بين قمة ترامب- نتنياهو وقمة العقبة

بقلم: غازي السعدي

بين قمة "ترامب"- "نتنياهو" في واشنطن، وبين قمة العقبة التي كشفت عنها جريدة "هآرتس 19-2-2017"، لا جديد حول القضية الفلسطينية، فقبل تقييم قمة واشنطن التي تمت في البيت الأبيض، بين الرئيس "رونالد ترامب"، ورئيس حكومة إسرائيل "بنيامين نتنياهو"، والتي سبقها اجتماع تشاوري عقدته الحكومة الإسرائيلية بتاريخ "15-2-2017"، وعشية سفر "نتنياهو" حذر الوزير "نفتالي بينت" رئيس حزب البيت اليهودي في هذا الاجتماع، وأنذر "نتنياهو": "إذا قلت كلمة الدولة الفلسطينية، أو حل الدولتين خلال اللقاء، سيحدث زلزال سنشعر به على أجسادنا، يؤدي إلى كارثة تاريخية"، هذا الوزير الذي يتسابق مع "نتنياهو" نحو التطرف والاستيطان، باستطاعته إسقاط حكومة "نتنياهو"، ومنافسة "نتنياهو" في الانتخابات القادمة على رئاستها، والمهم أن "نتنياهو" التزم بهذا الإنذار، وهذا أيضاً رأي "نتنياهو" رغم إلحاح الصحفيين بعد خروجه من البيت الأبيض، ورفضه المرة تلو الأخرى النطق بدولة فلسطينية أو بحل الدولتين، وكان رده أنه لا زال ملتزماً بموقفه الرافض لضم مليون فلسطيني لإسرائيل، "وفسروا ذلك كما تشاؤون"- كما قال للصحفيين- لكن معارضة حل الدولتين، لا تقتصر على حزب "البيت اليهودي"، بل هناك أغلبية داخل حزب "نتنياهو" "الليكود"، يرفضون حتى الحديث عن حل الدولتين، فـ "نتنياهو" المراوغ من أجل البقاء على هرم الحكم، أكثر ما يخشاه حدوث انقسام في حزبه.

لقد كان استقبال "ترامب" لـ "نتنياهو" استقبالاً حاراً، فقد انتظره على مدخل البيت الأبيض، وهذا الاستقبال لا يحظى بمثله رؤساء دول عديدة، فأقوال "نتنياهو" أنه لن يكون لنا صديق حميم أكثر من "ترامب"، وأن "ترامب" جيد لليهود، فهذا صحيح حتى إشعار آخر، لكن مثل هذه الأقوال يقولونها لجميع الرؤساء الأميركيين لابتزازهم، ففرحة اليمين الإسرائيلي لا توصف في أعقاب تصريحات "ترامب" بعدم تمسكه بحل الدولتين، أو دولة واحدة، وأنه مع ما يريده الطرفان، لكن إسرائيل لا تريد لا هذا ولا ذاك، وليس لها برنامج للحل سوى السيطرة على الأراضي الفلسطينية، من النهر إلى البحر، لكن ما صدم الفرحة الإسرائيلية، تصريح السفيرة الأميركية في الأمم المتحدة "نيكي هايلي"، بإعلانها:" نحن بالتـأكيد نؤيد حل الدولتين، لكننا أيضاً نفتش عن حلول أخرى، ننتظر ما سيجلبونه إلى طاولة المفاوضات، وما الذي سيتفقون عليه؟"

مواضيع البحث بين "نتنياهو" و"ترامب" كثيرة، فقد طالب نتنياهو "ترامب" باعتراف أميركي بضم الجولان لإسرائيل، دون رد من قبل "ترامب"، وجرى البحث في الموضوع الإيراني، وسوريا وحزب الله، بينما كان الموضوع الرئيسي والأهم في المحادثات القضية الفلسطينية، ربما أن الإدارة الأميركية الجديدة لم تبلور إستراتيجيتها بعد، لكن هناك خوفا في إسرائيل، بأن "ترامب" يغير مواقفه بسرعة، مع أن الحزب الجمهوري الأميركي الذي ينتمي إليه "ترامب"، شطب من برنامجه الانتخابي موضوع حل الدولتين، أو إقامة دولة فلسطينية، كما أن الحزب الجمهوري غيّر من برنامجه من الأراضي المحتلة بالنسبة للضفة الغربية، إلى أراضٍ تحت السيطرة، فالانحياز الأميركي الأعمى لإسرائيل قديم جداً، بدأ قبل وبعد إقامة إسرائيل، وتطور شيئاً فشيئاً من خلال اللوبيات اليهودية حتى أرتفع إلى 90 درجة.

