كشـف المستور ...!

بقلم: محمد السودي

ماالذي ينتظره إولئك القائمون على المشروع الوطني الفلسطيني ؟  بعد أن انكشف المستورعلى الملأ للقاصي والداني وأضحت اللعبة المتنامية الأطراف تتناغم معها مستويات دولية وإقليمية ومحلية حول مسمّى "صفقة القرن " الذي وعد بها رئيس الإدارة الأمريكية المخادع دونالد ترمب وأظهرت حقيقة لا لبس فيها أن إعدادها صهيوني المنشأ تقوم أهم ركائزها على شطب الحقوق التاريخية والسياسية والجغرافية للشعب الفلسطيني المتمثلة بالإستقلال وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة عاصمتها القدس ، وحق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى أرضهم وديارهم التي شردّوا منها ، فضلاً عن تهوّر فريق ترمب المتصهيّن عديم الخبرة السياسية الجاهل بتاريخ المنطقة من خلال نقل السفارة الأمريكية إلى القدس والإعتراف بها كعاصمة لكيان الإحتلال ، ثم محاولات إلغاء دور تشغيل وكالة الغوث للاجئين الفلسطينيين "الأنروا" التي أنشأتها الجمعية العامة للأمم المتحدة وشاركت الإدارة الأمريكية نفسها بصياغة قرار ولادتها  ،  بعد قرارالتقسيم  الجائر الصادرعام 1947 رقم 181 والقرار اللاحق رقم 194 ذات الصلة باللاجئين ، إلى جانب إجراءات غير مسبوقة ضاغطة منها قطع المساعدات المالية والإنمائية التي تقدر بأكثر من ثلاث مائة مليون دولار سنوياً واغلاق مكتب منظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن وكذا وقف دعم بعض المستشفيات في مدينة القدس المحتلة ، مايؤكد تمرير هذه الصفقة تدريجياً دون الإعلان عنها بالرغم من رفض القيادة الفلسطينية لها جملة وتفصيلاً .

 

إذا كانت دعوة المجلس المركزي الفلسطيني المنوي انعقاده في الثامن والعشرين نهاية الشهر الجاري يندرج تحت سقف وضع أليات تنفيذ قرارات المجالس المركزية والمجلس الوطني الفلسطيني أزاء وقف التنسيق الأمني وتحديد العلاقة مع كيان الإحتلال ، واعادة النظر باتفاقية باريس الإقتصادية، ثم تعليق الإعتراف به مشروطاً ، وفق جداول زمنية محددة وإخضاع تنفيذها مجدداً للظروف الملائمة فإن هذا يعني سلفاً العودة إلى متاهة الضياع بين تشكيل الللجان والإحالات المتكررة غير المفهومة إذ لا يتناسب مع خطورة المرحلة الراهنة في ظل ظروف بالغة التعقيد في مقدمتها الوتائرالمتسارعة المحمومة لسلطات الإحتلال بإنهاء كل شيءٍ ممكن، إلا لمن خانته البصيرة ، بعد إقرارالكنيست لما يسمى "قانون القومية للشعب اليهودي "العنصري بامتياز، حيث أكدت شهادة دولة جنوب أفريقيا بأنه "أي القانون المشؤوم  سالف الذكر " أسوأ من نظام الأبارتهايد في بلادها أبان فترة حكم الأقلية البيضاء، ومع ذلك لم يحظى ذلك المنحى الخطير بالأهمية المطلوبة على المستوى الدولي ، أو الإقليمي ، او العربي والإسلامي عدا بعض المواقف الخجولة التي لاتغني ولاتسمن من جوع ، بل تؤكد المؤشرات أن الجبن الدولي وتساوق  بعض الأطراف معه أضحى حافزاً يشجّع خطوات ماتقدم عليه سلطات الإحتلال الثلاث التشريعية والقضائية والتنفيذية من التوحش بحق المقدسات والأرض والإنسان والممتلكات الفلسطينية  باعتبارها شأناً داخلياً ، كما واجه هول الصدمة وفد الداخل الفلسطيني أثناء زيارته لدول الإتحاد الأوروبي لحشد الرأي العام الدولي ضد قانون "القومية اليهودي" ، ثم تجلى ذلك بأبشع صوره ردائةً خلال تصريحات رئيسة وزراء المانيا أنجيلا ميركل ذات الشأن بيهودية الدولة ونفيها المطلق تصريحات صحافية نقلت عنها ربطت زيارتها من عدمها باقتحام قرية الخان الأحمر بوابة القدس الشرقية  المهدّدة بالترحيل ، تصريحات مقـّززة مسكونة بأكثر من عقدة الذنب تجاه اليهود مع أن بعض أقطاب اليمين المتطرف وصفها بأنها رأس  الأفعى الذي لابد من قطعه  .

