"لما رجعت على صفد بعد 1967، بدي أستعيد الذكريات، بتذكر بيتنا على جبل ودرج عالي، رحت أدوّر على الدرج العالي ما لقيته، أتاريه هو مش عالي بس احنا كصغار كنا نشوفه عالي،" هكذا تستذكر ريما ناصر عودتها إلى أحد ملاعب طفولتها التي فقدتها إثر النكبة.
في الفيلم الوثائقي "المنازل الأولى" للمخرجة نجاح عوض الله، الذي عرض مساء اليوم الثلاثاء في مبنى الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون في مدين رام الله، نشاهد مقتطفات من تاريخ بلادنا المجهول، ونتعرف على جوانب كنا نسمع بها، لكننا لم يسبق أن شاهدناها كقصة متكاملة تروي الجانب الإنساني ببساطته وجماليته رغم حزنه.
ريما ناصر، وشريف كناعنة، وفيصل حوراني، يتحدثون عن منازلهم الأولى، عن طفولتهم قبل النكبة، خلالها وبعدها، يتحدثون عن الفقد والوجد والمأساة الإنسانية التي أصابتهم أطفالاً ويعيشون على أنقاضها كباراً، فيمزج الفيلم بين شهادات الشخصيات الثلاث، ومشاهد مصوّرة تحاكي ذكرياتهم، بعضها تمثيلية بالأبيض والأسود.
ببساطة وسلاسة وجمال، تسرد الشهادات الثلاث جوانب متعددة من حياة الفلسطينيين قبل النكبة وبعدها. في الزمن المعاصر بعد حوالي السبعين عاماً، نتعرف على جوانب من الحياة قبل النكبة، ألعاب الأطفال، المدارس، ذاكرة الأماكن، كيف كانت، كيف صارت، والكثير من التفاصيل التي تشبع الحُفَر في معرفتنا وذاكرتنا عن الحياة قبل النكبة.
حكايات نضالية من تاريخ الشعب الفلسطيني قبل عام 1948، فالمقاومة الفلسطينية بدأت قبلها كما استمرت حتى الزمن الحاضر، فيذكر فيصل حوراني مثلاً، والده خلال ثورة 1936: ذكر لي أن أبي من الشباب النابهين في القرية، اشترك في الجهاد في ثورة 1936 وذكر لي أنه أصيب بجروح أدت فيما بعد إلى وفاته.
وعن فترة التهجير، والحالة الإنسانية التي عاشها الفلسطينيون خلالها، يستحضر الفيلم شهادات حية عن الصمود، ودور الأمهات في إنقاذ العائلة، يستذكر شريف كناعنة أن "النساء هن أنقذوا العائلة، انقذوا الأطفال. يعني مستعدات ينحنوا أمام العاصفة، النساء كانوا مرنات ، الرجال كأنه صعبت عليهم كثير."
لكن الحياة تغيرت، بطبيعة الحال بعد النكبة، فكان الفقد والفقدان والفقر، وتغيّرت الأولويات، وصعدت مآثر النخوة حين عمّ الفقر، والحرمان إثر فقد جميع ممتلكات المهَجّرين، يقول فيصل حوراني في الفيلم، وقد كان طفلاً في ذلك الوقت: "مديت ايدي غمست الخبزة في الحليب وبدي أحطها بتمي، اجت عيني بعين أًصغر الولاد وبالعامية بقولو بشحنك. مشحنك بطلع فيها، فوجدت شيء في غامض يدفعني إني أناولو اياها. خالتي الي هي أكبر مني بأربع سنين بتقول يا ولداه وين كنا وشو صار فينا. فتحركت النخوة في الجميع."
أما النساء فكنّ أيضاً حاضرات للعطاء، والصبايا حاضرات بوعيهن المبكر، تقول ريما ناصر في الفيلم: "قعدنا وكتبنا مقال، بفكر كنت بسن 16 سنة، أول اشي نطالب البنات ما تتبهرج والمصاري تروح لمساعدة الوطن."
لكن التهجير والصراع من أجل البقاء لم يكن فقط بالجوانب المادية من الحياة، فقد أدرك الفلسطينيون أن العلم هو ما تبقى لهم، ففي حين رجع الأهالي إلى منازلهم خلسة كي يحضروا ما يحتاجونه، يذكر فيصل حوراني عندما عاد جده محملاً بالكتب، فلم يبقَ لهم إلا العلم.
"أما جدي لأمي فلا أزال أذكر الدرس الذي تعلمته منه، رجع ومعه كتبنا المدرسية وكتب المكتبة الي كانت في الدار، وقال لنا منذ ذلك الوقت خسرنا كل شيء ولم يبق لنا إلا العلم."
وكما يبدأ الفيلم بالحديث عن الطفولة الضائعة، ينتهي بشرعية الشعور الفلسطيني بالحزن، وتفنيد لاحتكار الألم على الإسرائيليين، في رسالة للعالم، قالها شريف كناعنة: "اليهود بدهم يحتكروا الحزن والألم، ممنوع حدا غيرهم يتذمر لأنهم هم مروا بالهلوكوست. أنا برأيي إلي قاسوه الفلسطينيين أسوأ بكثير. لأنه هديك كانت فترة قصيرة وانتهت..."
يزرع فيلم "المنازل الأولى" فينا حنيناً وحزناً، ويعلّمنا الحكاية الفلسطينية بشكل لم نعرفه من قبل. هذا ما يضيفه؛ يثير فينا التفاصيل المرهفة، التي رصدتها نجاح عوض الله بحنان وذكاء وانتباه، فنخرج منه بمعرفة أكثر عمقا وحبّا أكثر قوة. حسب تقرير لوكالة الأنباء الفلسطينية الرسمية
