عن العقيد الركن عبد العزيز الوجيه سَلَّمَ الراية ومضى

بقلم: علي بدوان

عرض عسكري 1964 لقوات حطين في المزة بدمشق وكان عبد العزيز من قادة العرض، حيث في الصورة جزء من الكتيبة 422

(تاريخ كتابة المادة آب/أغسطس 2020)

 

  • بقلم علي بدوان

كاتب سياسي فلسطيني

عضو اتحاد الكتاب العرب

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبد العزيز الوجيه صاحب الكلمة

في أواخر شباط/فبراير1976، وفي مهرجانٍ سياسي في مناسبة لإحدى الفصائل الفلسطينية أقيم على مدرج جامعة دمشق، بمبناه القديم الكائن مقابل المتحف الحربي، استمعت لكلمة سياسية جامعة وشاملة ألقاها عبد العزيز الوجيه عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، باسم المنظمة من بين عدة كلمات القيت في تلك المناسبة، فكان متفوهاً، وصاحب موهبة في صياغة وتقديم الموقف والرأي السياسي الوطني الفلسطيني، وكانت الحرب الأهلية اللبنانية في بدايات انفجارها المدوي في نيسان/ابريل 1975، تلك الحرب التي اشعلتها قوى اليمين الفاشي الإنعزالي في لبنان، وبدعم واسناد واشراف من دولة الإحتلال، وكانت تستهدف العمل الوطني الفلسطيني والحركة الوطنية اللبنانية. وفي تلك المناسبة، تعرّفت مباشرة، وعن قرب، على شخصية المرحوم عبد العزيز الوجيه، واتزانه في كلمته السياسية، ووطنيته العالية. والتقطت الفرصة لمصافحته نهاية المهرجان، ذلك المهرجان الذي كان عريفه المرحوم الشهيد عاطف سرحان (سالم)، وهو من قرية (سنديانة) التابعة لمدينة حيفا، ومن اللاجئين الفلسطينيين الى بلدة (النبي صالح) قضاء رام الله عام النكبة.

العقيد الركن الراحل عبد العزيز فياض الوجيه، فلسطيني حتى نخاع العظم، وعَلمٌ من اعلامِ فلسطين في الشتات، وفي سوريا على وجه التحديد، فقد كان اختار طريق العمل الوطني المسلح في مقتبل عمره وشبابه، في مواجهة سلطات الإنتداب البريطاني، والعصابات الصهيونية قبل النكبة الكبرى التي لحقت بالشعب الفلسطيني، وصولاً للثورة الفلسطينية المعاصرة بعد النكبة وارهاصاتها المتتالية التي بدأت تعتمل، بالنوى الفدائية المسلحة على جبهة قطاع غزة، وفي الجولان قبل احتلاله، وخاصة عند بحيرة طبريا، فكان الضابط الفلسطيني عبد العزيز فياض الوجيه، ضابطاً مقداماً، ومن أوائل من امتشق وحمل السلاح في تلك المراحل، وخاصة مع تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية في 28/5/1964، وقيام جيش التحرير الفلسطيني (قوات حطين في سوريا + قوات عين جالوت في قطاع غزة + قوات القادسية في العراق) في أيلول/سبتمبر 1964. فكان من الرواد في تشكيل الجيش، وتحديداً (قوات حطين) في سوريا، وقيادته لكتيبة مشاة الصاعقة 422 (ك مش/صا422) التي ساهمت في حرب 1967 في العمليات الحربية على جبهة القطاع الأوسط من الجولان، وأبلت بلاءاً حسناً تحت قيادته، وكان يحمل في حينها رتبة المقدم الركن.

أحمد الشقيري وعبد العزيز الوجيه في اليرموك

في فترات تأسيس المنظمة وجيش التحرير الفلسطيني والإعداد لهما، كان المرحوم أحمد أسعد الشقيري مؤسس المنظمة قد زار التجمعات الفلسطينية في سوريا، ورافقه في كل تلك الزيارات عدد من الشخصيات الوطنية الفلسطينية، وفي المقدمة منها ضابط فلسطيني، صاحب طولٍ فارع، وجسدٍ متماسك، وهيبة مُمتلئة، وعينان ملونتان، والذي يشبه الضباط الألمان. ولم يكن هذا الضابط سوى عبد العزيز فياض الوجيه، الذي احتفلت به الناس مع أحمد أسعد الشقيري، وفي مخيم اليرموك كونه المخيم الأكبر، مستبشرين بتأسيس المنظمة، وقيام هذا الجيش ليكون جيش العودة لفلسطين.