إن إسرائيل تخشى السلام، وتخشى الدولة الواحدة، وذلك للمحافظة على طابعها اليهودي، خشية من تغيّر الوضع الديمغرافي لصالح الفلسطينيين، وهذه ورقة ضغط قوية بأيدي الفلسطينيين، لو قبلت إسرائيل بإقامتها، فإقامة دولة واحدة بدستور وقوانين ومساواة كاملة في كل شيء، غير أن إسرائيل التي تريد ضم جميع الأراضي الفلسطينية إليها، فإن خطتها بإقامة حكم ذاتي إداري للفلسطينيين مرجعيته إسرائيل، أما الدولة الواحدة التي تخشاها أكثر من حل الدولتين، ومنح الفلسطينيين حق التصويت والحقوق السياسية، تخشى من سيطرتهم على الحكم، فالنائب الدكتور "أحمد الطيبي"، قال في مقابلة مع شبكة "سي.ان.ان" الأميركية، أنه إذا أقيمت دولة واحدة، فإنه سيخوض المنافسة على رئاسة الحكومة، وأنه سيهزم "نتنياهو" لأن جميع الفلسطينيين سيصوتون له، وهذا أكثر ما تخشاه إسرائيل، فهي في مأزق من حل الدولة الواحدة، أو حل الدولتين.

موقع ملف "ديفكه" الإسرائيلي القريب من أجهزة الأمن الإسرائيلية، نشر بتاريخ "16-2-2017"، أن الرئيس "ترامب" ورئيس الحكومة الإسرائيلية "نتنياهو"، وضعا خطة لتحقيق السلام بين إسرائيل ودول الخليج العربي، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، أطلقوا على هذه الخطة بـ"اتفاق الغلاف"، للتوصل إلى السلام مع الدول العربية، والهدف تهميش القضية الفلسطينية، عبر ضغوط عربية لجانب إسرائيل للتوصل إلى حل إقليمي، بدلاً من حل الدولتين، التي كان الرئيس "أوباما" يتبناها، وهذه خطة إسرائيلية يروجون لها قديماً، لتحقيق السلام والتطبيع مع الدول العربية، للقفز عن المشكلة الفلسطينية، وحسب "نتنياهو"، فإن الدول العربية بدأت تنظر لإسرائيل كحليف في المواجهة مع إيران، بفتح الطريق أمام آفاق السلام.

في إسرائيل يعتبرون قمة "ترامب"-"نتنياهو" بـ"العهد الجديد" لإنهاء حلم الدولة الفلسطينية، ومنع إقامة "دولة إرهاب في قلب العمق الإسرائيلي"، يعتبرون هذا اللقاء يوما هاما جداً لكل محبي إسرائيل و"أرض إسرائيل"، وللمماطلة وشراء الوقت، وضع "نتنياهو" اشتراطاته- التي لا تنتهي- لحل الموضوع الفلسطيني، وهو تكرار لإعلانات سابقة: الاعتراف بالدولة القومية للشعب اليهودي، استمرار سيطرة إسرائيل على منطقة الأغوار حتى الحدود الأردنية، "مساحة الأغوار تبلغ مليون دونم تشكل 28.8%" من مساحة الضفة الغربية"، القدس الموحدة الكبرى عاصمة إسرائيل الأزلية، ضم الكتل الاستيطانية إلى السيادة الإسرائيلية، لا عودة إلى حدود 1967، لا عودة للاجئين، دولة منزوعة السلاح، يحظر على الفلسطينيين استخدام غالبية أراضي الأغوار، وشمال البحر الميت، بمسوغات مختلفة، منها أراضي دولة، ومنها مناطق عسكرية مغلقة، وهذه الشروط الإسرائيلية، يرفضها الفلسطينيون جملة وتفصيلا.

