الانتخابات والضم.. مساران؟

بقلم: محمد السهلي

  • محمد السهلي

ترجح بعض التقديرات لجوء نتنياهو إلى انتخابات رابعة على الرغم من الشكوك الكبيرة في إمكانية تأمين الاجماع على هذا الخيار بين أطراف معسكر اليمين المتحلق حول الليكود.

 وفي الوقت نفسه، ماتزال تحليلات المراقبين تتوقع توصل نتنياهو وغانتس إلى اتفاق يتم من خلاله إجراء تعديلات على الاتفاق الائتلافي تحت تأثير تدخلات داخلية وربما «خارجية»، لاتريد إعادة المشهد السياسي والحزبي في إسرائيل إلى حالة الدوران حول الذات.

مابين هذين الاحتمالين، يسود عمل الحكومة الإسرائيلية حال من عدم الاستقرار في ظل استحقاقات متسارعة على إيقاع الخطوات الجارية على الأرض في تطبيقات مخطط الضم، والشروع في بلورة بنيته التحتية التي رُسمت معالمها قبل خرائط الضم.   

حتى الآن، لاتظهر الخلافات الحزبية المصلحية داخل الحكومة بحجمها الفعلي على صفحات ومنصات الإعلام الإسرائيلي ،المنشغل حاليا بتظهير «الخلافات» حول آليات الضم، والتي يعتقد من يتابعها أن هناك انقساما داخل الحكومة حول هذا المخطط. ومن الواضح أن هناك تضخيما إعلاميا لمسألة التباينات بين أطراف الحكومة الإسرائيلية حول آليات تنفيذ مخطط الضم، وأن الهدف من وراء ذلك وضع بعض مكونات الحالة الفلسطينية ،التي تجمع على من رفض المخطط، أمام حالة من التردد بانتظار معرفة الاتجاه الذي سيرسو عليه حسم هذه الخلافات، وخاصة أن وسائل الإعلام تتحدث عن خلافات متعددة الأطراف، لاتنحصر في إسرائيل ،بل داخل إدارة ترامب أيضا، في الوقت الذي يترجم فيه  يوميا مخطط الضم إلى خطوات عملية متسارعة على الأرض، وقد لفتت تقارير ميدانية إلى أن سلطات الاحتلال وجهت نشاطها الاستيطاني نحو بلورة بنية تحتية توائم تطبيق مخطط الضم وتسهل تطبيقه.

على هذا، يمكن القول إن نتنياهو سعى منذ إعلان الشق السياسي للصفقة الأميركية ـ الإسرائيلية إلى وضع تطبيق مخطط الضم في خدمة تحقيق طموحه في تشكيل حكومة برئاسته عقب الانتخابات الأخيرة. وفي الوقت نفسه سعى إلى إبعاد هذا الملف الحيوي عن حيز الاستخدام المصلحي من قبل باقي الأطراف في الحكومة. وربما هذا ما خلق حالة من عدم الاستقرار في الأداء الحكومي وخاصة في السياق السياسي والميداني المتصل بمخطط الضم.

فعندما يكون وزيرا الأمن والخارجية من «كاحول لافان» ، فمن الطبيعي أن تظهر تباينات في التعبير عن المخطط عما يبديه نتنياهو وقادة الليكود في ظل احتكار ملف الضم في رصيد رئيس الوزراء وحزبه. وهذا هو منبع المؤشرات على وجود حالة من عدم الاستقرار الحكومي، والذي يتفاقم مع سعي نتنياهو المتواصل للتحلل من محددات الاتفاق الائتلافي المبرم مع «كاحول لافان».

بالمقابل، يرد غانتس على محاولات نتنياهو احتكار ملف الضم وتوظيفه لصالحه بخلق المتاعب في العلاقة مابين رئيس الوزراء والمستوطنين، الذين بات قسم مؤثر فيهم من مؤيدي الليكود برئاسة نتنياهو. فتصريحات غانتس حول تطبيق كامل «الصفقة»، بما فيها بحث الكيانية الفلسطينية، حسبت أيضا على نتنياهو باعتبار غانتس شريكه في الحكومة وبديله في رئاستها بعد عام ونصف العام. وتطلب تصويب ذلك اجتماعات ماراتونية بين نتنياهو ومجلس المستوطنات للتأكيد  مجددا على أن جهده سينصب حصرا على الضم دون أي شيء يتصل بـ«الدولة» الفلسطينية. وخلقت هذه التصريحات توترا في العلاقة بين الليكود و«كاحول لافان» انعكس بالضرورة على أداء الحكومة.