ولد الراحل الضابط الفلسطيني (عبد العزيز فياض الوجيه) في شهر أيلول/سبتمبر عام 1927، في قرية (إكسال) قضاء الناصرة في الجليل الفلسطيني، في عائلة ميسورة تمتد أراضيها في (مرج بن عامر)، حيث تربى يتيماً بعد استشهاد والده (فياض محمد الوجيه) مع انخراطه في إمداد ودعم الثوار الفلسطينيين بالمال والأسلحة، وباعتباره أصغر أشقاءه السبعة، فقد لاقى من الاهتمام والرعاية من والدته وإخوته، فنما قوى الشخصية، واثبت نبوغاً وتفوقاً بعد إلحاقه صغير السن بمدرسة راهبات الوردية في مدينة الناصرة، حيث اتم دراسته الابتدائية والاعدادية والثانوية والتي حصل على شهادتها عام 1945، التحق بعدها للدراسة في كلية خضوري الزراعية المعروفة بمدينة طولكرم، مدفوعاً بأحلام كبيرة لتنمية أراضي العائلة والثروة الحيوانية الضخمة التي كانت تمتلكها، فيما بدأ نشاطه الوطني مُبكّراً، حين قام بطعن جندي بريطاني بالسلاح الأبيض بشكلٍ فردي.

الطريق الوطني

(عبد العزيز فياض الوجيه) ذلك الشاب الذي كان مندفعاً بوطنيته، لم يغادره الشعور بضرورة الاستمرار بالنضال ضد الانتداب البريطاني والحركة الصهيونية وعصاباتها المسلحة التي بدأت بإنشائها على أرض فلسطين، بدعمٍ غير محدود من قبل سلطات الإنتداب، فما كاد أن يتخرج من كلية خضوري الزراعية بطولكرم، وحصوله على دبلوم زراعة، حتى تم الاعلان من قبل مفتي فلسطين المرحوم الحاج محمد أمين الحسيني، عن فتح باب القبول في الكلية الحربية السورية التي كانت حديثة النشأة مع استقلال سوريا في 17 نيسان/ابريل 1946. فعمل المفتي على انتقاء مجموعة الشباب الفلسطيني للكلية الحربية في سوريا وعددهم 65 شاباً، بحيث يتم انتقائهم من كامل مناطق فلسطين، مع نيل موافقة ولي الأمر مكتوبة لكل شابٍ. فالمفتي كان قد رتب الأمور مع أول رئيسٍ سوري بعد الإستقلال المرحوم شكرى القوتلي الذي تبنى قضية فلسطين، وعاش لسنواتٍ طويلة في مدينة حيفا، وقد قال في أول خطاب رئاسي سوري لحظة استقلال سوريا، في 17 نيسان/ابريل 1946 :

  "وأما فلسطين العزيزة، الجزء الجنوبي من ديار الشام، فقضيتها قضيتنا، وخلاصها من خطر الصهيونية ركن أساسي من أركان سياستنا، وفي انقاذها ضمانة لسياسة بلادنا، ومستقبل أبنائنا، ونحن مطمئنون الى تضامن الدول والشعوب العربية في نصرة قضيتها، وايمان اخواننا العرب من أبنائها سيكفل لعروبة فلسطين بالنصر المؤزر والنصر المبين، ان فلسطين عربية وستظل عربية ولو أطبقت عليها شعوب الأرض قاطبة".

وبالفعل، غادر الشبان ممن تم اختيارهم، ومنهم عبد العزيز فياض الوجيه، إلى دمشق، والتحقوا في الكلية العسكرية التي كانت مؤقتاً في منطقة (قطنا) شمال غربي ريف دمشق، بتاريخ 23/4/1948، مدفوعين بوعي عالٍ بضرورة التدريب، والتكوين العسكري للتصدي للخطر الصهيوني الجاثم على أرض فلسطين، وأثناء دراستهم في الكلية العسكرية السورية بدأت الحرب في فلسطين، وتم تشريد أبناء الشعب العربي الفلسطيني من مدنهم وقراهم وأراضيهم، حيث تم تخريج تلك الدورة، ومنح طلابها رتبة الملازم، والحاقهم بالجيش العربي السوري فوراً، وصدرت الأوامر اللاحقة لهم بالالتحاق بقوات فوزي القاوقجي (جيش الإنقاذ)، وبعد انتهاء الحرب عادت مجموعة الطلبة إلى الكلية لإكمال دراستهم وكان عبد العزيز الوجيه قد تخصص (بالمشاة) حيث تم الحاقهم بعد التخرج بقطاعات العمل العسكري في الجيش العربي السوري.

