يُعد قرار التقسيم رقم (181) أكبر قرار ظالم وجائر بحق الشعب العربي الفلسطيني، وقد تم التمهيد له عندما شَكَّلت هيئة الأُمم المتحدة لجنة دَوليّة سُمَّيت بلجنة يونسكوب (unscop)، وقامت بإرسالها إلى فلسطين بتاريخ 17/ 6/ 1947 م، بعد أن طافت في أوروبا وأماكن أخرى في العالم.
لقد تم تشكيل هذه اللجنة بطلب من الحكومة البريطانية؛ لأنها عجزت عن إيجاد حلّ يُرضي طرفي الصراع الفلسطيني– الصهيوني. وقد تكونت الَّلجنة من أحد عشر عضواً: أستراليا– كندا– تشيكوسلوفاكيا– غواتيمالا– الهند– هولندا– إيران– البيرو– الأوروغواي– يوغسلافيا-. وعُيّن ممثل السويد القاضي إميل ساندستروم رئيساً لها.
على الرغم من إرسال الأُمم المتحدة لجنة يونسكوب إلى فلسطين، والتي ضمّت مجموعة من دول العالم، لكنّ ما يلفت النظر هو الغياب العربي في تشكيل اللّجنة، ربما كان غياب العرب؛ كون فلسطين جزءًا من العالم العربي. ولو اطّلعنا مرة أخرى إلى تشكيل هذه الدول لرأينا أيضاً غياب إفريقي، الأمر الذي يثير الشكوك حول مصداقية تقرير هذه اللجنة.
على أية حال، عادت اللّجنة بعد إنتهاء مهمتها في فلسطين إلى مقرها، حيث كانت تحمل في جعبتها تقرير يحتوي 12 توصية. وقد اشتمل تقرير لجنة يونسكوب على عدد من القضايا التي تناولت: استقلال فلسطين مع اشتراط فترة انتقالية قبل الاستقلال التام، وإنهاء الانتداب البريطاني، وارتباط فلسطين بمرجعية الأُمم المتحدة، والمحافظة على الأماكن المقدّسة، وتوصيات أُخرى تتعلق بالحرّيات والأقلّيات وحقوق الإنسان، وردع العنف، والحفاظ على استقرار الأوضاع الأمنية في البلاد. وتناولت إحدى التوصيات معالجة مسألة يهود أوروبا، ونصت التوصية الثانية عشر على: أنَّه لا يوجد إرتباط بين حل القضية الفلسطينية وقضية اليهود بشكل عام. وفي هذا السّياق طرح أعضاء لجنة يونسكوب مشروعين بخصوص مستقبل القضية الفلسطينية، وهما: مشروع الأقلية، ومشروع الأكثرية، وقد نصّا على ما يلي:
1- مشروع الأقلية: وطالب ممثلو هذا المشروع، وهُم دول (الهند، ويوغوسلافيا، وإيران)، بإقامة دولة إتحادية فيدرالية، بحيث تكون ثنائية القوّمية.
2- مشروع الأكثرية: وطالب ممثلو هذا المشروع، وهُم دول (كندا، وتشيكوسلوفاكيا، وغواتيمالا، وهولندا، وبيرو، والسويد، وأوروغواي)، بتقسيم فلسطين إلى دولة يهودية ودولة عربية، على أنّ تكون منطقة القدس تحت الوصّاية الدّولية.
بعد طرح اللّجنة للمشروعين على طاولة الأُمم المتحدة، مارست الولايات المتحدة الأمريكية الضّغط بكل ثِقلها على دّول عديدة لتبنّي مشروع الأكثرية، فمثلاً: كان الضغط واضحاً على كل من هاييتي وليبيريا والفلبين وسيام، إذ هددت الولايات المتحدة هذه الدول بضرورة التصويت إلى جانب التقسيم وإلا فإن أمريكا لن تقدم المساعدات الاقتصادية لها، ولن تشتري المطاط من ليبيريا. وتحدث أيضا (جيمس فورستل)، وزير الدفاع الأمريكي حينذاك عن الضّغط الأمريكي على الدّول الأعضاء في الأُمم المتحدة، وقال: إن الوسائل التي استخدمت ... إكراه الدول الأخرى في الجمعية العامة وإرغامها كادت تكون فضيحة.
وفي النهاية، تبنّت معظم الدّول الاستعمارية مشروع الأكثرية بما في ذلك الحركة الصهيونية، حيث جرى التصوّيت عليه، وأَصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة في تاريخ 29/11/1947 قرارها الشّهير رقم (181)، بتأييد 33 دولة للتقسيم، ورفض 13 دولة للتقسيم، وامتناع 10 دول عن التصويت. ومن هنا فقد نصَّ قرار (181) على تقسيم فلسطين إلى ثلاثة كيانات وهي كما يلي:
1- دولة عربية تمثل ما نسبته (43%) من مساحة أرض فلسطين.
2- دولة يهودية وتمثل ما نسبته (56%) من مساحة أرض فلسطين.
3- أنّ تبقى مدينتي القدس وبيت لحم، تحت الوصاية الدّولية؛ لمكانتهما الدينية، حيث كانتا تمثلان حوالي (0,56 %)، من مساحة أرض فلسطين.
لقد كان اليهود في ذلك الوقت "يملكون أقل من (6%) من إجمالي مساحة الأراضي في فلسطين، والذين لم يكونوا يشكلون أكثر من ثلث السكان، أُعطوا أكثر من نصف البلد.
وضمن حدود الدولة التي اقترحتها الأمم المتحدة لهم، كانوا يملكون فقط 11% من الأراضي.
يمكن القول بأنّ إنشاء دولة يهودية وفق قرار التقسيم، كان يحمل في ثناياه أحد الخيارين التاليين:
1- طرد الغالبية العظمى إنْ لم يكن جميع الفلسطينيين من المنطقة المخصَّصة للدّولة اليهودية؛ لأن بقاء الفلسطينيين فيها يعني أنّ هذه الدّولة ليست دولة يهودية، وإنما دولة ثنائية القومية.
2- تشكيل دولة أبارتهايد يهودية (فصل عنصري)، تَحرم الفلسطينيين من حقوقهم القومية، بالرغم من أنّ نصف سكانها أو أكثر من العرب الفلسطينيين.
وقد فضَّلت الحركة الصهيونية طرد الفلسطينيين على الخيار الثاني كما حدث في أعقاب هذا القرار الظالم والجائر بحق الشعب العربي الفلسطيني.
بقلم: أ . محمود حماده صافي- كاتب وباحث سياسي
