جولة غزة الأخيرة

تحليل كيف دقت "إسرائيل" أسافينها على سلاح المقاومة؟

صورة من أمام منزل أبو العطا

تتكرّر جولات القتال في غزّة كأنّها ضريبة دوريّة يدفعُها أهالي القطاع بزكيّ دمائهم، وتصول المقاومة بردودٍ تختارها سعياً إلى أفضل شروطٍ للتهدئة. فيما تتكرر جولات التصعيد التي يعرف معظمُ اللاعبين والمتفرّجين فيها كيف تبدأ وإلى أين تنتهي. وبين أعمق الآلام الإنسانيّة من جهة، تلك التي تجعلنا نتمنّى أن يتوقّف سفكُ الدّم فوراً وبأيّ ثمن، وبين الدافع الثوريّ من جهةٍ أخرى، ذاك الذي يبتغي انتصاراً يُنزل درساً أليماً بالعدوّ من جهةٍ أخرى، ينتظر الفلسطينيّ أعجوبةً أو تحوّلاً "دراميّاً" يجعل الجولةَ تختلف عن سابقاتها. لعلها، هذه المرّة، أو المرّة القادمة، أو التي تليها، تُشعِلُ معركةً كُبرى مفصليّة وتاريخيّة ترفع واقع القهر عنّا. لكنّ الواقع أنّ هذه الجولات مهما تشابهت شكلاً، إلا أنّها تتقدّم في سياقٍ سياسيٍّ واستراتيجيٍّ متصاعدٍ تسعى "إسرائيل" إلى إحكامه تماماً، في محاولة للوصول إلى حالة الإخضاع التام.

في كلّ هجوم عسكريّ تشنه "إسرائيل" علينا، ومع ما يلحقه من قتلٍ وتدمير، تستخدم "إسرائيل" إمكانياتها الواسعة لاستثمار الهجوم وتوظيفه في سياقٍ سياسيٍّ وإعلاميٍّ واضحة وجهته. يتشكّل هذا السّياق حول العمليّة العسكريّة مهما صَغُرَت، فتُستَغلُ لتحصيل منجزاتٍ استعماريّةٍ واختراقاتٍ للحيّز الاجتماعيّ والسياسيّ الفلسطينيّ. لا يقتصر هذا التأثير على الرأي العام الفلسطينيّ ولا على ما تفرضه "إسرائيل" من شروطٍ في اتفاقات التهدئة فحسب، إنّما كذلك يحفر عميقاً في العلاقات بين التنظيمات السياسيّة والعسكريّة الفاعلة. بل وينخر داخل التنظيمات نفسها ومحاولة الضغط لضبط وتوجيه العلاقات فيها، وتغييرها من الداخل وفرض تحوّلات عليها.

ولا شك أنّ جريمة الاغتيال الأخيرة تُذكّرنا بأن سياسة الاغتيالات هي إحدى الأدوات المركزيّة في هندسة الفصائل من الداخل وهندسة العلاقات فيما بينها. لكن ليس الأمر هنا أن سياسة الاغتيالات القديمة قد عادت فحسب، بل الأمر كذلك هو أنّ، "إسرائيل" تحاول اليوم من خلال هذه السّياسة امتلاك القدرة على فرز المقاومين وتصنيفهم؛ "متطرفون أكثر" و"متطرفون أقل"، وتفتيت وحدتهم وتصوّرهم لأنفسهم كجماعةِ مقاومةٍ مُوّحدة تحمي النّاس في قطاع غزّة، إلى فصائل قاصية يعتبر استهدافها مسألةً تخصّها وحدها. ومن شأن هذه السّياسة أن تُوقِع أذىً في ديناميكيّات عمل المقاومة وتنسيقها على مستوياتٍ عديدة. فما الذي تسعى "إسرائيل" إلى هندسته؟