وعملياً، انطلقت الدورة منتصف العام 1946، وتم تخريج اعضائها نهاية نيسان/ابريل 1948، وحمل اعضائها رتبة الملازم، وشاركوا في حرب فلسطين في صفوف الجيش العربي السوري. والقليل منهم مازال على قيد الحياة، ومنهم العميد الركن صبحي مسعود الجابي (من مدينة نابلس)، والموجود بدمشق، ورئيس صندوق التقاعد في اتحاد الكتاب العرب، بينما توفي مؤخراً بدمشق اللواء مصباح توفيق البديري رئيس هيئة أركان جيش التحرير الفلسطيني بين 1972 ـــ 1980، وكذلك توفي بعده بفترة قصيرة، في رام الله، اللواء عبد الرزاق اليحيى القائد العام للجيش بين 1969 ـــ 1971.

أول دورة الضباط الفلسطينيين 

إذاً، كان الراحل الضابط عبد العزيز فياض الوجيه، ضمن عداد أول دورة من دورات الضباط الفلسطينيين وعددهم خمسة وستون ضابطاً من أقضية فلسطين المختلفة، في الكلية الحربية في سوريا، في منطقة قطنا غرب دمشق، وهم :

اللواء عبد الرزاق اليحيى (الطنطورة قضاء حيفا). العميد الركن محمد إبراهيم الشاعر (يافا). العقيد محمد أبو حجلة (دير أستيا قضاء نابلس). العقيد نادر الشخشير (بيسان). العقيد طاهر دبلان (عزون قضاء نابلس). العميد الركن وليد طاهر جاموس (بيسان). العقيد محمد رفعت الحلبي (الطيرة قضاء حيفا). حاتم عنبتاوي (نابلس). العقيد الركن عبد العزيز فياض الوجيه (إكسال قضاء الناصرة). العقيد بهجت عبد الأمين (الطيرة قضاء حيفا). اللواء صبحي مسعود الجابي (نابلس). العقيد أسعد دبور (صفد). أسعد كريم نقولا (عكا). العقيد عقل محمود دحيليه (جنين). محمد عبد القادر أبو الروس (يافا). محمد خير رستم (صفد). أحمد الحاج حسن (صفد). رمزي سعد الدين (صفد). كامل أرشيد (جنين). إبراهيم توفيق (جنين). محمود علان مشهور الضامن (بيسان). العقيد عثمان جعفر حداد (غزة). رسلان شكري السقا (غزة). عبد الكريم كيالي (اللد). عبد الرحيم أرشيد (جنين). عرب محمد عرب (اللد). حسن حماده (الرملة). حسن الصباح (يافا). اللواء مصباح توفيق البديري (القدس). عبد المعز رمضان (حيفا). عبد الرحمن مفلح سعد (حيفا). رجا جميل الحامد (حيفا). المقدم حسن أبو رقبه (عكا). اللواء سمير الخطيب (الرأس الأحمر قضاء صفد). العقيد بحري سكيك (غزة). العقيد أيوب عمار (حيفا). العميد فتحي سعد الدين (صفد). العقيد أمين نور الله (صفد). العقيد جواد عبد الرحيم (ذنابه قضاء جنين). العقيد رشيد جربوع (الطيرة قضاء حيفا). اللواء عبدالكريم عمر (المثلث). زهير رشيد بروم (عكا). العقيد محمد سامي أبو غزالة (يافا). العقيد سعد العزوني (يافا). سميح حلمي الشاهد (إجزم قضاء حيفا). علي مراد بوشناق (نابلس). سميح جودت بهنان (نابلس). المقدم المهندس عزمي عزت نسيبة (القدس). العقيد حسام طهبوب (الخليل). المقدم واصف فريد جيوسي (جنين). العقيد المهندس مصطفى سحتوت (طبريا). فريد كنعان (القدس). العميد الركن نهاد نسيبه (القدس)، سعد الدين السراج (غزة)، حمدي جبريل الجنيدي (الخليل)، فيصل حموري (الخليل)، أنور نيروخ الأيوبي (من الجليل من أكراد فلسطين). أحمد يحيى زلوم (الخليل). فايز جابر (الخليل). عبد المجيد عمرو (الخليل). عيسى الدجاني (القدس). محمد راتب الجاعوني (القدس). موسى المغربي الحسيني (القدس).

