ورحل إميل شقرون ... اليهودي الذي شكل أيقونة الهوية الجزائرية

بقلم: عبد الله بن عمارة

رحل عنّا هذا الأسبوع واحد من أبرز المناضلين اليساريين الذين اختاروا الانضمام للثورة الجزائرية 1954-1962 عن قناعة، رافضين كل الامتيازات التي منحها لهم وضعهم الاجتماعي والثقافي المريح ضمن النظام الكولنيالي الفرنسي.

إنه إميل شقرون المولود سنة 1930 في مدينة وهران غرب الجزائر لأبٍ يهودي جزائري وأمّ فرنسية، والتي تمتاز عن باقي المدن الجزائرية كونها ضمّت غالبية سكانية من ذوي الأصول الأوروبية (فرنسيين، إسبان، مالطيين..الخ) الذين استوطنوا المدينة، وضواحيها الخصبة، ضمن مشروعٍ استيطاني كبير نفّذه الاستعمار منذ سقوط الجزائر سنة 1830 (صاحبته جرائم إبادة وحشية)، بعد سحق كل المقاومات الشعبية التي تصدّت له طيلة القرن الــ 19م.

فرنسيون ... رغماً عنهم
ائلة شقرون تمتّعت بكامل الحقوق التي منحتها إياها المُوَاطَنَة الفرنسية كباقي يهود الجزائر، الذين خَصَّتْهُم الإدارة الاستعمارية بالجنسية الفرنسية وفق "مرسوم كْرِيمْيُو" الشّهير لسنة 1870، ففصلتهم، فعلياً، عن باقي مجتمعهم، وأدخلتهم في منظومة ثقافيةٍ فرنسيةٍ غريبة عنهم، ليندمجوا بعدها ضمن موجات الاستيطان الأوروبي التي عرفتها البلاد مستفيدين من كل الامتيازات الاقتصادية والثقافية والاجتماعية على حساب باقي الجزائريين الذين بعد أن أبادت جيوش الاستعمار الوحشية الكثير منهم هُجِّروا من قراهم، وسُلبت منهم أراضيهم، ودُفعوا للهجرة أو للعمل في أوْضَعِ المِهن.

سيّدتي ..أنا عربي!
هاجرت عائلة الراحل باتجاه فرنسا وهو ذو الثماني سنوات في أجواء تصاعد المدّ اليميني النازي المُعادي لليهود، الذي وصل تأثيره إلى المستوطنين الأوروبيين في الجزائر.

يرجع شقرون سنة 1946 وانضم إلى الحزب الشيوعي الجزائري وعرف النضال النقابي والسياسي وتحمل خياراته، اعتقالاً وتهميشاً.

فقد تعرّض للاعتقال بتهمة توزيع مناشير مُعادية للجرائم الإمبريالية في فييتنام وباقي المستعمرات الفرنسية، وبدأت ميوله السياسية تزداد جذرية في مُعاداة الامبريالية والاستعمار.

قبل سنوات حكى الراحل حادثة وقعت له من وحي تلك الأجواء وبالضبط في سنة 1947 في حافلة نقل عمومي في وهران. فقد وقفت إمرأة أوروبية تصرخ مُخاطبة الركاب: "هل رأيتم، أصبحنا نراهم الآن حتى في حافلاتنا" وعندما سألها عن المقصودين من حديثها قالت :"العرب" فردّ عليها، بإجابة عميقة ومعبّرة:"سيّدتي، أنا عربي، أنا عربي".

لم تكن تلك الصرخة سوى تجسيداً لوضوح الرؤية بالنسبة إليه. لقد اختار خندقه وهويته الحقيقية. هي هناك، بين أولئك السُّمر الفقراء في الأحياء الهامشية والأرياف، وليس في الأحياء الأوروبية "الراقية". لذا ما إن قرّرت طليعة ثورية من الشباب الجزائري تغيير الأوضاع وإعلان الثورة، حتى انخرط في صفوفها وحمل السلاح، وهو الذي كان عضواً قبلها في تنظيمٍ ثوريٍّ مسلح تابع للحزب الشيوعي الجزائري "مقاتلو التحرير" (أصبح هذا التنظيم ضمن جيش التحرير الوطني في سنة 1956).

اعتقل شقرون بُعيد ذلك بتهمة الإرهاب وحيازة وتوزيع أسلحة وتعرّض للتعذيب. لم يُطلق سراحه إلا بعد انتصار الثورة وإعلان الاستقلال سنة 1962. ومنذ ذلك الوقت والراحل يفتخر ويعتزّ بجنسيةٍ وهويةٍ جزائرية اِفْتَكَّها بقبضة يده لا بمرسومٍ ظالم.

عن المعنى الحقيقي للهُوية

عندما نتأمّل قصة إميل شقرون وقصص أخرى لأسماء وقامات من ذوي الأصول الأوروبية قدّمت أرواحها في سبيل ما رأت، أنه خندق الحق والعدل، مُتَخَلِّيّةً عن كل ما منحها الاستعمار من امتيازات تمييزية عنصرية، كهنري مايو وفرناند ايفتون وموريس أودان وغيرهم، مقابل اختيار الكثيرين من سكان البلد الأصليين خندق العمالة (فضلوا أن يرحلوا مع الاستعمار ومستوطنيه عند إعلان الاستقلال)، فإننا أمام تعريفٍ حقيقي وواقعي للهوية، يتجاوز الصفات الخاصة والمشتركة التي تميّز مجموعة من الأفراد والمجتمعات في الثقافة واللغة والعقيدة ...الخ.

فالأمر يتعلق أساساً بالموقف من الاستعمار والمقاومة، بهذا المعنى، الهوية الجزائرية الحقيقية رفضت أن تضمّ لها الحَرْكَى (العملاء) واحتضنت أوروبيين مسيحيين أو يهوداً، وقبلت بفرانز فانون المارتينيكي مُنَظِّراً لها.

رحل عنّا إيميل شقرون، ولم يبتعد يوماً عن هويته الحقيقية. عاش طيلة سنواته الثماني والثمانين مناصراً كما كان دوماً للقضايا العربية والعادلة في كل مكان.

 عبد الله بن عمارة
كاتب من الجزائر