منطلق "إسرائيل" الأساسيّ في ملف غزّة هو تأبيد فصلها عن الضفّة الغربيّة، إذ ترى بهذا الفصل سلاحاً استراتيجيّاً فارقاً لمنع تشكّل أي كيانٍ سياسيّ في فلسطين التاريخيّة. من هذا المنطلق فضّلت "إسرائيل" إدارة حربٍ تمتدُ لسنواتٍ في قطاع غزّة وتستنزف فيها مستوطني جنوب فلسطين، وآثرت أن تتحمّل مخاطر وتهديد سلاح المقاومة وإعدادها على "إسرائيل". كانت تلك الاستراتيجية التي اختارتها "إسرائيل"، وليس الاستراتيجيّة التقليديّة التي كان يمكن توقّعها منها؛ أيّ أن تحاول تدمير المقاومة وإعادة سلطة "فتح" إلى غزّة. إنّ نهج "إسرائيل" يسعى لتأبيد الحصار ومواصلة التحكّم التّام بالمجتمع، واستخدام كافّة الأدوات العسكريّة والاستخباراتيّة بهدف ترويض مقاومة "حماس"؛ لا نزع سلاحها، إنّما تقييد يديها في استخدام هذا السّلاح.

والحقيقة أنّ هذه المخاوف على المقاومة شرعيّة، وهي مخاوف لا تُسقِط أيّ مقولةٍ أخلاقيّةٍ أو وطنيّةٍ على أيّ من الحركات المقاوِمة ولا تنتقص أوتوماتيكيّاً من صدق تمسّكها بالسلاح. لكنها في الغالب مخاوف من خضوعٍ قسريٍّ للضعف وانعدام الحيلة السياسيّة في مواجهة منظومة متوحّشة، وأمام خيانةٍ من "أخوة" يمتلكون إمكانيّات دبلوماسيّة وسياسيّة واسعة يمتنعون عن استخدامها لمناصرة غزّة متوهّمين بأنّ "إسرائيل" معنيّة بإعادتهم إليها. هذا علاوةً على الاغتيالات المتكرّرة، والاضطرارات المتعلّقة بحياة الناس، وهي القيمة السّامية. لكن هذا كلّه لا يقزّم أهمية الخوف على مصير المقاومة وواقعيّة الاحتمال بأن تتغيّر التنظيمات من الداخل ويهبط سقفها الوطنيّ بشكلٍ تدريجيّ مع مرور السنوات، ولا يُقلّل من وجوب الصدح بذلك قبل أن يفوت الوقت. فالحقيقة أنّ الحدود الشماليّة لفلسطين هي المثال الأبرز والأهمّ على قوى قاومت "إسرائيل" بصدقٍ وشجاعةٍ وحقّقت إنجازاتٍ عظيمة وتاريخيّة، لكنّها سرعان ما تحوّلت إلى قوى "تحتفظ بحقّ الرد" لسنوات طويلة، رغم أنها تمتلك أضعاف أضعاف ما تمتلكه "حماس" من إمكانات جغرافيّة ولوجستيّة وعسكريّة.

توفير ظروف العزل

وبالرجوع إلى الأحداث الأخيرة، فقد بدأت "إسرائيل" هذه الجولة العسكريّة بعد أن صمّمت سياقاً إعلاميّاً وسياسيّاً جاهزاً لتحقيق أهدافها، كرّسه تزامن اغتيال القائد في "سرايا القدس"، بهاء أبو العطا (42 عاماً)، مع محاولة اغتيال أخرى في دمشق. استهدفت -ولكن فشلت- المحاولة في دمشق اغتيال أكرم العجوري، القائد العام لسرايا القدس، وعضو المكتب السياسي للحركة في الخارج.

يُحيل ربط الاغتيالين ببعضهما البعض إلى ما برز في الصّحافة الإسرائيليّة من ربط بين حركة الجهاد الإسلاميّ، و"حزب الله" وإيران. يحاول هذا الربط أن يخلق تمييزاً بين الجهاد الإسلاميّ وحركة "حماس"، مستغلاً الارتباطات العسكريّة والسياسيّة لإثارة الهاجس الطائفيّ الذي خلّفه سحق الثورة السوريّة ومشاركة "حزب الله" في القتال في سوريا. وهو ما تراهن "إسرائيل" على أن يثير نفوراً (أو توّجساً على الأقل) جماهيريّاً في قواعد الفصيلين. إذ أن ربط اغتيال أبو العطا بمحاولة اغتيال العجوري، يلقي الضوء على رجلٍ لعب دوراً محوريّاً في التنسيق مع الحرس الثوريّ الإيرانيّ، ويتمتّع بعلاقات مع الأمين العام لـ"حزب الله"، حسن نصر الله، ومع قاسم سليماني قائد فيلق القدس.

