من سيُسجن في سبيل العلَم؟

بقلم: جواد بولس

رغم الاحتجاجات العديدة عليه، لم يتردد بنيامين نتنياهو في الدفاع عن قانون القومية، وقام بعرض أهميته في خدمة الأيديولوجية اليمينية الجديدة، وتمكينها من تطبيق توجّهاتها على أرض الواقع، خاصةً في ما يتعلق بمكانة المواطنين العرب في إسرائيل، ومِن بعدهم بحقوق سائر المجموعات، وبضمنها اليهودية التي لا يتوافق فكرها مع مخططاتهم.
ففي تعقيبه الأول بعد مظاهرة الطائفة المعروفية وصرخة أبنائها العرب الدروز ضد القانون، أكد رئيس الحكومة على أن قانون القومية سوف "يحصّن قانون العودة ويرفعه إلى مكانة جديدة، لأنه قانون يمنح لليهود فقط المتواجدين في جميع أرجاء العالم، حق العودة إلى إسرائيل، والتجنس الفوري فيها؛ بينما سيمنع، بالمقابل، استغلال بند جمع شمل العائلات الذي أجاز بعد اتفاقيات أوسلو دخول آلاف الفلسطينيين وتوطنهم في إسرائيل".
وقد حاول البعض تهميش القانون الجديد، واعتباره خطوة إشهارية معدومة الأهمية والتأثير، في موقف يضعف احتمالات مقاومته المؤثرة من جهة واحدة، ويسهل على الحكومة الإسرائيلية "صرفه" في قوانين عنصرية إضافية وقرارات تنفيذية خطيرة، من جهة ثانية.
قد يكون "قانون العلَم" أول التطبيقات العملية المستفزّة التي سيواجهها الفلسطيني المواطن في إسرائيل، فمع إعلان وزير الأمن الداخلي عن نيته فتح سوق التسلح الشخصي لكل من خدم في الجيش، قدّمت زميلته في حزب الليكود، عنات بيركو، مشروع قانون يقضي بحبس كل من سيرفع علم دولة أو تنظيم معاديين، لمدة عام، ويشمل ذلك رفع العلم الفلسطيني في المظاهرات.
لن تقتصر مبادرات اليمين الاسرائيلي على حظر رفع العلم الفلسطيني؛ ولن يكون صعبًا أن نتوقع أين سينصب دعاة هذه السياسات القمعية فخاخهم المبتكرة، وكيف سيحاولون جرّنا وزجنا في خانات المواجهات المقبلة.
اعتمدت سياسات القياديين العرب في الماضي، وما زالت تعتمد أسلوب الدفاع وردّات الفعل على القرارات الإسرائيلية؛ واليوم، إذا ما تداركنا بأنفسنا خطورة الواقع ومأساة المستقبل، قد تجبرنا سياسات اليمين المعلنة على إعادة صياغة الأسئلة والتفتيش على بدائل لأجوبة نمطية أدمنّاها، أو تدفّعنا ثمن المراهنات غير المحسوبة. جميع هوّيات القوى السياسية الناشطة بين المواطنين العرب معروفة، بتميّز واختلاف عقائدها وبرامجها، فبعضهم لن يعيد حساباته ولن يبدّل من قناعاته، ولكن على الآخرين التحلي بالشجاعة والحكمة والمسؤولية والوعي باستباق تلك الضربات المتوقعة، والعمل على تفادي وقوعها أوّلًا، وثانيًا، استعداد لمواجهتها من دون مغامرات ومزايدات و"طبطبات".
لن أناقش في شرعيات الحجج التي تبني عليها القوى السياسية مواقفها وبرامجها السياسية فكلٌ مسؤولٌ عن "ضيعته"، ولكنني أطالب وأتوقع تغييرًا في بعض "الثغور" كي نكون مهيّئين لصدّ هجمات اليمين ودرء مخاطر مخططاته التي لم تعد مستورة أو مغلّفة.
من سيسجن إذن من أجل العلَم؟ لا يمكننا الإجابة على هذا السؤال بشكل قاطع وبحماس وبتخمينات مجازفة، قبل أن نتعاطى في البداية مع مقولة يروّجها الكثيرون بأن "ليس لدى العرب المواطنين في إسرائيل ما يخسرونه"! فهل هذا صحيح؟
للإجابة على هذه المسألة أهمّية كبرى في تحديد الإجابات على مسائل نضالية مهمة، لأنّ الأمم خبرت دور معايير المصالح الشخصية ومكانتها في تشكيل مشاعر الانتماءات القومية وبناء هوياتها الجمعية.