 

إن الحكمة تقتضي مغادرة الخطاب السياسي الراهن المتأخر كثيراً عن هجمة الإحتلال المسعورة العدوانية على أرض الواقع ، حول مجمل القضايا الراهنة ويستوجب إعادة النظر بالطرق والأساليب السائدة حتى الأن بعد فشل عملية التسوية السياسية التي مضى عليها ربع قرن بالتمام والكمال ، مايعني ضرورات قلب الطاولة نحوبناء استراتيجية وطنية مقاومة تستند إلى استنهاض طاقات وإرادة الشعب الفلسطيني وتعزيز صموده لمواجهة محاولات تصفية القضية الفلسطينية وجعلها عرضة للمناورات المشبوهة ، تدورجُلهّا في فلك افتعال معارك جانبية هنا وهناك من اجل إغراق الحالة الوطنية بالتفاصيل الثانوية البعيدة كل البعد عن الأهداف الرئيسة المتمثلة بالحرية والإستقلال التام  تحت ذرائع المعالجات السطحية الإنسانية تارةً  ، واستمرار دوامة الإنقسام الذي طال أمده وأضحت أهدافه مكشوفة أقلها التمّسك بمغانم السلطة الوهمية وتحقيق مكاسب فئوية عابرة للحدود تارة أخرى ، التي توفـًر المزيد من الوقت لاستكمال مشروع الإحتلال الكولونيالي بالشراكة المطلقة مع لإدارة الأمريكية وتماهي بعض الأطراف العربية بالوكالة لالتهام ماتبقى من أراضٍ يستحيل أن تحقق إقامة دولة فلسطينية مستقلة بعاصمتها القدس وإنشاء كيانات معزولة تخدم واقع الإحتلال مقابل جوائز ترضية رخيصة مثل الهدوء مقابل الغذاء .

 

قد يقول قائل أن الظروف العربية المحيطة وكذا الدولية لاتسمح باتخاذ مواقف غير محسوبة العواقب يمكن أن تكون مغامرة في ميزان الربح والخسارة مع أن لاأحد يطلب ذلك ، لكن السؤال المشروع الذي يطرح نفسه بقوة متى كان الخطاب العربي الرسمي والدولي أفضل حالاً من الوقت الراهن ماالذي تغير عبر مسيرة سنوات الحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة  ، إن لم يكن ساهم البعض بإضعافها والتأمر عليها وخلق البدائل لها ؟  ألا تستحق المقدسات بما تمثله للعالم الإسلامي والعربي والمسيحي اتخاذ اجراءات عملية يمكن لها وقف العربدة والبلطجة الصهيوأمريكية كأن يتم سحب السفراء  العرب من كيان دولة الإحتلال ، أليس بمقدور الجامعة العربية أن تتبنى قرار بناء على تنسيب فلسطيني بإعادة القرار الأممي الذي يوازي بين الصهيونية والعنصرية ؟ أليس بإمكان الجهات الفلسطينية الرسمية التزام الصمت وهو أضعف الإيمان تجاه من يساهم بالتأمر على القضية الفلسطينية بدلا من الإشادة بمواقفها تجاه حقوق الشعب الفلسطيني؟ نحن لانطلب الجيوش المجحفلة ولا الأسلحة المستوردة التي تقدر بمليارات الدولارات لاننا لسنا طلاب حروب ، بل ننشد الإنتصار لحقوقنا المسلوبة ولكرامتنا الضائعة على موائد طغاة العصر ، فإذا كان الخان الأحمر لا زال يمثل نقطة ضوء عبر التصدي بالصدور العارية للقهر وبطش الإحتلال ، فإن هناك كل يوم خان أحمرجديد في نابلس ، ورام الله، والخليل المهدّدة بالإستيطان داخل البلدة القديمة ، وسلفيت والأغوار، وبيت لحم وأهمها مدينة القدس عروسة الدنيا وتاج المدن التي تتعرض لأبشع هجمة استعمارية فوق الأرض وتحتها  فهل يمكن أن يرتقي المجلس المركزي الفلسطيني للإجابة عن كل الأسئلة المشروعة علـّها تعيد مصداقية شعبنا لحركته الوطنية والمساهمة الحقيقية بإفشال مخططات الإحتلال ... أسئلة لابد منها .


                                

بقلم : محمد السودي .