لكن أثر الضخٍ الإعلاميّ الإسرائيليّ الموّجه، الذي صَمّم سياق هذه الجولة وتسلّل حتى إلى تعقيبات وتحليلات فلسطينيّة، لم يتوقّف عند هذا المستوى الإقليميّ. فقد ركّز الإعلام الإسرائيليّ في الأسبوعين الأخيرين قبل اغتيال أبو العطا على محاولة عزل الجهاد الإسلاميّ عن "حماس"، وحتى على محاولة عزل الرجل نفسه عن تنظيمه الذي ينتمي إليه. إذ دفع الإعلام الإسرائيلي بمقالاتٍ تضع في محور تحليلها فكرة الخلاف المفترض بين الحركتين، و"النزاع" على فرض القوّة العسكريّة في القطاع، وفي مقابل جيش الاحتلال. صوّرت تلك التحليلات الجهاد الإسلاميّ كمن يدفع باتجاه المواجهة مع الاحتلال، ويتحين الفرصة لذلك، بينما تميل "حماس" -حسب ذات التحليلات- إلى تهدئة الأمور للوصول إلى اتفاق التهدئة بشكله النهائيّ. كما لم يبخل التحليل الإسرائيليّ بضخّ مقولة أن أبو العطا "شخصيّة تثير المشاكل" حتى لحزبه ومع قيادته السياسيّة والعسكريّة.

مثلاً، في الثاني من نوفمبر/ تشرين الثاني الجاري، نشر موقع معاريف تقريراً بعنوان "الرجل الذي يُقرّب جولة التصعيد القادمة في غزّة"، والذي يتّهمه بأنّه شخصياً من يقف وراء قرارٍ فرديّ بالقصف. واهتم التقرير الإسرائيلي بأن يؤكّد وجود معارضين لأبي العطا داخل الجهاد الإسلاميّ. لاحقاً، بوقاحة الصحافة الإسرائيليّة المعهودة، قالت إحدى التقارير بأن "حماس، رغم حذرها في كبح جماح أبو العطا، إلا أنّها في حال قُتل في ظروف عسكريّة فلن تستعجل ذرف الدموع عليه". لاحقاً، ربطت الصحافة التوتّر بين أبو عطا وقيادات "حماس" (كما قيادات في الجهاد) بأنه يقود خطّ المقاومة العنيفة الرافض لتوجّهات "حماس" بالبحث عن تسوية سياسيّة تقودها "من موقف ضعف".

وبالرجوع إلى ما نُشر إسرائيليّاً، نجد مجموعة من المقالات والتحليلات التي حشدت لتصوير أبو العطا كـ"أحد أبرز أسباب التصعيد مع غزّة" منذ الربع الأخير من عام 2018. عدا عن إطلاق الصّواريخ باتجاه مستوطنتي سديروت وشعار هنيغف في الأول من نوفمبر/ تشرين الثاني الجاري، تُنسَب له كذلك المسؤولية عن قنص جنديّ في جيش الاحتلال في يناير/ كانون الثاني 2019، على السياج الحدوديّ، وكذلك عن إطلاق صاروخ سقط في البحر، في 28 أبريل/ نيسان 2019. وتحديداً بعد هذه الحادثة التي وقعت في أبريل الماضي، نشر جيش الاحتلال الإسرائيلي، لأوّل مرة، اسم أبو العطا وصورته على اعتباره المسؤول المباشر عن إطلاق الصّواريخ. قيل حينها في الإعلام الإسرائيليّ إن تلك خطوة استثنائية لا يقوم بها الجيش عادةً، وإنّها على ما يبدو "محاولة لتحذيره من الاغتيال".

احتمالات "حماس"

دفعت العمليّة الإسرائيليّة حماس هذه المرة إلى مأزق جديّ، فقد وفّرت "إسرائيل" لها كل الظروف الإعلاميّة والسياسيّة لدفعها إلى الامتناع عن المشاركة في الردّ: عزل أبو العطا إعلاميّاً، وتنفيذ اغتيال دقيقٍ وفي غاية الحذر، ومن ثمّ الامتناع عن استهداف مواقع "حماس" و"الحذر الشديد" في استهداف المدنيين (في اليوم الأول تحديدًا)، وكذلك امتصاص "صبور" لضربات المقاومة التي وازاها، بالمناسبة، تهويل إسرائيليّ في حجم الخطر الذي أدّت إليه (من خلال شلّ مدن المركز الإسرئيليّة)، رغم عدم حدوث هجمات نوعيّة أو حتى وقوع إصابات تُذكر في صفوف الإسرائيليين، وذلك لإعطاء صورة "انتصار" تهدّئ من حدّة المقاومة.

