«السلام مقابل السلام» كما تترجمه عقيدة نتنياهو

بقلم: معتصم حمادة

معتصم حمادة
  • معتصم حمادة

عضو المكتب السياسي

للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين

بيان 13/8/2020 الثلاثي، الأميركي – الإسرائيلي الإماراتي، ثم من بعده البيان الثلاثي في أبو ظبي في 30/8/2020 دعا الفلسطينيين إلى المفاوضات في إطار صفقة ترامب – نتنياهو، ودوماً، وفق مبدأ نتنياهو «السلام مقابل السلام». فما هو السلام الواجب على الجانب الفلسطيني أن يقدمه، وما هو السلام الذي سيقدمه الجانب الإسرائيلي، مقابل السلام الفلسطيني؟

في العودة إلى تصريحات نتنياهو، وعروضه وخطاباته، خاصة خطابه الشهير في واشنطن في 28/1/2020، إلى جانب الرئيس ترامب، وهما يقدمان إلى الرأي العام، الشق السياسي من رؤية ترامب (المسماة زوراً «صفقة العصر» أو «صفقة القرن»)، يمكن لنا أن نقرأ «رؤية» نتنياهو للسلام، وأسسه، أو ما بات يسمى «عقيدة نتنياهو».

• القدس أم يروشلايم

يؤكد نتنياهو في كل خطاباته أن القدس ستبقى «موحدة»، و«العاصمة الأبدية» لدولة الإحتلال، وهو يعمل في إطار الضم الزاحف الذي لم يتوقف ( خلافاً لإداعاءات البيان الثلاثي) لإقامة القدس «الميتروبوليتان» التي ستمتد فوق مساحة من الأرض الفلسطينية تمتد إلى رام الله من جهة وإلى بيت لحم من جهة أخرى، بحيث تضم الكتل الإستيطانية المجاورة. وفي السياق نفسه تعمل مشاريع التهويد الإسرائيلية على طمس معالم القدس الوطنية والقومية والدينية، لتصبح مدينة بغالبية يهودية، وبإقتصاد يهودي، خالية من كل مظاهر الوجود الفلسطيني، السكاني، والثقافي، والتربوي، والإقتصادي، يسلك في ذلك أساليب مختلفة، بعضها ميداني من خلال التطبيق على الأرض، وبعضها الآخر «قانوني» لتحصين وجود الإحتلال، وبعضها عنصري، من خلال طرد الفلسطينيين وتهجيرهم من المدينة، إما من خلال مصادرة أملاكهم (بذريعة أنها يهودية) أو تدمير دورهم ومنازلهم (بإعتبارها غير قانونية) أو سحب أوراقهم المقدسية وحرمانهم من الإقامة في المدينة، بذرائع قانونية تمت صياغتها على مقاس الإحتلال والإستيطان، وإما من خلال الخنق الإقتصادي للمؤسسات الفلسطينية لدفعها نحو الإفلاس والإغلاق.

شكلت خطوة 6/12/2017، اعتراف إدارة ترامب بالقدس عاصمة لإسرائيل، عاملاً كبيراً في ترسيخ القدس المحتلة بصيغتها الإحتلالية، عمق ذلك نقل السفارة الأميركية إليها، ودفع دول أخرى لتحذو حذو واشنطن.

وكمؤشر على التغيير في سياسة الإحتلال نحو القدس في العلاقة مع الجانب الفلسطيني، أن حكومات إسرائيل، سمحت للمقدسيين، عامي 1996، و2006، في المشاركة بإنتخاب المجلس التشريعي الفلسطيني (الأول والثاني) ورئيس السلطة الفلسطينية (عرفات ومن بعده محمود عباس) أما بشأن الإنتخابات التشريعية والرئاسية التي دعا لها الرئيس عباس في 26/9/2019، في خطابه أمام الأمم المتحدة، فقد اعتبرت إسرائيل أن القدس خارج المعادلة، لذلك تجاهلت دعوة الرئيس عباس بالسماح للمقدسيين بالمشاركة بالإنتخابات؛ ولما رهن الرئيس عباس إجراءات الإنتخابات بالموقف الإسرائيلي، تعطلت الإنتخابات. وهو أمر قد يتكرر، وإن بصيغ مشابهة في أية إنتخابات فلسطينية قد يدعى لها مستقبلاً.

ما يعني، كخلاصة، أن الإسرائيليين أخرجوا القدس من العملية التفاوضية، واعتبروا الأمر نهائياً، وأن لا عودة إلى البحث في الموضوع. ولا انسحاب من شبر واحد منها.

