صفقة القرن الجذور والتحديات

بقلم: علاء الدين عزت أبو زيد

علاءالدين عزت حمدان أبو زيد

تتصف رؤية الإدارة الأمريكية الحالية برئاسة ترامب وجميع أطرافها المعنيين بملف الصراع العربى الإسرائيلي (ابتداءً من الرئيس ترامب وصهره جارد كوشنر، وسفير الولايات المتحدة فى إسرائيل ديفيد فريدمان، ومبعوثه للسلام جيسون جرينبلات) تجاه القضية الفلسطينية بالتماهى التام مع رؤية اليمين الإسرائيلي للحل، ويغالون فى دعمهم لإسرائيل، وهذا ما جسدتُه إجراءات هذه الإدارة عندما اعتراف بالقدس عاصمة لدولة إسرائيل، ومن ثم توقيع الرئيس ترامب على قرار نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس، وقيام إدارته بتنفيذ ذلك على أرض الواقع، وهو ما يعتبر أكثر خطراً من (تصريح بلفور) الذى منح اليهود وطناً قومياً فى فلسطين قبل قرنٍ من الزمن.

تأصيل الموضوع

الغرض الأساسى من الصفقة في اعتقادي ليس مصالح اقتصادية خالصة كما يزعم البعض بقدر ما هى مصالح انتخابية، خاصة أن هناك انتخابات فى إسرائيل بعد عدة أسابيع، وايضاً هناك انتخابات أمريكية رئاسية فى نوفمبر القادم، والتى يسعى الرئيس ترامب من خلالها إعادة انتخابه.
لذلك فإن صفقة القرن باعتقادي موجهة أكثر من الفلسطينيين والإسرائيليين إلى الجمهور اليمينى فى الولايات المتحدة الأمريكية وتحديداً الإنجيليين، لأنهم أكبر الداعمين لإسرائيل فى الولايات المتحدة، وهم أيضاً أكبر الداعمين للرئيس ترامب. والجدير ذكره بهذا الخصوص أن الغالبية الكبرى من الجمهور الأمريكى لا يهتمون بالسياسة الخارجية بخلاف المجموعة الإنجيلية، ويرجع السبب في ذلك لمعتقداتهم الدينية، ودعمه المطلق لإسرائيل لأسباب دينية تتعلق بمعتقداتهم.
يسعى الرئيس ترامب لضمان أصواتهم، ويعلم بأن أفضل طريقة لاستمالتهم أن يظهر بمظهر المنقذ أو المساعد أو المناصر الحقيقي لإسرائيل، ويريد الرئيس ترامب من خلال ذلك أن يُثبت هذه القاعدة فى الانتخابات القادمة.

مراحل الصفقة

بدأت ملامح الصفقة تظهر منذ تولى الرئيس ترامب سدة الحكم, واتخاذ إدارته العديد من المواقف والقرارات ذات الصلة بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي، فقد شكلت هذه القرارات ملامح السياسة الأمريكية الجديدة تجاه القضية الفلسطينية، كان أبرز هذه المواقف قرار الرئيس الأمريكي ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة أبدية لإسرائيل، ومن ثم نقل السفارة الأمريكية إليها، كذلك وقف المساعدات عن السلطة الفلسطينية ووقف تمويل الأونروا، وإغلاق مكتب منظمة التحرير الفلسطينية فى واشنطن، وغض البصر عن أعمال الاستيطان في الأراضى الفلسطينية, أخيراً تتويج تلك القرارات بالإعلان اليوم عن صفقة القرن التى طالما كانت في أروقة السياسيين شيئاً من الخيال.

