كان العمل التطوعي في مجال الإسعاف، حُلمًا يراود الفتاة رزان النجار، التي لا تتخطى (21 عامًا) عمرها، رغم أنها لم تدرس الطب أو تُنهي الثانوية العامة، لتُكمل مسيرتها التعليمة لظروفها الصعبة؛ لتجد من مسيرات العودة فاتحة الطريق نحو تحقيق هذا الحُلم.
منذ انطلاق المسيرات في الثلاثين من آذار/مارس الماضي، نزلت "رزان" بمعطفها الأبيض، الذي يُدلل أنها تعمل في المجال الطبي، اشترته على نفقتها الخاصة، وباشرت كأول مُسعفة ميدانية متطوعة العمل بمفردها لإسعاف المصابين، بجانب فرق الإسعاف التابعة للهلال الأحمر ووزارة الصحة والخدمات الطبية.
رافق "رزان" عدد من المسعفين المتطوعين في بداية عملها ، وواصلوا معها العمل، وكان ذلك فاتحة الطريق لينضم العشرات من المُسعفين والمُسعفات المتطوعات، للعمل جنبًا إلى جنب كفريق واحد، لإسعاف مُصابي مسيرات العودة في مخيم العودة ببلدة خزاعة شرقي محافظة خان يونس، جنوبي قطاع غزة.
شجاعة وجراءة
شد الانتباه كثيرًا أن "رزان" الفتاة الوحيدة التي تعمل مُسعفةً في الميدان؛ وأكثر ما كان يُثير الانتباه كذلك تدافعها بجسدها النحيف صفوف المتظاهرين لتتقدمهم، وتسارع من مكانٍ لأخر لنقل أي مصاب، خاصة الذين يصابوا على بعد أمتار من السياج الحدودي، وأحيانًا الملاصقين له تمامًا، رافعة يديها للأعلى، وسط إطلاق النار وقنابل الغاز بكثافة.
كالحمامة البيضاء حلّقت بردائها الأبيض داخل وفي محيط مخيم العودة بخزاعة، على مدار الشهرين الماضيين، فلا يكاد يمر يوم دون أن تحرص على التواجد، والوصول قبل المتظاهرين والمغادرة بعد أن ينصرفوا جميعًا من المخيم، كي تضمن أنه لا يوجد من يحتاج لمساعدتها.
ساعد "رزان" على الحضور مُبكرًا للمخيم، منزلها الذي لا يبعد سوى عشرات الأمتار عن مخيم العودة؛ كما أن خفتها في العمل وحركتها من مكانٍ لأخر بسرعة، والمغامرة بروحها في كثير من المرات، لإنقاذ مصابين ومحاصرين قرب السياج الحدودي، جعلها الأكثر معرفةً بين الناس والمتظاهرين، ودفع وسائل الإعلام لتسليط الضوء عليها.
وتعرضت لأكثر من عشرين مرة للإصابة، ما بين اختناق بالغاز، وشظايا طلقات نارية ورضوض وكسور وجروح سطحية، وما إن تستفيق من الغاز تعود للميدان مُجددًا بعد فترة قصيرة، وأحيانًا تعود وفي ويديها مُعلقة على رقبتها ولم يندمل الجُرح ويُجبر الكسر.
الشاهد على الجريمة
في كل مرة تعود "رزان" لمنزل أسرتها في نهاية اليوم وملابسها البيضاء "المعطف والستره"، مُدرجة بدماء الشهداء والمُصابين؛ ما يزيد خشية والديها عليها، من المشاهدة القاسية التي تراها وتتعامل معها، ومن رصاص الاحتلال، الذي يطلق عليها ومن معها من المسعفين مباشرةً.
لكن هذه المرة، قرر الاحتلال أن يدعها تعود لمنزلها، بعد أن اتخذ قرارًا بإعدامها، عبر رصاصة حاقدة، اخترقت ظهرها وخرجت من صدرها، لتؤدي لاستشهادها على الفور، أثناء قيامها يوم الجمعة الماضي وعدد من المُسعفين بمساعدة عدد من المصابين العالقين قرب السياج الحدودي والعمل على نقلهم لمكان أمن.
تلك الرصاصة المُتفجرة التي اخترقت جسد "رزان" وأصابت زملائها من حولها، قضت على حُلمٍ لطالما راودها، وخاطرت بحياتها لأجله، وهي أن تُصبح مُسعفةً، لكنها حققت جُزءًا منه في الميدان قبل رحيلها، خلال عملها التطوعي؛ كما تقول والدتها المكلومة لمراسل "وكالة قدس نت للأنباء".
