اليرموك وأبو جاسر السعدي

بقلم: علي بدوان

  • بقلم علي بدوان

تركت عملية الخروج الفلسطيني المُسلح لعموم القوى والفصائل من الساحة الأردنية في تشرين الثاني/نوفمبر 1971 هزة كبيرة وعنيفة على حال المقاومة الفلسطينية، التي كانت لتوها قد حفرت طريقها الصاعد كحركة تحرر وطني لشعبٍ تحت الإحتلال.

إنتكاسة المرحلة الأردنية من العمل الفلسطيني، وخسارة المقاومة الفلسطينية لساحة رئيسية من ساحة الفعل والتأثير، ولأطول خط جبهة ومواجهة مع كيان الدولة العبرية الصهيونية، شكّلَ تراجعاً كبيراً في صعود ونهوض المقاومة، التي كان عليها أن تعيد قراءة التجربة الأردنية بتمعن شديد، وأن تتجاوز جراحها.

القوات الفلسطينية التي خرجت من الساحة الأردنية، إستقرت مبدئياً فوق الأرض السورية عند الحدود المتاخمة للأردن في منطقة جنوب حوران (تل شهاب + مزيريب + داعل + الشيخ مسكين وعموم قرى حوران)، وعلى إمتداد مناطق القطاع الجنوبي والأوسط من جبهة الجولان، ومن ثم إنتقلت قطعٌ منها لجبهة جنوب لبنان. وفي حينها تم تشكيل (قوات اليرموك) بقيادة العقيد الشهيد سعد صايل، وهي مجموع القوات الأردنية المسلحة التي إلتحقت بالعمل الفدائي الفلسطيني المسلح وبحركة فتح على وجه التحديد، وبرز من بين صفوفها الضباط المعروفين، ومنهم : الشهيد اللواء سعد صايل، اللواء أحمد عفانه (أبو المعتصم)، محمود الدعاس، ياسين سعادة، نصر يوسف (مصطفى بشتاوي)،  حسن ابو شنار، سميح نصر، جمعة حسن، محمد حسن (أبو سفيان)، يونس العاص، عبد السلام الحموري، ياسين الشريف، العقيد سعيد مراغة (أبو موسى)، العقيد محمد البدر (أبو مجدي)، العقيد موسى العملة (أبو خالد)، المقدم زياد الصغير (أبو حازم) ...الخ.

من بين القطعات العسكرية التابعة لحركة فتح، والتي خرجت من الأردن نحو منطقة تل شهاب غربي مدينة درعا، كانت وحدة خاصة بقوات العاصفة الجناح العسكري الفدائي لحركة فتح، بقيادة الشهيد سليمان أحمد السعدي (أبو جاسر، وهناك أبو جاسر الكفري من الصاعقة) (إبن عم الكاتب الدرامي والسيناريست الفلسطيني المعروف هاني السعدي) وهو من أهالي مخيم اليرموك ومن بلدة صفورية قضا الناصرة، وكان في البدايات ضابطاً مرافقاً للرئيس الرحل ياسر عرفات مابين 1965 والعام 1969.

تلك الوحدة الفدائية المذكورة تمركزت في منطقة تل شهاب، ولدى إنتقالها لموقع أخر قريب، وقعت الحادثة الآليمة التي أدت لإستشهاد (18) شهيداً منها وهم جميعهم من مخيم اليرموك وعلى رأسهم الشهيد أبو جاسر السعدي وأبو ناصر عطية، وأبو عبدو الزعطوط ... وقد نتج الحادث عن إنفجار وقع بالخطأ اثناء نقل عتاد وذخيرة الوحدة العسكرية لمكان أخر. وكان الشخص المُصاب إصابة كبيرة والذي نجا من الإنفجار (الشهيد الحي) نبيل سلمان من أبناء اليرموك ومن طيرة حيفا، ومازال حياً يرزق. ومن بين الجرحى الأقل تضرراً كان : عمر سليم الحسن، حسين زامل إدريس (شقيق الفنان تيسير إدريس)، محمود جوده، فؤاد عنبتاوي، أبو هيثم فيصل، والحدء .. وبالمناسبة هناك شهيداً من شهداء مخيم اليرموك يدعى أبو جاسر أيضاً، إنه أحمد الكفري (أبو جاسر الكفري) الذي أستشهد قرب بعلبك في لبنان عام 1974.

وفي نادرة حدثت أثناء دفن الشهيد أبو جاسر السعدي، تدل على بأسه الشديد ... كان أبو جاسر الوحيد الذي يسيطر على عدد كبير من المشاكسين في اليرموك ومن شقاواته، وعلى رأسهم شخص من عائلة السقا اليافاوية، وشخص من عائلة العلان الطيراوية، وأثناء الدفن قال العلان باللهجة الطيراوية مخاطباً الرجل الذي كان يقوم بمهمة إغلاق القبر بألواح من البيتون المسلح "تقل باطون خيا تقل بلاش يطلع".

تلك الحادثة كانت مأساوية بكل المقاييس. وقد شهد مخيم اليرموك في حينها تشييعاً مهيباً للشهداء، الذين تم دفنهم في مقبرة الشهداء القديمة في اليرموك، وقد شارك في تشييعهم جميع القيادت الفلسطينية الصاعدة في حينها وعلى رأسها أعضاء اللجنة المركزية لحركة فتح.

تلك الحادثة، واقعة من وقائع وسيرة الثورة المعاصرة، واقعة من دراما اليرموك، قصة كفاح أهله وأبنائه، الذين كانوا ومازالوا الرواد في مسيرة حركة التحرر الوطني الفلسطينية المعاصرة.

 

المصدر: -

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة قدس نت