تداعيات الصفقة

قرار الإعلان عن الصفقة لم يكن إلا نتاج سياسات أمريكية تراكمت من خلال انحيازها لإسرائيل عبر سنوات طوال، فقد صدر قرار الكونغرس الأمريكي باعتبار القدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس في عام (1995م)، وإغلاق مكتب منظمة التحرير في واشنطن(1987م), ولم يقف حائلاً بين صدور وتنفيذ هذه القرارات  إلا رغبة الإدارات الأمريكية السابقة فى تأجيلها لرغبتها بعدم توقف المسيرة السلمية وخوفها أن يؤثر تنفيذ القرارات بشكل سلبى على أمنها القومى، حتى جاء الرئيس ترامب، وعمل على تنفيذها بسياسة لم يستطع سابقوه القيام بها، كما تجاهل القرارات والمواثيق الدولية، ولم يعط اهتماماً للمنظمات الدولية التي اعتبرت قضية القدس من قضايا الحل النهائى، والقدس الشرقية أرض محتلة، لذا تعتبر الحقبة التي بدأها الرئيس ترامب بداية لعهد التفرد والإملاءات الأمريكية على المنطقة.
صفقة القرن والقرار الأمريكي بالإعلان عنها فى اعتقادي يُخلف  تداعيات كبيرة على المستويين الدولى والفلسطيني على حد سواء، فقد جعل الولايات المتحدة تعمل على فرض وقائع جديدة على الأرض لذا تعتبر الحقبة التي بدأها الرئيس ترامب بداية لعهد التفرد والإملاءات الأمريكية على المنطقة، كما يحمل قرار الإعلان عن الصفقة  مخاطر على الأمن الفلسطيني والإقليمى، ويزيد من حدة كراهية ونقمة الشعوب العربية والدولية أيضاً، بالإضافة إلى إنهائه دور الوسيط الذى لعبته الولايات المتحدة عبر سنوات عديدة فى عملية السلام، كونها خرجت من طور النزاهة إلى الانحياز.
وفى نهاية المطاف لا بد من التأكيد على أن الانحياز الأمريكي لإسرائيل ساعدها على التنصل من التزاماتها تجاه عملية السلام، فقد ساعدت المواقف الأمريكي إسرائيل على إفراغ اتفاقية أوسلو من محتواها الانتقالى، ومن خلال عدم التزامها بتنفيذ بنودها إلا بما يخدم مصالحها والمرتبطة بمشروعها الاستيطانى، ورغم تقاطع مصالح الولايات المتحدة الأمريكية مع إسرائيل منذ إعلان قيام دولة إسرائيل، إلا أن الولايات المتحدة لم تضغط على إسرائيل بشكل فعلى متذرعة بالضغوطات التي تمارس عليها من اللوبى الصهيونى.
 
وللأمانة العلمية فإن الانحياز والصلف الأمريكى تجاه القضية الفلسطينية لم يكن بفعل عوامل داخلية أمريكية فحسب، وإنما كان نتاج عوامل داخلية وإقليمية وفلسطينية على حد سواء، وقد تمثلت العوامل الداخلية فى شخصية الرئيس ترامب التي تميل إلى الغرور والعنجهية، بالإضافة إلى ضغط اللوبى الصهيونى على صانع القرار فى البيت الأبيض. كما تمثلت العوامل الإقليمية بحالة الضعف العربى نتيجة ما يسمي بـ(الربيع العربي) والذى استثمره ترامب فى إعلان هذا القرار وما سبقه من قرارات جوهرية تتعلق بالقضية الفلسطينية. فضلاً عن العوامل الفلسطينية المتمثلة فى الانقسام الفلسطيني الذي أضعف القرار الوطني الفلسطيني.

خلاصة القول من المفيد للجانب الفلسطيني التوقف عن التعويل المبالغ فيه على المجتمع الدولى، فى ظل حالة الضعف والشرذمة الداخلية، واللجوء عوضًّا عن ذلك إلى مصادر القوة الفلسطينية الداخلية المتمثلة فى إعادة توحيد الجهود الفلسطينية، والتوصل إلى تسوية تنهي الانقسام الفلسطيني الداخلى، لتواجه بذلك التحديات التي تعصف بالقضية الفلسطينية برمتها.

                                            بقلم / علاء الدين عزت أبو زيد  
                                             ماجستير دراسات شرق أوسطية – دراسات عربية.
[email protected]

 

المصدر: -

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة قدس نت