زُفت قبل زفاقها!
الأم المكلومة، كانت تحلم كأي أم بأن تأتي ابنتها ببدلة الزفاف البيضاء، لكن وأد الاحتلال هذا الحُلم، برصاصة الموت، عادت بـ "رزان" مُحملة على الأكتاف بكفن الموت الأبيض؛ ليكُن يوم وداعها الأخر من الدنيا، ولتبقي سترتها التي غرقت بالدماء الشاهد على الجريمة، والذكرى الوحيدة لوالدتها.
مشهد مَهيب في وداع الشهيدة المُسعفة، فلا تكاد والدتها تحظى بفرصة أخيرة كافية للقائها، من شدة زُحام المودعين لها، لتكفي بنثر الورود التي تُحبها وكانت تُهديها لها على كفنها، لتُحلق مُسرعةً على الأكتاف وسط تدافع الآلاف من حولها، يرغبون في تشييعها، البعض منهم ممن شاركت في علاجهم وعرفوها عن قُرب.
وتقول والدة "رزان" بُحرقة لمراسل "وكالة قدس نت للأنباء": "منذ الثلاثين من آذار (يوم الأرض) ذهبت للمرة الأولى وهي سعيدة مُفعمة بالحيوية، لمخيم العودة بخزاعة، وحافظت على المشاركة فيما بعد، وتخرج من الساعة السابعة صباحًا تقريبًا وتعود ليلاً بعد التاسعة".
خشية ومصير
وتضيف الوالدة "كنت أخشى عليها كثيرًا من أن تُصاب، خاصة بعد أن أرى ملابسها تغرق بدماء الشهداء والجرحى، والمواقف الصعبة التي أسمعها منها، وأبرزها عندما تخبرني أنها تعرضت لإطلاق نار مباشر وهي تتقدم ترفع يدها وتتحدث مع جنود الاحتلال وهي تتقدم نحو السياج ، لنقل الشهداء والجرحى".
وتتابع "كُنت أوصيها باستمرار الحفاظ على نفسها من رصاص الاحتلال، وهي ترد (أنا أعمل عمل إنساني سلمي، للناس التي تحتاجني لعلاجها، وأوصل رسالتي ورسالة شعبي للعالم، ولا تخافي علي، ربنا يحفظنا، فعملي من غير مقابل، وأعمل دون انتماء لأحد سوى لوطني فلسطين)".
ولم تُخفي الأم حجم الخشية على "ملاك الرحمة" عندما كانت تعود بملابسها الغارقة بالدماء، لترد عليها ابنتها (هذا أطهر دم)؛ كما أنها لا تترد عندما تسمع بأي مصاب أو شخص محاصر من جنود الاحتلال وآلياته قرب الحدود، ولم تخف أو تمل، بل كان حُلمها هذا العمل، لحين استهدفت بغرض القتل عمدًا؛ كما تروي والدتها.
وتساءلت والدة "رزان" عن سبب استهداف ابنتها، فهي لم تكن تحمل السلاح أو حتى حجر، سوى "الشاش الأبيض وبعض المعدات الطبية، التي تسعف المصابين به"؛ فهذا هو سلاحها؛ وتتقدم بها وسط الموت لتأدية عملها الإنساني؛ فيما لم تُخفي أنها كانت تتوقع أن تُستشهد في أي لحظة، لما تمر به من مواقف خطرة، أخرها قبل أسبوعين عندما تم محاصرتها مع عدد من المتظاهرين قرب السياج وإطلاق النار مباشرةً عليها.
أما والدها أشرف النجار، الذي بدت عليه علامات الحزن، فيقول لمراسل "وكالة قدس نت للأنباء"، إنّ ابنته تطوعت بإرادتها لإسعاف المصابين في مسيرات العودة، وبقيت مصرة على تأدية واجبها الإنساني تجاه شعبها، واختارت بمحض إرادتها هذا الطريق، حتى جرى قتلها بعيار ناري في ظهرها"؛ مشيرًا إلى أنها كانت ترفض الجلوس في المنزل وترد : "وعدت نفسي أن أعمل لأخر لحظة، وأؤدي الواجب والأمانة".
ويؤكد رفاقها المصابين في حادثة استشهادها، أنها قتلت برصاصة اخترقت ظهرها مباشرةً، وهي تقوم بإسعاف أحد الجرحى، العالقين قرب السياج الشائك، الذي يبعد عن السياج الإلكتروني عدة أمتار، وكانت ترفع يدها للأعلى وهي تتجه للمصاب، ويراها الجنود المتواجدين فوق السواتر الترابية وبجوار الجيبات العسكرية.