وبعد قرار ضمهم لوحدات الجيش العربي السوري، منحوا جميعاً الجنسية العربية السورية بمرسومٍ رئاسي خاصّ تحت رقم 1327 بتاريخ 17/8/1950، وقّعه رئيس الجمهوريّة في حينها هاشم الأتاسي، وأصبحوا بذلك من ملاكات الجيش والدولة في سوريا، وقد تسلّموا مواقعَ مهمّة في الجيش العربي السوريّ في فترات ماضية خاصة على خطوط جبهة الجولان ومنطقة طبريا قبل احتلال العام 1967، وخاضوا ضمن تشكيلات الجيش العربي السوري وقياداتها، اشرس المعارك حول البحيرة والمناطق المحيطة، والتي كانت تُسمى المناطق (منزوعة السلاح).

تنقل الضابط (عبد العزيز فياض الوجيه) ضمن وحدات الجيش العربي السوري في مناطق كثيرة خدم فيها، قبل أن يستقر في الجولان قبل احتلاله، في تلك المناطق المحاذية لحدود فلسطين المحتلة، مسؤولاً عن إنشاء ودعم وقيادة تنظيم المقاومة الشعبية الأهلية، والتي كانت تتبع للجيش العربي السوري في مناطق الجولان.

تداعيات الإنفصال ودور أبو محمود

مع حدوث الانفصال بين مصر وسوريا عام 1961، دَفَعَ الضباط الفلسطينيين من تلك الدورة، والتي كانت أول دورة عسكرية حتى في تاريخ الجيش العربي السوري بعد الإستقلال، ثمناً كبيراً على يد الإنفصاليين، فاعتقل بعضهم بتهمة الناصرية والإنحياز لخط جمال عبد الناصر، ووضع البعض الآخر قيد الإقامة الجبرية في منزله، وتم تسريح غالبيتهم، واحالة بعضهم لوظائف مدنية. وكان من نصيب الضابط عبد العزيز فياض الوجيه الإقامة الجبرية التي فرضت عليه في منزله بدمشق في حي المزة لفترة معينة، وخلال ذلك التحق بجامعة دمشق حيث نال منها شهادة البكالوريوس في الحقوق، ولم يلبث أن التحق بعملٍ في هيئة الطيران المدني في سوريا، منخرطاً في نفس الآونة بعملٍ سري بدمشق مع مجموعة من رفاقه لاستنهاض العمل العسكري المقاوم داخل الأرض المحتلة، فتم تشكيل تنظيم باسم (المنظمة الشعبية لتحرير فلسطين) عام 1963 قبل قيام منظمة التحرير الفلسطينية، مكونة من الأخوة يحيى حمودة (نائب أحمد الشقيري بعد تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية)، عبد اللطيف أبو جبارة، يسار عسكري، حمود الشوفي، حمزة برقاوي، وسهى نجاب (وداد)، محمد عبد اللطيف (أبو العبد اسبانيا)، جريس الهامس، ويونس محمد يونس، الفنان التشكيلي عبد الرحمن مرضعة، مريم نجمة، محمد يوسف كراجه (أبو خالد نجد)... ويلاحظ أن معظم أعضاء هذه المنظمة كانوا من منابع سياسية وفكرية مختلفة، من الحزب الشيوعي الأردني، وأعضاء سابقين في حزب البعث العربي الإشتراكي، ومن القوميين العرب، وبعض الضباط الفلسطينيين الذين كانوا في إطار كتلة الفريق عفيف البزري قائد الجيش العربي السوري في فترة سابقة، ويساريين مستقلين فلسطينيين وسوريين مقيمين في سوريا والكويت.