بالرجوع إلى ذات التحليلات الإسرائيليّة، في مقالٍ نشره معهد أبحاث الأمن القوميّ، التابع لجامعة تل أبيب، في يوليو/ تمّوز 2019، ذكر الكاتبان أن سياسة الجهاد الإسلاميّ قد تغيّرت منذ سبتمبر/ أيلول 2018، وذلك بعد تعيين زياد النخالة رئيساً للمكتب السياسيّ. حسب ذات التحليل فإن النخالة يدفع باتجاه سياسة أكثر حزماً وتشدداً؛ "يريد النخالة أن يخلق لحزبه مكانةً مساويةً لمكانة "حماس" في قيادة المقاومة العسكرية ضدّ إسرائيل"، وأنّه يحاول خلق معادلة جديدة مفادها أن المقاومة سترد على أي استهداف ضدّ غزة، وليس فقط ضدّ المقاومين، وإنما كذلك ضدّ سكان القطاع، وضدّ المشاركين في مسيرات العودة. الأهم في ذلك المقال، هو السؤال المطروح في نهايته عن  دور "حماس" فيما أسمّاه "كبح جماح الجهاد الإسلاميّ" فيما يتعلق بنشاطها الصاروخيّ. يتساءل المعهد، المقرب من دوائر القرار العسكري والسياسي الإسرائيليّ، عن إمكانيات تطوّر هذا الشكل من الديناميكية؛ في حال عدم تدخّل "حماس" لردع الجهاد، فإنّ "إسرائيل" ستستهدف الجهاد، وحينها سيصبح السؤال هل ستشارك "حماس" في المواجهة والردّ أم ستمتص الضربة؟

ومع إطلاق الصّواريخ في الأول من الشهر الجاري، والذي قيل إن أبو العطا مسؤول عنه، ومع عدم رغبة أي من الفصائل بخوض حرب في الوقت الحالي، تكون "إسرائيل" قد وضعت حركة "حماس" أمام خيارين؛ إما أن تأخذ دوراً في الحفاظ على الهدوء ومنع التصعيد، وهو ما يحتّم عليها دورًا أمنيًا سلبيًا اتجاه الفصائل والتيارات العازمة على التصعيد. والاحتماء بشعارات حفظ مصالح النّاس والسعي لتحسين ظروفهم المعيشية، وإمّاً أن تأخذ دوراً حياديّاً وتسمح لـ"إسرائيل" بأداء مهامها الأمنيّة دون تدخّلٍ عسكريّ من "حماس". ويُقدّم هذان الخياران تحت سيف العدوان الشامل الذي تُهدد به "إسرائيل"، والذي يشكّل خطراً فعليّاً بإراقة دم الآلاف وتدمير غزّة مجدّداً، والعودة نحو استراتيجيّة "استئصال المقاومة" التقليديّة الذي من شأنه أن يُفقد "حماس" إنجازها فيما أسسته في غزّة. كما أنّه ليس من المضمون لخيار الحرب أن يُحقق شروطاً جديدة لحماية المقاومة بالفعل، ولتحقيق مصالح الناس، وتجربة حرب 2014 تشي بذلك.  

في المحصلة، فإنّ هذا ما يعنيه "الهدوء" في قطاع غزّة، وله ثمنه في الحفاظ على منع التحرّكات المقاوِمة التي لا تقبل قواعد الاشتباك القائمة، وهو ثمن مقلق وفيه مصلحة إسرائيليّة، ويُنذر بإمكانيّات تدهوره. هكذا، تُسحب قدرة المقاومة على خلق شروطٍ جديدة، ويتلخّص دورها في رعاية وحفظ الشروط القائمة، والتي تمتلك "إسرائيل" القوّة القاسمة في فرضها. ولا ينطبق هذا على حركة "حماس" فحسب، إنما ينطبق كذلك على حركة الجهاد الإسلامي، إذ عاد أمينها العام زياد النخّالة في مقابلته بعد جريمة الاغتيال، ليطالب بنفس الشروط التي عادةً ما تطلبها "حماس" لوقف إطلاق النار، وذلك بعد أن كانت تيّارات في الحركة تطالب بالتصعيد من أجل تحسين الشروط وفرض قواعد اشتباك جديدة بالقوّة.