ولكن، في سياق البحث عن «تسويات» تفتق عنها العقل السياسي الأميركي الإسرائيلي، جرى تقديم اقتراح لم تكن العربية السعودية خارج سياقه والعلم به، وينص على التمييز بين عاصمة إسرائيل ويطلق عليها (جيروزاليم) (أورشاليم) (يوروشالايم) وبين عاصمة الكيان الفلسطيني وتسمى «القدس العربية». غير أن القدس العربية هنا، ليس المقصود بها القدس الشرقية، أو القدس القديمة، كما قد يتراءى للبعض. القدس العربية كما بلورت اقتراحها المطابخ الغربية، هي البلدات العربية المجاورة للقدس (ابو ديس، عيزرية..) «يوضع لها مخطط لإعادة بنائها لتصبح مدينة حديثة، تماثل عاصمة إسرائيل في حداثتها، وازدهارها». وكما قيل يومها، أبدت الدول الخليجية (الإمارات والعربية السعودية بشكل خاص) استعدادها لإعمار هذه المدينة، في إطار تطبيقات المشاريع «التنموية والإنسانية والإجتماعية» التي وردت في ورشة البحرين، الشق الإقتصادي من صفقة ترامب – نتنياهو.

وليؤكد الأميركيون «جدية» اقتراحهم، أشاروا إلى التجربة الإسرائيلية في بناء «القدس الغربية»، وتحويلها من مدينة صغيرة إلى مدينة حديثة وعاصمة لإسرائيل، ويمكن في السياق تكرار هذه التجربة.

وهكذا تكون حقيقة الدعوة «السلام مقابل منح القدس كاملة لدولة إسرائيل».

• الأماكن المقدسة

الأماكن المقدسة، وبشكل خاص «المسجد الأقصى وما حوله»، يعتبر في حسابات نتنياهو، جزء لا يتجزأ من القدس، عاصمة إسرائيل، تخضع كلها للسيادة الإسرائيلية كأي شبر من أرض القدس أو أرض الدولة الإسرائيلية. أما مسألة إشراف دوائر الأوقاف الأردنية فلا تعدو كونها مسألة إدارية لا تتجاوز السيادة الإسرائيلية. والدليل على ذلك أن سلطات الاحتلال لا تتوقف عن «معاقبة» موظفي الأوقاف الأردنية، إذا ما «تجاوزوا» حدود وظائفهم، وفقاً للمعيار الإسرائيلي، بإبعادهم عن المسجد الأقصى لفترة معينة، بمن في ذلك مشايخ الأقصى أنفسهم.

وكما هو معروف، فإن الخرافات التوراتية، والمعتقدات اليهودية لا تعترف بالأقصى، بل تعتبر وجوده حالة اغتصاب للهيكل اليهودي، قد تم بناؤه على أنقاضه، وتدعي هذه الخرافات، والمعتقدات أن إزالة الأقصى، من شأنه أن يقود إلى الهيكل المدمر، لذلك تقوم الخرافات التوراتية على ضرورة هدم الأقصى. ولأن الهدم لم تتوفر ظروفه حتى الآن، فإن سلطات الاحتلال أفسحت في المجال، لحل مؤقت، يقوم على «تقاسم» الأقصى، بين الديانتين المسلمة واليهودية، وأفسحت في المجال للمستوطنين اليهود اقتحام الأقصى بشكل شبه يومي، تحت حراسة جنود الاحتلال وشرطته، في محاولة لتكريس حالة التقاسم وتكريس «الحق» اليهودي في الصلاة في الأقصى، إلى أن تتوفر ظروف لخطوة أوسع.

ويبدو أن سلطات الاحتلال لم تعد تخشى ردود فعل العالم الإسلامي على انتهاكها للمقدسات الإسلامية، بعد أن تبين أن ردود فعل المسلمين على انتهاك الأقصى والمقدسات الأخرى، كانت أقل بكثير من توقعات دوائر الأمن الإسرائيلي ومازال التاريخ يسجل قولاً لرئيسة حكومة إسرائيل السابقة غولدامائير، حين تم إحراق الأقصى على يد مستوطن كندي (أو استرالي؟) وصفته وسائل الإعلام بالمعتوه (لتبرر فعلته وجريمته) يومها قالت غولدامائير، أنها ذهبت للنوم، وفي ظنها أنها ستصحو صباح اليوم التالي، لتشهد العالم العربي والإسلامي في ثورة عارمة ضد إسرائيل، لتكتشف أن كان تقديرها خاطئاً، وأن رد الفعل على إحراق الأقصى كان أقل بكثير مما تخوفت منه مائير. لكن هذا ألا يعني أن دفاع المقدسيين عن أقصاهم بات خارج الحسابات. فالصدامات اليومية بين المقدسيين والمستوطنين ورجال الشرطة وجنود الاحتلال ظاهرة يومية لم تتوقف. ومن المفيد أن نستعيد أكثر من واقعة، تسجل في باب بطولات المقدسيين وعموم الفلسطينيين، بغض النظر عن ديانتهم ومعتقداتهم، في مواجهة الاحتلال. منها على سبيل المثال «هبة النفق» التي استشهد فيها حوالي 80 فلسطينياً في اشتباكات دموية مع سلطات الاحتلال، لمنعهم من حفر نفق تحت الأقصى، يهدد بنيانه. ومنها على أيضاً هبة بوابات الأقصى. التي تحولت إلى انتفاضة شعبية اضطرت معها السلطة الفلسطينية لوقف التنسيق الأمني مع سلطات الاحتلال، نزولاً عند قرار المقدسيين، الذين توحدوا، مسلمين ومسيحين، ضد الاحتلال بما في ذلك إغلاق الكنائس احتجاجاً.