الشقيري وعبد العزيز في اليرموك

في هذا السياق، وفي اطار زيارات مؤسس المنظمة المرحوم أحمد اسعد الشقيري الى عموم التجمعات الفلسطينية فوق الأرض السورية، وخاصة مخيم اليرموك، رافقه بها جميعها عبد العزيز الوجيه. فعند إنشاء منظمة التحرير الفلسطينية عام 1964 برئاسة أحمد أسعد الشقيري، والاعلان عن تشكيل جيش التحرير الفلسطيني (قطاع غزة + سوريا + العراق)، حضرت لجنة عسكرية من قبل السيد أحمد الشقيري إلى دمشق قادمة من القاهرة، وقابلت ضباط الدورة الفلسطينية الأولى التي عُقدت في قطنا عام 1948، والـمسرحين من الخدمة العسكرية في الجيش العربي السوري من تلك الدورة وعلى رأسهم عبد العزيز الوجيه، واستمزجت رأي كل واحد منهم في مسألة التحاقه بجيش التحرير الفلسطيني والمزمع انشاءه في سوريا، فوافق جميعهم على الالتحاق بالجيش عام 1964، حيث كان لمتخرجي دورة ضباط قطنا شأن كبير جداً في المساهمة ببناء هذا الجيش بشكلٍ مباشر، فضمت قوات حطين التابعة لجيش التحرير الفلسطيني والتي تم قيامها حينها في سوريا ضباطاً وعناصر من فلسطينيي سوريا، وكان من ضمنهم الضابط عبد العزيز فياض الوجيه، وبعد أن تم تسوية أوضاع رتبهم العسكرية، قام عبد العزيز الوجيه بالإستفادة من تجربته العسكرية، وعلمه العسكري في إعداد وتنشأة الكتيبة التي قادها في قوات حطين. وفي تلك المرحلة كانت الأجواء تشي بحرب حزيران/يونيو عام 1967 العربية "الإسرائيلية"، الحرب التي بدّلت أوضاعاً وقلبت أخرى رأساً على عقب وأثرّت في مصائر الجميع.

اسقاط طائرة الميراج "الإسرائيلية"

وعندما اشتد هاجس الحرب، وارتفعت سخونة مناخها، أصدرت القيادة السورية أمر عمليات يُكلف لواء حطين التابع لجيش التحرير الفلسطيني، بالتموضع في القطاعات الثلاثة من الجبهة، تتلخص بتشكيل نطاق الحيطة بين مدينة درعا وبين الحدود الأردنية والفلسطينية التي تليها، وكان هذا اللواء مُشكّل من ثلاث كتائب بقيادة كل من الضباط الأكفاء (المقدم الركن مصباح البديري الكتيبة 421، المقدم الركن عبد العزيز الوجيه الكتيبة 422، المقدم الركن عرب محمد عرب 423) فيما كان قائداً للواء هو الضابط العقيد الركن سمير الخطيب، وتلقت الكتيبة التي يقودها المقدم الركن عبد العزيز الوجيه (الكتيبة 422) الأمر بتولي مهمة دفاعية في العمق، فكلفت بالدفاع عن منطقة (غباغب) بين بلدتي (الشيخ مسكين) و (الكسوة)، وكانت هذه المنطقة أشبه بمضيق لمحافظات الجولان ودرعا وريف دمشق الجنوبي، فتولت الكتيبة سده لصد أي هجوم قد يستهدف إقفال الطريق بين درعا ودمشق. واشتبكت مع قوات العدو والتحمت معها مباشرة، ومنعتها من التقدم على هذا المحور، حين ارتدّت قوات العدو، وانسحبت للخلف، ولمسافات طويلة، ومساحات كبيرة، واستطاعت الكتيبة الفلسطينية ( ك 422 مش/صا) التي كان يقودها المقدم عبد العزيز الوجيه، وببنادق الكلاشنكوف من اسقاط طائرة (ميراج) "إسرائيلية"، وكانت تلك أول طائرة "إسرائيلية" يتم اسقاطها في حرب عدوان حزيران/يونيو 1967.

وكُلفت الكتائب الباقية بمهمات أخرى. فانتقلت الكتيبة 421 بقيادة المقدم الركن مصباح البديري للقطاع الشمالي، وفي القطاع الجنوبي الكتيبة 423 بقيادة المقدم الركن عرب محمد عرب.