صوتنا رصيد للمقاومة

اكتفت "حماس" أن تدعم ردّ الجهاد على جريمة الاغتيال لوجستيّاً وإعلامياً، كما فضّلت أن يكون ردّ الجهاد وغيره من الفصائل، بشكلٍ منفردٍ، ولكن من خلال وتحت رعاية غرفة العمليات المشتركة، ودون أن تشترك على المستوى العسكريّ الفعليّ. يُخشى أن ذلك من شأنه أن يفتح إمكانيّات واحتمالات شرذمة فصائل المقاومة، بل ربما الشرذمة داخل الفصيل الواحد أيضاً. كما أن هذا يطرح الأسئلة حول ما قد تؤدي إليه هذه الخطوة من إضعاف لغرفة العمليّات المشتركة وجوهر عملها.

وهنا يُطرح السؤال إن كانت الاغتيالات والضغوطات السياسيّة الهائلة والتهديد بحربٍ تُبيد آلاف الناس، يمكن أن تؤدي إلى إبقاء وجود "حماس" وسلاحها كما هو، ولكن بعد تخفيض فاعليته بشكلٍ تدريجيّ ومستمر؟ هل يمكن أن تؤدي هذه الضغوطات إلى تحديد جرأة هذا السّلاح ومبادرته، فيصبح بعدها ذا مهمةٍ واحدةٍ، هي مهمة الحفاظ على الهدوء والوضع القائم، وحينها يصبح التمسك بسلاح المقاومة مبرِّرَاً لإهدار مهمته الأصليّة؟ يجب أن يكون هذا الاحتمال وارداً بالطبع. وعلّمتنا تجارب كثيرة – من فتح الانتفاضة الثانية إلى حزب الله- أنه لأمر ممكن.

 صحيح أن هناك من يزاود على المقاومة في حال اختارت الهدوء أو السلم لأنهم يعادون المقاومة أصلاً، لكن ذلك لا ينسحب على حاضنتها الشعبيّة التي تشكّل مطالباتها لها بالتصعيد حالةً صحيّة وضروريّة لمجتمع يعتبر المقاومة آخر حصونه للدفاع عن نفسه. من هذا المنطلق، لا بدّ من القلق حيال الإمكانية المشروحة أعلاه. ولا يُسعفنا هنا أمام النهج الإسرائيليّ الخبيث تصفيقٌ عشائريٌّ للمقاومة وذمُّ من ينتقدها أو يطالبها بالتصعيد كونه لا يحمل سلاحاً ولا يعرف بالمعارك.

في الوقت الذي تُشغّل فيه "إسرائيل" كافّة طاقاتها الإعلاميّة والسياسيّة لتستفرد بفصيلٍ مقاومٍ واحدٍ وتُبقي الفصائل الأخرى خارج الدائرة، فإن صوت الناس، الرأي العام الفلسطينيّ، (وبالأساس بالأساس في غزّة)، هو المخزون الذي يدعم المقاومة في ألا تخضع للامتحان الإسرائيليّ. من هتافات الجنائز، حتّى كتابات الـ"سوشال ميديا"، هي رصيد يبقي المزاج الشعبي محتضناً للمقاومة. ولا يزيد على حصارها حصارًا، ولا يكتفي بالقول: "نحن معكم مهما فعلتم" – فلا مكان للثقة العمياء في السياسة.   

محاولة لجم هذه المطالب وتصويرها على محمل الطيش وكأنها غير مدركة لـ"حكمة" المقاومة، يعود بالضرر على المقاومة وحاضنتها معاً، فليست حاضنة المقاومة قطيع من التأييد الأخرس وغير العقلاني، بل هو هذا التفاعل الذي يحفّزها ويسبق حساباتها أحياناً، ولا يجعل هذا من رغبة التصعيد مزاجاً يخصّ فصائل المقاومة وحدها وكأنها جسم غريب عن مجتمعه، وأن خروجه للحرب مجرّد مغامرة تخاطر بحياة الناس. فإن "إسرائيل"، و"إسرائيل" فقط، هي التي تتحمّل مسؤوليّة الدم الذي يُراق.

المصدر: نقلا عن موقع متراس -