كما أن جزءا مهما من التوتر الذي يسود عمل الحكومة الإسرائيلية إنما يعود أيضا إلى نزوع نتنياهو المتواصل إلى قلب الطاولة في وجه خصومه في «كاحول لافان» وسواهم، وتصفية حسابه معهم بعد 500 يوم استغرقتها ثلاث محطات انتخابية، جعلته طيلة الوقت يقف على قدم واحدة بانتظار معرفة مصيره. ويتعزز هذا النزوع مع تقديراته بأن اللجوء إلى انتخابات مبكرة رابعة سيحرره من قيود الشراكة المفروضة عليه مع «كاحول لافان» على ضوء تنامي قوة الليكود ومعسكره على حساب تراجع قوة خصومه ومنافسيه بمن فيهم شريك الظروف الطارئة، غانتس.

ضمن هذه المعادلة،  برز تساؤل عن التأثير الذي يمكن أن يحدثه اللجوء إلى خيار الانتخابات المبكرة على مسار تطبيق مخطط الضم. ويمكن القول هنا إن نتنياهو وضع مخطط الضم في التنفيذ حتى قبل الإعلان عن الشق السياسي لـ«الصفقة»، وقد عملت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة على تنفيذ سلسلة واسعة من الخطوات التمهيدية لضم عدد من مناطق الضفة الفلسطينية منذ احتلالها بعدوان 1967 ومن هذه المناطق الأغوار، الذي مضت إجراءات ضمه جنبا إلى جنب مع نشر الاستيطان وحملات التهويد.

بالإضافة إلى ذلك، يراهن نتنياهو على أن يؤدي التلويح بالانتخابات المبكرة إلى وضع «كاحول لافان» أمام حسابات صعبة يمكن أن تجبره على النزول عند طلبات الليكود في تعديل الاتفاق الائتلافي ، إلى جانب توقف غانتس وحزبه عن الدخول في لعبة التشويش على الإجماع اليميني حول مخطط الضم، والالتزام بالمخطط باعتباره تنفيذا لإجماع في الحكومة أيضا.

وتسود في أوساط اليمين الصهيوني الذي يقوده الآن الليكود قناعة بأن الظروف الدولية والإقليمية مؤاتيه لتنفيذ الضم، وأن إسرائيل قامت بإجراءات وخطوات أحادية الجانب في ظروف أسوأ بالنسبة لها، ولم يستدع ذلك ردات فعل رادعة أو مانعة، لا من قبل الولايات المتحدة ولا من غيرها، فكيف الأمر حاليا في ظل وجود إدارة أميركية تتبنى السياسة التوسعية الإسرائيلية.

وتعتقد شخصيات قيادية في الليكود أن مخطط الضم سيكون رافعة لأسهم الحزب الانتخابية كما حصل في الانتخابات السابقة وأن منافسيهم وخصومهم سيتلقون الهزيمة لأنهم يساهمون بالتشويش على هذا المخطط. ويرى هؤلاء في الانتخابات المبكرة فرصتهم للتخلص من «كاحول لافان» واستعادة «حقهم» من الحقائب الوزارية التي استولى عليها ائتلاف غانتس مستغلا حاجة الليكود للتحالف معه من أجل تشكيل الحكومة. ويرى هؤلاء في الوقت نفسه أن الانشغال في الانتخابات سيخدم عملية الضم ويلقي عليه ستارا يتم من خلفه تسريع إجراءات التنفيذ. كما أن ذلك ، برأيهم، سيخدم إدارة ترامب التي تريد التفرغ للانتخابات الرئاسية وإلى جانب ذلك معالجة تداعيات انتشار كورونا ، وسيل الاحتجاجات التي تشهدها المدن الأميركية بعد مقتل المواطن الأسود جورج فلويد على يد الشرطة.

 

المصدر: قدس نت -

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة قدس نت