قيادته لقوات التحرير الشعبية

انتهت حرب حزيران/يونيو عام 1967، بأقل من ستة أيام احتلت خلالها "إسرائيل"، أراضٍ من دول عربية إضافة إلى ما تبقى من الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة. ومع هزيمة الجيوش العربية عام 1967، وانكفاءها على الذات وانصرافها إلى تعويض خسائرها وإعادة بناء قواتها، قابلها البروز الصاروخي للعمل الفلسطيني المسلح، أي العمل الفدائي وعلى رأسه قوات العاصفة (الجناح العسكري لحركة فتح) انطلاقاً من سوريا الى الأردن الى لبنان الى الداخل، ومع ارتفاع شعبية العمل الفدائي الفلسطيني المسلح، ارتفع حضور الفصائل الفلسطينية التي تأسست قبل الحرب ونبتت فصائل جديدة كان ابرزها الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، ومنظمة الصاعقة...وكبر دورها في الساحة الفلسطينية بعد الحرب، وهو مادفع في حينها قائد المنظمة أحمد أسعد الشقيري للإقدام على خطوة اعلان قيام مجلس عسكري للمنظمة لقيادة التشكيل الجديد التابع للمنظمة وجيش التحرير تحت مُسمى (قوات التحرير الشعبية) في الأرض المحتلة وعلى الجبهات المحيطة، ليكون الذراع الفدائي لجيش التحرير الفلسطيني والتخطيط لعمليات في عمق الأرض المحتلة، وهكذا أقرّت منظمة التحرير الفلسطينية رسمياً في 15حزيران/يونيو1967 تشكيل قوة فدائية ملحقة بجيش التحرير الفلسطيني، حيث تولى العقيد عبد العزيز الوجيه رئاسة أركان قوات التحرير الشعبية في بدايتها عام 1968 وحتى عام 1970، وخلفه ابن مخيم اليرموك العقيد الركن بهجت عبد الأمين فيما بعد. وفي قطاع غزة، الذي بقي داخله أعداد كبيرة من قوات عين جالوت والتي استمرت في مواجهة ومقارعة قوات الإحتلال، تم تعيين مجموعة من الضباط كقيادات ميدانية لقوات التحرير الشعبية في القطاع، وتحديداً كلاً من الضباط : وليد أبو شعبان، ومصباح صقر حنفي، وزياد الحسيني، وعبد القادر أبو الفحم، وصائب العاجز، ونمر حجاج، ويحيي مرتجى، ورستم كامل الحامد، ورفيق عكيلة، وسالم أبو عمرو، وعبد الله أبو زهير، ومحمد خميس البصيلي، وأحمد صرصور، ويوسف جراد، وعبد المجيد الحيله، ويوسف صليح، وإبراهيم سليم حسين، وشكري الجرجاوي، ومحمد عاشور الأسود، وعبد العزيز غانم ناجي، وسلامة العماوي، وموسي سابا، ومحمد زين الدين، وسعد عمر، وعبد المطلب الحسيني، وعلي إسماعيل عطا الله، وعمر الحلبي، وعبد الحليم شهاب، وطلال خلف، وخميس المصري وحمزة كنفوش، ومحمد الدنف، ومصباح دحلان، وجميل مقداد، وطلال محيسن، ومحمد عفانة، وزكريا شعبان، وخضر عباس، وعلي أبو العطا، وصلاح أبو العطا، ويعقوب أبو العطا، ومحمد فرج، ونهاد الريس ... وآخرين. وقد شاركت قوات التحرير الشعبية في معركة الكرامة الخالدة بتاريخ 21/3/1968، وسقط منها 32 شهيداً اضافة لــ 94 شهيداً من حركة فتح، وخمسة شهداء من الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين.

وبرزت قوات التحرير الشعبية كقوة عسكرية فاعلة، وركَّزَت عملياتها الفدائية على طول الشريط الممتد في غور الأردن وجبهة الجولان إضافة إلى قطاع غزة والضفة الغربية وصولاً الى جبهة جنوب لبنان مع فلسطين المحتلة. لكن دورها البارز كان في القطاع نظراً لبقاء قوات كبيرة من لواء عين جالوت (جيش التحرير الفلسطيني) ضمن مناطق القطاع بعد الإحتلال عام 1967.