وكما كان في كل محاولات سابقة، فإن موضوع الاستيطان كان خلافياً حتى مع الرئيس "ترامب"، مما أدى إلى الاتفاق على إقامة طاقم وآلية أميركية-إسرائيلية، للبحث في البناء الاستيطاني، فإسرائيل تهدف إلى تغيير الوضع الديمغرافي في الأراضي الفلسطينية لصالحها، ولا بد من التنويه، بأن الرئيس "ترامب" وإدارته، غارقون في مشاكل داخلية أهم من القضية الفلسطينية، فقد طلعت علينا جريدة "معاريف 18-2-2017"، أنها لا تستبعد أن ينتهي مصير الرئيس "ترامب" في السجن، لكثرة السمات الجنائية لطابع العلاقات التي تربطه بالروس، وأن معلومات محرجة كثيرة تحتفظ بها الأجهزة الاستخبارية الأميركية قد تطيح بـ "ترامب"، اما جريدة "التايمز" الإسرائيلية فقد نقلت عن المدير العام الأسبق لوزارة الخارجية الإسرائيلية البروفيسور "شلومو افنيري"- أستاذ العلوم السياسية في الجامعة العبرية حالياً- بتاريخ 19-2-2017،" أنه لا يعتقد بأن "ترامب" سينهي السنوات الأربع من ولايته كاملة، بل يتوقع نهاية مبكرة لرئاسته".

لم يكن صدفة تسريب والكشف عن قمة العقبة التي عقدت بتاريخ "21-2-2016"، أي قبل عام، بمبادرة وزير الخارجية الأميركية السابق "جون كيري"، وبمشاركة الرئيس المصري "عبد الفتاح السيسي"، والملك "عبد الله الثاني"، ورئيس الحكومة الإسرائيلية "بنيامين نتنياهو"، طرح "كيري" في هذه القمة مبادرة سلام إقليمية شملت اعترافاً بإسرائيل كدولة يهودية، وقدم خطة سلام من ست نقاط، وعقد مؤتمر إقليمي للسلام في القاهرة، ومبادرة "كيري" تقوم على حل شمولي، بما في ذلك حل المشكلة الفلسطينية، وتجميد البناء الاستيطاني خارج الكتل الاستيطانية ولتفويت ذرائع "نتنياهو" بالنسبة ليهودية الدولة، فقد ضمت مبادرة "كيري" ما جاء في قرار الأمم المتحدة رقم (181) "قرار التقسيم"، بإقامة دولتين لشعبين الأولى دولة يهودية، والثانية دولة عربية، على أن تعترف كل منهما بالأخرى، وحل عادل لقضية اللاجئين الفلسطينيين، والقدس عاصمة للدولتين، كذلك توفير ردود ملائمة للاحتياجات الأمنية الإسرائيلية، وضمان مقدرة فلسطين على توفير الأمن لمواطنيها، وتطبيع العلاقات والأمن الإقليمي للجميع، وفقاً لرؤيا مبادرة السلام العربية.

إن هدف التسريب عن قمة العقبة، عملية تأهيل للجماهير العربية من جهة، وإحراج "نتنياهو" برفضه للسلام الإقليمي الذي ينادي به، فلا فائدة من هذه القمم وهذه اللقاءات، في ظل الرفض الإسرائيلي القاطع لأي حل سياسي مع الفلسطينيين، وأن هذه اللقاءات مضيعة للوقت، فـ"نتنياهو" تملص من إعطاء إجابة وموافقة على هذه المبادرة، بحجة أنه سيجد صعوبة في تأييد حكومته لها، وأخيراً لا أرضية صالحة لتحقيق السلام مع إسرائيل، دون ضغط أميركي حقيقي وهذا غير موجود، ودون إيجاد قوة عسكرية عربية تخشاها إسرائيل وتجبرها على إنهاء الاحتلال، وهذا غير متوفر أيضاً، وتحول في الرأي العام الإسرائيلي نحو الحل والسلام، وهذا غير متوفر أيضاً، بل أن الرأي العام الإسرائيلي منجرف نحو اليمين والتطرف وفقدان للبوصلة.

انتهى....

بقلم/ غازي السعدي