نستطيع الرد على غطرسة القوة

بقلم: أحمد قريع (أبو علاء)

بعقل بارد وبرؤية خالصة من الانفعالات العاطفية، يمكن القول بلا تردد؛ ان الرئيس الاميركي دونالد ترامب قد قرر، وهو يعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل وينقل سفارة بلاده الى المدينة المقدسة، في مشهد استعراضي لا تخطؤه العين، نقول قد قرر بدء معركته الانتخابية مبكراً، لتجديد ولايته الرئاسية لأربع سنوات اضافية، قبل ان ينهي العام الاول من دخوله الى البيت الابيض، متوسلاً في ذلك احد اهم العوامل المساعدة على الفوز بشق الأنفس في المنافسة حامية الوطيس بعد ثلاث سنوات، ونعني بها استمالة دوائر اللوبي الصهيوني وأصوات الناخبين الاميركيين اليهود، الذين كثيراً ما كانوا يشكلون بيضة القبان المرجحة في معظم الانتخابات الرئاسية السابقة.

ومع ان هناك الكثير من الدوافع والاعتبارات الاخرى، الدافعة الى اتخاذ مثل هذا القرار المفتقر الى الحكمة والمنطق، بما في ذلك الصعوبات والاتهامات المتعلقة بمخلفات المعركة الرئاسية، غير ان الاعتبار الانتخابي المهيمن في العادة على مقاليد الحياة السياسية في الدولة العظمى، يعد الدافع الاول لهذا القرار الذي لا يخدم المصالح الاميركية في المنطقة من قريب او بعيد، ولا يتفق مع كون الولايات المتحدة الوسيط الحصري لعملية سلام تتنفس اصطناعياً في غرفة العناية المركزة، جراء تخلي واشنطن عن مسؤولياتها، وتبنيها لوجهة النظر الاسرائيلية، الامر الذي يحملنا على الاعتقاد ان دونالد ترامب لا يفرق كثيراً بين مصالحه الشخصية ومصالح بلاده التي لا حصر لها في منطقة معقدة وشديدة الحساسية.

لسنا اليوم في معرض تحليل الدوافع التي وقفت وراء هذا القرار الاميركي المتهور، ولا نحن بصدد التكهن باعتبارات الرئيس الذي يعاني مع مستشاريه من الاتهامات بصلات حملته الانتخابية مع القيادة الروسية، وانما نحن اليوم، كفلسطينيين وعرب ومسلمين، امام استحقاقات منعطف جديد وخطير في مجرى القضية المركزية، منعطف من المقدر له ان يبدل الكثير من المعطيات المحيطة، وان يطرح علينا تحديا مصيريا لا سابق له بين جملة التحديات التي تخاطب هذه الامة الكبيرة، وهو ما يدعونا دون ابطاء، الى الكف عما درجنا عليه في السابق من سياسات مرتجلة وتكتيكات قصيرة النفس، ويطالبنا بضرورة تحمل كامل ما يترتب علينا من مسؤوليات تاريخية جسيمة، والقيام على الفور بمراجعات شاملة وحثيثة، وتغيير ادائنا السياسي والنضالي بصورة عميقة، بما في ذلك اعتماد استراتيجيات بديلة، الشروع ببرنامج عمل وطني ذي كفاءة عالية وفعالية حقيقية.

بكلام آخر، نحن مطالبون اليوم قبل الغد بإنهاء كل المناكفات والمراوغات المتصلة بعملية انهاء الانقسام واستعادة الوحدة الوطنية، لا سيما وانه لم تعد هناك خلافات سياسية يعتد بها، ولا توجد في واقع الحال سلطة حقيقية نتصارع على الظفر بها، ونحن مطالبون ايضاً، قبل ان ندعو الآخرين الى مد يد الدعم والمساعدة، برد الاعتبار الى العامل الذاتي الفلسطيني، وتعزيزه اكثر فأكثر في المواجهة اليومية مع الاحتلال، من خلال التوافق على برنامج نضالي بين كافة الفاعلين في المشهد الوطني والاسلامي، قوامه رفع قدرات شعبنا في الصمود والمقاومة الشعبية بكل اشكالها المتاحة، ومواصلة نضالنا على كل صعيد ممكن، بما في ذلك الاستمرار في التحركات الدبلوماسية المثمرة حقاً على الساحة الدولية، خصوصاً في الامم المتحدة ووكالاتها المتخصصة.