وسام لينين من الحكومة السوفييتية

بعد مشاركته في أحداث الأردن عامي 1970 ــ 1971 وعودته إلى سوريا، سافر العقيد عبد العزيز فياض الوجيه ومجموعة من قادة وضباط جيش التحرير الفلسطيني إلى الاتحاد السوفييتي في كانون الأول/ديسمبر عام 1970، حيث التحق بدورة قادة ألوية في (أكاديمية فسترل)، وأكمل بعدها في (أكاديمية فرونزه) دورة في القيادة والأركان والتي حصل فيها على شهادة ماجستير في العلوم العسكرية، محققاً المركز الأول وبدرجة الشرف، فحاز على وسام لينين من الحكومة السوفييتية سنتذاك.

سياسياً، اختير العقيد الركن عبد العزيز الوجيه عضواً في المجلس الوطني الفلسطيني، وبعد عودته من موسكو تم انتخابه عضواً في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، ورئيساً لدائرة التنظيمات الشعبية في منظمة التحرير الفلسطينية في حزيران/يونيو عام 1974. كما مثَّلَ منظمة التحرير الفلسطينية في العديد من المؤتمرات العالمية والمؤسسات الدولية، وكذلك اختير سكرتيراً لرئيس مجلس السلام العالمي الذي كان يرأسه الهندي (روميش شاندرا).

الأزمة اللبنانية ورحيل أبو محمود

خلال تأزم الوضع على الساحة اللبنانية في نيسان/ابريل 1975 إثر اندلاع الحرب الأهلية، والهجوم الممنهج على المخيمات والتجمعات الفلسطينية من قبل قوى اليمين الإنعزالي اللبناني، أنطلق العقيد الركن عبد العزيز الوجيه مع زملائه أعضاء اللجنة التنفيذية مسابقين الوقت لإطفاء حرائق الحرب الأهلية مستعينين بالقوى الوطنية والمعتدلة في لبنان ولكن دون جدوى، حيث كانت المؤامرة ضد الثورة كبيرة جداً، فانطلق مع أعضاء اللجنة التنفيذية في زيارات متواصلة لغالبية العواصم العربية والأفريقية والأوروبية لشرح المخاطر التي تحدق بالثورة الفلسطينية والتي تؤثر على مستقبل القضية الفلسطينية والحقوق الوطنية. واصل العمل ليل نهار، وكانت المهمات والتحديات خطيرة ومصيرية فدفع حياته ثمناً، حيث توفي بنوبة قلبية حادة ليلة عودته من بيروت إلى دمشق فجر يوم 6/5/1976، عن عمر ناهز تسعة وأربعين عاماً. وتم مواراة جثمانه الطاهر في مثوى الشهداء في مخيم اليرموك بتشييع رسمي كان في مقدمة المشاركين به الرئيس الراحل ياسر عرفات.

كان المرحوم العقيد عبد العزيز الوجيه، صاحب حكمة ورؤية، وكان مدافعاً صلباً، أعطى الكثير، ودافع عن قضية شعبه بكل صدق وإخلاص، حيث كان خلال سنوات عمله دمث الخلق، عفيف اللسان، مثالاً صادقاً للانتماء للوطن والشعب، ونموذجاً للعطاء والتضحية، والقيام بمختلف المهام النضالية التي تمكنه من ممارسة قناعاته في الكفاح المسلح من أجل الاستقلال الوطني. وكفاه عزة، وسؤدد، أن ابنه البكر محمود، كان من الصامدين في بيروت أيام الحصار صيف العام 1982، ضمن تشكيلات الجبهة الشعبية/القيادة العامة، وقد استشهد أثناء الحصار على يد قوات الإحتلال ومجموعات اليمين الإنعزالي التي استقبلت ورحبت بالجنرال شارون والجنرال رفائيل ايتان.

رحل عبد العزيز الوجيه (أبو محمود)، تاركاً وراءه ارثاً وطنياً، لأسرته وعموم أهله، ولشعبه الفلسطيني. فكتب اسمه ناصعاً في سجل الخلود الوطني.

عرض عسكري 1964 لقوات حطين في المزة بدمشق وكان عبد العزيز من قادة العرض، حيث في الصورة جزء من الكتيبة 422

 

95792170_238104784169150_6412194681811107840_o

 

صورة نادرة لمجموعة من الكتيبة التي كان يقودها عبد العزيز الوجيه من جيش التحرير عام 1966

 

الشقيري باليرموك يرافقه عبد العزيز بدايات العام 1964


 

المصدر: -

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة قدس نت