لماذا فتح المسيحيون أبواب القدس أمام جيوش المسلمين؟

بقلم: محمود حداد

في تفسير جديد للعلاقة الوديّة التي قامت بين قادة الفتح الإسلامي لبلاد الشام ومسيحيي بلاد الشام في بدايات القرن السابع، صدر هذه السنة كتاب جديد عن دار جامعة هارفرد الأميركية بعنوان "بوتقة الإسلام" بقلم أستاذ التاريخين اليوناني والإسلامي البروفسور غلن بورستوك: (Harvard U.Press) Glen .W. Bowerstock" "The Crucible of Islam.

الكتاب أكاديميّ جداً و لو أنَّ عدد صفحاته لا يتجاوز 220 صفحة. ونقلاً عن بيتر براون الذي قام بمراجعة الكتاب، فإن بورستوك يبدأ بوصف تاريخ شبه الجزيرة العربية في القرن السادس، أي القرن السابق للفتوحات الإسلامية، وقد بيّن أن تلك المنطقة لم تكن مجرد صحراء قاحلة لا يحدث فيها شيء، بل كانت مساحة جغرافية ودينية تعج بالصراعات التي اتخذت أشكالاً دينية حيث اصطدم المسيحيون باليهود. ولم تكن الحرب بين الأديان شيئاً جديداً جاء مع ظهور الإسلام في المنطقة، بل كان معلماً ثابتاً في الجزيرة العربية في القرن السادس حيث كانت المنافسة قائمة بين المسيحيين الشرقيين المتحالفين مع القسطنطينية (الروم) واليهود المتحالفين مع بلاد فارس التي كانت تدين بالزرادشتية.

ينقل براون عن بورستوك، كانت أفكار سكان بلاد الشام مملوءة بذكريات الخوف من غزوات الفرس التي حصلت قبل وأثناء عشرينات القرن السابع. كان الفرس لا المسلمون العرب هم العدّو التقليدي المخيف. وبما أنهم كانوا زرادشتيين ديناً، فإنهم كانوا يُعتبرون وثنيين، الأمر الذي جعل انتصاراتهم تُشعر المسيحيين بالإحباط بصورة خاصة. ففي 614 م. احتل الفرس القدس واستولوا على الصليب المقدس من كنيسة القيامة وأخذوه معهم إلى بلاد فارس. [تبدأ سورة الروم في القرآن الكريم كالتالي: غُلبت الروم/ قي أدنى الأرض وهم من بعد سيغلبون/ في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون/ بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم/]

أضف إلى ذلك أنه يبدو أنّ الفرس أقاموا علاقات صداقة مع يهود القدس المحليين. ولم يكن هذا الأمر غريباً، إذ إنّ مثل ذلك كان قد حدث مراراً في شبه الجزيرة العربية، فقد كان الزرادشتيون يقيمون علاقات طيبة مع الأقـليات غير المسيحيـة في المنطقة.

سقوط القدس في 614 م، بيد الفرس أحدث صدمة هائلة مزقت أسطورة عدم قدرة أحد على احتلال الأماكن المسيحية المقدسة وادعاء المسيحيين بأن لهم وحدهم الحق في سكن مدينة القدس. وعندما قام الإمبرطور البيزنطي، هرقل، باستعادة الصليب المقدس وإعادته إلى كنيسة القيامة عام 629 بعد معركة انتصر فيها البيزنطيون على الفرس، كان الوقت قد حان للانتقام، فقام هرقل بمنع اليهود من السكن داخل المدينة وأجبرهم على الابتعاد عنها لمسافة لا تقل عن ثلاثة أميال من جميع الجهات.

هذا كان الجو العام عشية الفتوحات الإسلامية في 633 م. وعندما وصلت الجيوش الإسلامية إلى بلاد الشام، توجس كبار المسيحيين وتذكروا التجربة التي مرت بها القدس مع الفرس ولم يكن لديهم فكرة لما ينتظرهم من العرب المسلمين. لذلك، كانوا مستعدين لعقد صفقة مع القادمين الجدد الذين يشاركونهم الرغبة في الحفاظ على ازدهار المنطقة وتأمين مكانتهم فيها. وكان أن عرضوا تسليم المدينة من دون قتال مقابل ألا يكون هناك تكرار لما فعله الفرس عام 614 بحيث يبقى وضع المسيحيين من دون تغيير.

وبالفعل وعندما أُعطوا وعداً بذلك، رحب البطريرك سوفرونيوس بالمسلمين في 638 وخرج من المدينة للقاء الخليفة عمر بن الخطاب في واحد من أهم أحداث التاريخ الإسلامي المبكر وأكثرها دلالة. وهكذا دخل الخليفة المسلم الثاني القدس من دون قتال ونال سوفرونيوس ما طلب: أصدر الخليفة أمراً بعدم السماح لليهود بالإقامة في القدس. لم يخسر المسيحيون مكانتهم المتفوقة على اليهود، بل تأكدت هذه المكانة واستمرت. وكان ذلك التطور الذي أزال خوف المسيحيين من الفرس واليهود قد جعلهم أقل تحفظاً وتخوفاً من الإسلام على الأقل طوال الفترة الراشدية. وقد تكرر هذا الأمر في باقي انحاء بلاد الشام ولو بدرجة أقل، لأن معارك حدثت مثلاً قبل استيلاء المسلمين على دمشق وغيرها، إلا أن الروح العامة للاتفاق بين الفاتحين والسكان المحليين كانت هي نفسها التي أرسيت في "العهدة العمرية" التي عُرف بها اتفاق الخليفة عمر بن الخطاب مع مسيحيي القدس.

محمود حدّاد