بركة أبو راشد .. وليلة السابع من حزيران

"لم تكن ليلة السابع من حزيران 1967 ليلة عادية بالنسبة لجيل بأكمله عاش فصول النكسة بمراحلها كافة، لاسيما الفصل الأول منها الذي كان الأصعب على فتى، تفتحت عيناه على جنود مدججين بمختلف أنواع السلاح، ودبابات ضخمة ذات مدافع مشرعة في كل الاتجاهات، يجوبون شوارع مخيم جباليا ذهاباً وإياباً من شماله وحتى جنوبه، ومن شرقه حتى غربه".

يقول مختار قرية بيت طيما المواطن الستيني عبد القادر أبو مهادي في حديث لصحيفة "الأيام" الفلسطينية، "لم تكن تلك الليلة عادية بالمطلق، ففي لحظات شق هدير الدبابات الذي رافقته زخات من الرصاص سكون الليل".

وأضاف أبو مهادي (65 عاماً) خلال حرب 1967، المعروفة بـ"نكسة حزيران"، أو "حرب الأيام الستة" كنت ملازما لوالدي الذي كان يتنقل من زاوية إلى أخرى، داخل بيت العائلة حاملاً بين يديه المذياع للاستماع إلى أخبار الحرب وسير المعارك.

حلم العودة
وأضاف، كلما سمع والدي خبراً مفرحاً من المذيع المصري بإذاعة صوت العرب أحمد سعيد والذي اشتهر في حرب حزيران بمقولته "القوا بهم في البحر.. وهنيئاً لك يا سمك البحر"، كان يصرخ بأعلى صوته قائلاً: "انتصرنا انتصرنا.. وعودتنا على بيت طيما باتت قريبة جداً".

وفيما يتعلق بليلة دخول القوات الإسرائيلية إلى قطاع غزة، قال أبو مهادي: "في ليلة السابع من حزيران، وفي حوالي الساعة الثانية بعد منتصف الليل، سمعنا أصواتاً لم نسمعها من قبل، سمعنا هدير الدبابات وأصوات تحليق الطائرات وأزيز الرصاص المتقطع من كل حدب وصوب، رافقها أوامر جنود الاحتلال عبر مكبرات الصوت للناس بعدم الخروج من منازلهم والتزام الصمت والهدوء، وأن الجيش الإسرائيلي فرض سيطرته على المخيم من كافة جوانبه".

التجمع في البركة
وتابع، "بعد عدة ساعات طالبت قوات الاحتلال عبر مكبرات الصوت الناس بالخروج من منازلهم، والتجمع في ساحة "بركة أبو راشد"، التي تتوسط المخيم، مطالبة الأهالي برفع رايات بيضاء والسير في طوابير باتجاه البركة".

ولفت أبو مهادي إلى أن بركة أبو راشد هي عبارة عن مستنقع كبير نسبياً لتجمع مياه الصرف الصحي يقع في أسفل تلال رملية تحيط بها من كل جانب، تنبعث منها رائحة كريهة، ومكان خصب لتوالد الضفادع وتكاثر البعوض.

وأضاف، أحضرت والدتي غطاء رأسها الأبيض وأعطته لوالدي الذي رفعه على غصن قطعه من شجرة ليمون كانت تتوسط منزلنا الكائن في منطقة "الترنس" شرق المخيم.

وتابع" أمسك والدي بأيدي أشقائي وشقيقاتي الأصغر مني سناً، وحملت والدتي شقيقتي على ذراعها اليمنى بعد أن حملت الراية في يدها اليسرى، وسرنا في خط مستقيم باتجاه بركة أبو راشد حتى لا يحيد أحد منا عن الطابور العائلي، خوفاً من الضياع في عتمة الليل وزحمة الناس.

وأضاف: عقب التجمع في ساحة البركة بقينا على هذا الحال إلى أن اشتدت حرارة الشمس، الأمر الذي لم يتحمله الكثير من المرضى وكبار السن وحتى النساء وبعض الرجال الذين اغشي عليهم.

وأشار إلى أن الشباب كانوا يحملون كل من يُصاب بضربة شمس بعد أن ترفع النساء الرايات البيضاء ملوحات بها في وجه الجنود المعتلين الدبابات المحيطة بالبركة من كل الاتجاهات، موضحاً أنه قبل أن تصدر لهم الأوامر بحمل المريض لمكان يستظل فيه، كانوا يسارعون إلى حمله والخروج به من البركة، والولوج في أزقة وشوارع المخيم.

وتابع أبو مهادي، حين رأى الشباب أن أحداً من الجنود لم يكلمهم أو يصدر لهم الأوامر بالجلوس في أماكنهم، أصبحوا يسارعون إلى حمل المرضى وغير المرضى بين أيديهم للخروج من البركة باتجاه منازلهم بالمخيم، قائلاً: "ورويداً رويداً دبت الفوضى في المكان، فبدأت النسوة يتسللن بحجة إحضار الماء، والشباب بحجة إحضار الطعام، ولكن أحداً لم يعُد، إلى أن فرغت البركة من الناس جميعاً".

وقال: "في ساعات المساء لم يجرؤ أحد على إضاءة منزله، وبدؤوا يسترقون السمع لهدير الدبابات وحركة الآليات العسكرية او لأمر عسكري جديد من الاحتلال.

وأضاف، بعد فترة، بثت قوات الاحتلال أمراً عسكرياً يُبلغ فيه الناس بفرض منع التجول من الساعة الخامسة مساء وحتى الساعة السابعة فجراً.. ومن يخالف الأوامر يُعرض نفسه لإطلاق النار".

 

المصدر: كتب فايز أبوعون: -