فهل تعيش الجماهير العربية لحظة غضب ثورية ستدفع أفرادها إلى مواجهات وتضحيات شخصية قد تكبدهم خسائر جسيمة؟ هل تعيش شرائح مجتمعنا في حالة غضب وطنية تدفعهم الى تفضيل مقاومة قانون العلم، أو غيره مهما كان الثمن الشخصي مقابل ذلك؟ اعتقد أن الإجابة على هذه التساؤلات ومثيلاتها واضحة.
ماذا لو فرض قانون جديد مثلًا على جميع المشافي وصناديق المرضى في البلاد، ضرورة التزام جميع الطواقم الطبية العاملة داخل المستشفيات، بإجراء جميع المحادثات بينها باللغة العبرية فقط، كما نشر مؤخرًا عن بعض المستشفيات؟ فهل سيعترض الأطباء والممرضون والتقنيون، وبعضهم يشغلون مواقع قيادية في أحزابهم السياسية وحركاتهم الإسلامية، ويتحدّون هذا القانون حتى لو أدّى تحدّيهم الى خسارة وظائفهم؟ وماذا سيفعل المعلمون والمعلمات لو فرض عليهم قانون جديد، توقيع وثيقة ولاء للدولة وقوانينها مقابل قبولهم موظفين في سلك التعليم؟ وماذا لو قررت الحكومة فرض صيغة خدمة وسطية تستعيض عن عملية التجنيد الإلزامي، ليست كالخدمة المدنية المتبعة حتى الآن، كشرط من شروط المواطنة المتساوية؟ وماذا وماذا؟
هكذا استفززت قريبتي وهي تتحفّظ بغضب على تساؤلاتي؛ فالقضية، حاولتُ أن استدرجها الى نقاش مغاير، ليس إذا كان رفع العلم الفلسطيني في تل أبيب وحيفا يعدّ حقًا للمواطن الفلسطيني في إسرائيل؛ فهذه بديهية وأكثر، ولكن ما الفائدة من وراء رفع العلم في مظاهرة جاء آلاف العرب إليها ليحتجّوا على قانون خطير، ومعهم بعض آلاف من اليهود لبّوا دعوة لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية، وهي الجهة المنظّمة وذلك بهدف إسقاط هذا القانون؟ فإذا استهدف المتظاهرون والدّاعون هذا القانون، واذا كانت مشاركة يهود معنا مرجوّة ومطلوبة، وإذا كان رفع العلم حاجزًا بوجه انضمام قوى يهودية أخرى، إذن فما فائدة رفع العلم في هذه المظاهرة تحديدًا؟ سوف يجيبني كثيرون بمنطق الشعور وباسم الحق المقدس، تمامًا كما أجابتني قريبتي؛ فحقّنا كفلسطينيين أن نرفع علم فلسطين لأنه علمنا، ولسنا بحاجة لتضامن يهودي يشترط حضوره بعدم رفع علم فلسطين.. لا أقلل من قيمة هذه المشاعر ولكن… هنا في هذه المساحة الملتهبة والملتبسة يكمن دور القائد والقيادة، التي يجب أن تؤمن بدورها كحامية وخادمة ومنقذة لأبناء شعبها وقيادته نحو شواطئ الأمن والسلامة، حتى لو كان ذلك بعكس ما تمليه مشاعرهم الصادقة وعطور مذابحهم المقدسة! القيادة الحقة لن تنضم الى معركة قد يموت فيها الجنود وهم "لا يعرفون من كان منتصرًا".
قيادة الحركة الصهيونية فهمت دومًا "منطق الشرق" ومشاعره وقدسية الحقّ في شعائره، وبنوا كثيرًا من خططهم، وما زالوا يبنون، وفقًا لهذه الفرضيات؛ ونحن إذا ما حطّمنا القوالب وكسرنا أصفاد الماضي ونفضنا الغبار عن سلاسلنا القديمة، سنصطدم في جحيم المواجهة التي يريدون أن تكون قريبة وحاسمة.
للعرب في إسرائيل ما يخسرونه، على ما يبدو، واليمين يعرف ذلك، فقد أوصلنا مفكروه الى هنا، ويقينهم أنّ الرهان على انتفاضة من أجل "قانون العلم" سابق لأوانه، فعلينا لذلك، أن نفتش عن درهم وقاية لأنه أسلم لنا من دراهم العرب ومن مراهم البيانات والشعارات.
وأخيرًا، لولا يقين إسرائيل من صمت الأخوة العرب ومن تواطؤ بعضهم علينا، لخشيَت قياداتها من أزوف ساعة الغضب، لكنّها تحاول انهاكنا بالعقل وبالحديد، بعد أن اصبحنا أكثر من سقاة ماء وأكبر من حطابين؛ فعلينا ان نستمر بحكمة الآباء ونمضي في رحلتنا الجبلية مدجّجين بالحق وبالإصرار، وبالكثير من العقل ومن التبصر ومن اليقين.

 جواد بولس

كاتب فلسطيني