وأحسب انه قد حان وقت التوجه الى الهيئة العمومية في المنظمة الدولية، من اجل العمل على رفع عضوية دولة فلسطين من درجة مراقب الى مقعد العضوية الكاملة، ومطالبة الدول التي تحفظت على، او عارضت القرار الاميركي الاخير، بتفعيل مواقفها هذه بصورة ملموسة، واعني به الاعتراف بالدولة الفلسطينية. كذلك لم يعد هناك مبرر لمراعاة الجانب الاميركي، وتأجيل الذهاب الى محكمة الجنايات الدولية في لاهاي، لجر المسؤولين الاسرائيليين الى قفص العدالة، ومساءلتهم عما اقترفوه من جرائم مروعة على مدى السنوات الطويلة الماضية، بما في ذلك جرائم الاستيطان والاعدامات بدم بارد، وملاحقتهم على جرائم الحرب الوحشية المتكررة على قطاع غزة، خاصة وانه لم يعد امامنا سوى العصي بعد ان التهم ترامب الجزرات القليلة دفعة واحدة.

وبما أن كل أزمة تنطوي بالضرورة الموضوعية على فرصة، فأن التحدي المفعم بروح القوة الغاشمة والغطرسة الفاجرة، الذي القاه دونالد ترامب في وجوهنا جميعاً، ينبغي الرد عليه بحزم لا تنقصه الحكمة والرؤية المتبصرة، من خلال خطوات رسمية وشعبية متدرجة، نقدر عليها حتماً، لعل في مقدمتها تفعيل المؤسسات التشريعية المهملة، واعادة تجديد مفاصل الحياة السياسية ومدها بالدماء الشابة، وضم سائر قوى العمل الوطني والاسلامي الى منظمة التحرير الفلسطينية بصورة عاجلة، وحسناً ان نبدأ بدعوة المجلس المركزي الى الانعقاد العاجل، للتشاور في الامر واتخاذ ما يلزم من قرارات تكون ابعد من اصدار البيانات الاستنكارية، على ان يلي ذلك اتخاذ خطوات اخرى على طريق تفعيل الاطر القيادية والهيئات التنظيمية والهياكل والمنظمات الشعبية، والحفاظ على قوة زخم التحركات الميدانية الغاضبة ضد قرارات ترامب الاستفزازية، والانخراط بصورة اعمق من جانب القيادات العليا في المظاهرات والاعتصامات والمسيرات الجماهيرية.

ومهما كانت الصورة الحالية بائسة ومكفهرة، فإن قرارات دونالد ترامب المرفوضة على أوسع نطاق دولي، لا تنشئ حقاً قائماً على منطق القوة عوضاً عن قوة المنطق، ولا تغير من الوضع القانوني المسنود بقوة احتلال غاشمة، ولا تبدل الهوية الحضارية العربية الاسلامية المسيحية للقدس الخالدة، ولعل ردود افعال الدول العربية والاسلامية المنددة بهذا القرار الجائر، ناهيك عن مواقف عدد كبير من الدول الصديقة في القارات الخمس، الرافضة للقرار الاميركي أحادي الجانب، نقول لعل ذلك كله يقدم فرصة فريدة للبناء عليها في القريب العاجل، عبر خيار إشراك العرب والمسلمين معنا في هذه المواجهة المفتوحة، على قاعدة ان التحدي يشمل الجميع دون استثناء، وان القدس مدينة لا تخص الفلسطينيين وحدهم، وان حفظ الامن والاستقرار في المنطقة يتطلب الاتحاد في مواجهة القرارات الاعتباطية المزعزعة في منطقة مضطربة أساساً، وهذه طريق ليست ممنوعة علينا ولا هي مغلقة في وجوهنا، ان لم نقل انها باتت مفتوحة في هذه اللحظة المواتية.

وليس لدي شك في ان قرارات ترامب المتهورة، وعبثه الشديد بالقانون الدولي وشرعة الامم المتحدة، قد عزلت الولايات المتحدة على خشبة المسرح الدولي، على نحو لم تكن عليه في اي وقت مضى بهذه الدرجة من العزلة، واسقطت دور واشنطن كراعٍ وحيد للسلام في المنطقة، وفتحت الباب اوسع من ذي قبل لتخليص القضية من بين براثن الدولة المنحازة لإسرائيل على رؤوس الأشهاد، ورد قضية العرب الاولى الى مكانها الطبيعي في الامم المتحدة. فليس من المعقول بعد اليوم ان تظل الادارة الاميركية المتخبطة في سياساتها الشرق اوسطية، لا سيما ادارة ترامب المتغطرسة، طرفاً مقبولاً في أي وساطة سلام ، طالما انها مضت في غيها الى هذا الحد الذي لم تعرفه اي من الادارات السابقة، وانجرفت وراء اشد سياسات اليمين الاسرائيلي تطرفاً وعنصرية. فهذه مناسبة يجب ألا تضيع من بين ايدينا، للبناء عليها بكثافة، والتعامل

معها كفرصة ثمينة لقلب الطاولة على الذين ارادوا بقراراتهم هذه تكرار فعلة بلفور المشؤومة، بعد مائة سنة، ونحن نستطيع ذلك بقدر معقول من الصبر والمثابرة، ولن نسمح بإحياء وعد بلفور مرة اخرى.

بقلم/ احمد قريع