(حادثة يلدا) ...... من وقائع مخيم اليرموك في عشريته الأولى

بقلم: علي بدوان

علي بدوان

بساتين يلدا
 

تلك الحادثة، وأقصد حادثة (يلدا)، كنوع من التوثيق والتأريخ لمحطات من تاريخ وسنوات مخيم اليرموك المديدة، بعجرها وبجرها، بسلبياتها وإيجابياتها. نورد تلك الحادثة في إطار الحديث عن تلك القدرة العجائبية على إشتقاق الحلول التي حَمَلها أبائنا في تغريبة النكبة منذ بواكيرها الأولى عند وقوع المصائب. كما نوردها أيضاً للقول بأن منطق الحكمة دائماً ينتصر ويتغلب على منطق الثارات والأحقاد، خاصة مع اهالي قرية وديعة وطيبة، تجاوو وتناسب اهاليها مع ابناء فلسطين.

وقعت حادثة (يلدا) في ربيع العام 1960 أيام الوحدة، عندما كانت سوريا ومصر دولة واحدة في إطار الجمهورية العربية المتحدة. وفي تلك الأيام كان مخيم اليرموك يصل في حدوده نحو منطقة لاتتعدى شارع المدارس، والمربع الذي قبله والمعروف بـ (أرض الحكيم) وهو المربع الذي يضم حالياً كتل الأبنية المحصورة مابين شارعي لوبية وشارع المدارس.

حادثة (يلدا)، وقعت في ذاك التاريخ من عمر مخيم اليرموك، وفي ذاك الربيع عندما كان عديد سكانه لايتجاوز العشرين ألفاً بأحسن الأحوال، غالبيتهم الساحقة من اللاجئين الفلسطينيين، مع قلة من أخواننا وأشقائنا السوريين.

الحادثة وقعت، وذهب ضحيتها الشاب الفلسطيني (إبراهيم أبو شحادة) من صفورية قضاء الناصرة ومن سكان حارة الفدائية (والده معروف باسم ابو ابراهيم الحداد رحمه الله)، عندما قُتل برصاصة على يد بعض (اليلداويين) نتيجة إشكال بسيط له علاقة بأشجار المشمش التي كانت تحمل الحبات العجرة من المشمش قبل نضوجه والمسماة بغوطة دمشق بحبات (الأرعون).

عملية قتل الشاب الفلسطيني البرىء والذي كان يَعمَلُ جابياً على باص من باصات حي الميدان الدمشقي، أشعلت غرائز مُنفلته، ودفعت بالمئات من شباب اليرموك في حينها لمهاجمة بلدة أو قرية (يلدا) المتاخمة لمخيم اليرموك من جهة الجنوب الشرقي وهي من قرى غوطة دمشق الشرقية، وإحراق البساتين فيها وبعض البيوت، وقد شوهدت ألسنة اللهب تتصاعد في يلدا من مداخل اليرموك على حد مانقله إلينا من عاش تلك الواقعة.

وأدّت تلك الحالة لإحراق بساتين القرية المزروعة بالقمح والشعير، وإحراق بعض البيوت، وهو مادفع على الفور عقلاء ورجالات مخيم اليرموك للتدخل الفوري لإيقاف تلك الحالة المُنفلتة ووأد الفتنة في أرضها، والإصرار على لغة العقل، وهو ماكان من خلال المصالحة الكبيرة التي أقيمت في مسجد عبد القادر الحسيني باليرموك، وفي قاعة النادي العربي الفلسطيني المجاور للمسجد في مقره القديم (حالياً منزل المرحوم الأستاذ عوض سعدية)، وتحت رعاية نائب رئيس الجمهورية العربية المتحدة سنتذاك (عبد الحميد السراج) وبحضور وزير الداخلية في الإقليم الشمالي فاتني أسمه الأول وكنيته (الجراح).

تلك الحادثة المدانة، والتي نفذها أفراد لاعلاقة لهم بأهالي (يلدا) الطيبين حتى لو كانوا من أبنائها طويت وأنتهت، وباتت علاقات اليرموك مع (يلدا) والمحيط علاقات محبة ووئام وتصاهر وميدان عمل مشترك، حتى بات اليرموك هو الميدان والساحة الرئيسية لعمل أهالي بلدة (يلدا)، وخاصة لتسويق المنتجات الزراعية والألبان التي تنتجها بساتين (يلدا) في مخيم اليرموك والتبضع منه.

وأكثر من ذلك، فإن ميدان التربية التعليم في (يلدا) نشأ على يد المدرسين والمعلمين من أبناء مخيم اليرموك، فجميع قرى الغوطة الشرقية وحتى الغربية منها، إمتلأت بالمدرسين الفلسطينيين، وحتى إدارات تلك المدرسين فأغلبها من الفلسطينيين من سكان اليرموك وغير اليرموك، ومازال الوضع على ماهو عليه حتى الآن. فمدراء المدارس في (يلدا) وقبل أزمة اليرموك هم في غالبيتهم من الفلسطينيين عدا عن الطواقم التدريسية. إنها سيرة إخوة وأحبة وشعب واحد، ولايمكن لحادثة عابرة مهما كانت آليمة أن تشق الصفوف. والآن يُقيم عدة آلاف من لاجئي فلسطين في بلدة (يلدا) التي توسّعت ولم تعد قرية صغيرة.

ومن طرائف الأمور المضحكة، وقبل نحو 38 عاماً، التقينا، وكنّا بالعشرات من ابناء لاجئي فلسطين، وغالبيتنا من اليرموك، ومن كل الفصائل، في مكان احتجازٍ، أن تم الإتيان الينا برجلٍ (يلداوي)، تعدى الــ 70 من عمره، مرتدياً الزي اليلداوي التقليدي (شروال وتوابعه) واسمه (أبو فياض)، وكانت مشكلته في شراء مسدس من شاب فلسطيني لايعرفه، فتم توقيفه حتى يُعطي اسم الشاب، وكان بالفعل لايعرف اسمه. ولم يطلق سراحه الاّ بعد أن تم الإقتناع بعدم معرفته لإسم الشاب. وقد كنت ونيساً له، ومخففاً عنه وقع التوقيف، وبعد فترة كنت اشاهده في سوق الخضار الخاص باليرموك وهو يبيع المنتوجات الزراعية وهي محمولة على ظهر (حمار). فنتبادل السلام والود والإحترام، ويحاول ان يعفيني من أثمان أي شيء اشتريه منه مثل (بقدونس، خس، فجل ...).

(الصورة : اطلالة على بساتين يلدا).

بقلم علي بدوان

 

المصدر: -

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة قدس نت