسة ضغط أمني يؤدي الى انهيارها. ومن جهة أخرى إضعاف حماس عبر استمرار الحصار دون العمل عسكريا على إسقاط حكمها او تجويع غزة ولذلك لم يكن هنالك مشكلة لدى إسرائيل في السماح للمساعدات الإنسانية التركية الوصول لها في إطار الاتفاق بين الدولتين، لا سيما وان هنالك وزراء يقترحون بناء ميناء بحري في القطاع، مثل الوزير يسرائيل كاتس المعروف بمواقفه المتطرفة اتجاه الفلسطينيين.
توصيات ومقترحات
وعلى خلفية كل ذلك تقترح الدراسة التوصيات التالية لمواجهة السياسات الإسرائيلية: العمل على إنهاء الانقسام الفلسطيني، وإعادة اللحمة الجغرافية والوطنية بين قطاع غزة والضفة الغربية، بمعنى ان يتحول مصير الضفة الغربية وقطاع غزة الى مصير واحد، داعيا لتعزيز دور العمق العربي من أجل إنهاء الانقسام الفلسطيني، وضرب الاستراتيجية الإسرائيلية في الصميم.
ويقول انه على الحركة الوطنية الفلسطينية المتمثلة في منظمة التحرير الفلسطينية، علاوة على السلطة الفلسطينية، استعادة مواقعها التقليدية الآخذة بالتراجع لصالح الغزو الإسرائيلي الدبلوماسي المدعوم من التحولات في العالم العربي، مثل عودة الموضوع الفلسطيني كموضوع احتلال في الهند، واليونان ودول افريقيا. وهذا برأيه لن يتم بدون استراتيجية دبلوماسية فلسطينية تشترك بها مركبات فلسطينية وعربية مختلفة، مثل منظمة التحرير، والسلطة الفلسطينية، ومؤسسات المجتمع المدني، والجاليات الفلسطينية والعربية وعليها كافة التنبه للتمدد الاسرائيلي بهذه المناطق خلال "الربيع العربي".
ويضيف "وعلى الحركة الوطنية العمل على أن تكون المبادرة العربية ثابتة في مبادئها تجاه حل الصراع، وهو أن تبقى المبادرة العربية تحمل الثوابت الفلسطينية من جهة، ومركزية المسألة الفلسطينية من جهة أخرى، وذلك على اعتبار أن تسويتها العادلة يسبق أي تسوية إقليمية تسعى إسرائيل الى إنجازها وهذا يحتاج من الجانب الفلسطيني التأكيد على المبادرة العربية لا بل وتعديلها لتشمل بنودا تتعلق بتعزيز المقاطعة لإسرائيل إذا استمرت بمشروعها الاحتلالي الاستيطاني في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967. كما تدعو الدراسة الحركة الوطنية الفلسطينية لبناء استراتيجية مقاومة فلسطينية جامعة تعتمد الاحتجاج الشعبي السلمي المنظم، والعمل على تنفيذ هذه الاستراتيجية بشكل مثابر، مشددة على أن مثل هذه الاستراتيجية تعيد مركزية المسألة الفلسطينية كمسألة احتلال، وكقضية كولونيالية، كما أنها تنفي الادعاء الإسرائيلي حول الربط بين المقاومة وبين الإرهاب. لا يجب الاستنتاج من هذه التوصية ان تبني المقاومة السلمية الشعبية جاء كرد فعل على خطاب الاحتلال تجاه المقاومة المسلحة، بل كمصلحة فلسطينية بالأساس، نابعة من قرار فلسطيني وطني بات يفهم أن المتغيرات الإقليمية والدولية باتت تستدعي مثل هذه المقاومة. منوها أن جزءا من هذه المصلحة نفى الادعاء الإسرائيلي طبعا، فتدويل القضية الفلسطينية لا يكفي في ظل غياب مقاومة على الأرض.
