شباب غزة يرحلون عن عالم ليس لهم هرباً من الحصار والبطالة والانقسام

ينسحب عام 2016 بهدوء ومن دون حتى بارقة أمل بقرب انتهاء الاحتلال الإسرائيلي المتواصل لقطاع غزة منذ عام 1967، أو الانقسام البغيض بين حركتي "فتح" و "حماس". ليس هذا فحسب، بل قد يكون العام الماضي حمل في رحمه بوادر انقسام جديد في صفوف الحركة الفلسطينية الأكبر، "فتح"، التي تمثل العمود الفقري للحركة الوطنية الفلسطينية، بعد عقد مؤتمرها السابع قبل أسابيع قليلة.

وبدأ العام الماضي أشهره الأولى بارتفاع معدلات الانتحار في صفوف الشباب، وكذلك ارتفاع معدلات جرائم السرقة والقتل، ما خلّف حزناً عميقاً ويأساً وإحباطاً إضافياً في نفوس المواطنين.

لكن قرار حكومة التوافق الوطني في 21 حزيران (يونيو) تنظيم انتخابات الهيئات المحلية (البلديات) في الثامن من تشرين الأول (اكتوبر)، بعث الأمل في نفوس "الغزيين" بتغيير إيجابي محتمل في الخدمات المقدمة لهم، وفرصة أن تكون الانتخابات مقدمة لمصالحة وطنية شاملة، من ضمنها تنظيم انتخابات عامة رئاسية وتشريعية.

إلا أن قرار المحكمة الدستورية في الثالث من تشرين الأول بتنظيم الانتخابات المحلية في الضفة من دون القطاع، وقرار الحكومة في اليوم التالي إرجاء تنظيمها مدة أربعة أشهر، أعاد التشاؤم واليأس والإحباط الى نفوس الفلسطينيين، خصوصاً "الغزيين".

على أن الشهر نفسه، الذي وصل خلاله عدد سكان القطاع الى مليونيْ فلسطيني بالتمام والكمال، حمل بشرى تحسّن العلاقات مع الشقيقة الكبرى مصر. فخلال هذا الشهر، دعت القاهرة عشرات الشخصيات من القطاع الى ما بات يُعرف لاحقاً بـ "مؤتمر العين السخنة الأول"، وأعلن خلاله مسؤولون مصريون أن توجهاً مصرياً، وربما سياسة وقرارات جديدة، تولد في دوائر صنع القرار المصرية تهدف الى تغيير الأوضاع المأسوية نحو الأفضل وتخفيف القيود المفروضة على سفر "الغزيين" عبر مصر الى دول العالم.

وقررت القاهرة خلال مؤتمر "العين السخنة الثاني"، الذي عقد في تشرين الثاني (نوفمبر) وشارك فيه نحو مئة شخصية ورجال أعمال، تزويد القطاع بالبضائع والسلع والكهرباء ومياه الشرب وإعادة تأهيل معبر رفح، نافذة غزة على العالم، بما يحفظ إنسانيتهم وكرامتهم وحرية حركتهم.

لكن معدلات البطالة أبت هي الأخرى إلا أن تسجل ارتفاعاً لافتاً، إذ بلغت نحو 45 في المئة عموماً، ونحو 65 في المئة في صفوف النساء، ومثلها في صفوف الشباب الذين لم يجد آلاف منهم بداً من الهجرة من "نار جهنم" (قطاع غزة) الى "الجنة الموعودة" في دول أوروبية مثل ألمانيا وبلجيكا والسويد وغيرها.

واستغل هؤلاء الشباب سهولة الحصول على تأشيرة دخول الى تركيا، التي تمثل "المحطة المركزية" لقطارات الهجرة الى "بلاد السمن والعسل"، كي يركبوا قارب المخاطرة من "عالم ليس لنا" الى "عالم أفضل لنا" بعدما تساوت قيمة الموت مع قيمة الحياة في الشريط الساحلي الضيق الذي ينتظره "مستقبل مظلم" عندما يصل عدد سكانه الى خمسة ملايين فلسطيني عام 2050، كما تشير توقعات كثيرة.

وخلال العام الماضي، واصلت حركة "حماس" إحكام قبضتها على القطاع، وفرض مزيد من الضرائب الباهظة على السلع والبضائع والخدمات كي تتمكن من دفع رواتب 40 ألفاً من موظفيها وتسيير عجلة الوزارات والهيئات التي تديرها، ما يشكل عبئاً كبيراً على كاهل "الغزيين" نظراً إلى حجم الضرائب التي تفرضها أيضاً السلطة الفلسطينية. كما واصلت الحركة التسلح، وتطوير قدراتها العسكرية، خصوصاً الصاروخية، تحسباً لأي عدوان أو حرب محتملة قد تشنها إسرائيل على القطاع.تقرير لصحيفة "الحياة" اللندنية

المصدر: غزة - فتحي صبّاح -