إذن، الأقصى، وباقي المقدسات التي تدعي الخرافات التوراتية أن أصولها يهودية هي محط نزاع مفتوح، وإن كانت سلطات الاحتلال، في ظل حالة من التقاعس الرسمي، العربي والمسلم، قد خطت خطوات خطيرة في سياسة «تهويد» هذه المقدسات [تقاسمها] على غرار تجربتها في تقاسم المسجد الإبراهيمي، والهيمنة عليه، بذرائع دينية وخرافات توراتية وحجج أمنية.

السؤال : ماهي «الحلول» المطروحة للأقصى وفي أية تسوية؟

من المعروف أن الراحل ياسر عرفات، رفض تقديم أي تنازل في هذا الموضوع في مفاوضات كامب ديفيد 2 في تموز (يوليو) 2000، بحضور إيهود باراك، وبيل كلينتون، وعندما تعرض للضغوط ليقدم تنازلات، رد بما معناه: أنتم تدفعونني لأقدم لكم دعوة للسير في جنازتي. من يتنازل عن الأقصى، مصيره الموت.

لكن، وفي ظل صفقة ترامب – نتنياهو، هل مازال التنازل عن الأقصى، أو عن أجزاء منه، جزاؤه الموت، كما تنبأ ياسر عرفات؟

مداولات أطراف صفقة ترامب – نتنياهو من أميركيين وإسرائيليين وعرب، توصلت، من خلال «عبقرية» التسويات الجهنمية، إلى حل يقوم على إعادة النظر بأهمية الأقصى في الوجدان العربي والمسلم، من خلال «نزع القداسة» عن المسجد، والترويج على أنه مجرد مسجد كباقي المساجد، له خصوصيته، لكنها لا تصل إلى حدود القداسة.

والمساجد المقدسة، في عرف هذه التسوية، هما الحرم المكي، حيث تقوم الكعبة المقدسة، ومسجد المدينة حيث مرقد صاحب الرسالة المحمدية، ولا قداسة لأي مسجد ثالث.

ولتأكيد صحة هذه الفتوى، تمت العودة إلى «التراث» في فتوى خاصة بـ «شيخ الإسلام ابن تيمية» الذي يعتبر المرجع الديني الأكبر والأكثر رواجاً للقوى الأصولية، وللمرجعية الدينية في العربية السعودية.

وفي السياق نفسه كتب الكثير عن معنى أن يطلق عاهل العربية السعودية على نفسه لقب «خادم الحرمين»، ويتجاوز «الحرم الثالث» أي الأقصى، كما كتب في السياق نفسه عن نزاع تاريخي بين الوهابية والهاشميين، ونزعة لدى بعض التيارات الوهابية لنزع القداسة عن الأقصى، لتجريد العائلة الهاشمية من موقعها المميز باعتبارها المشرفة على المقدسات في فلسطين.

وكما اقترحت دوائر «الحل» في صفقة ترامب – نتنياهو، بناء مدينة حديثة يطلق عليها «القدس العربية» مقابل التخلي عن القدس، هناك من يقترح باستعداده لبناء مسجد كبير، يكون واحداً من علامات «القدس الجديدة»، بديلاً للأقصى، ما يؤدي حقيقة إلى فرض الرؤية اليهودية الاحتلالية على مستقبل المسجد، الذي صار واحداً من الرموز الوطنية والوجدانية الكبرى للشعب الفلسطيني، بل بات أحياناً الرمز الأول الذي يشير إلى فلسطين وقضية شعبها.

ما يعني في الخلاصة أن دعوة نتنياهو هي «السلام مقابل إزاحة الأقصى».

• الحدود الشرقية والمعابر إلى المناطق المحتلة

مفهوم «الحدود» في التسوية السياسية، كما يطرحها نتنياهو، تحت مبدأ «السلام مقابل السلام» يقوم على حق إسرائيل في أن ترسم لنفسها حدودها «الآمنة» كما تراها هي. والأمن هنا، وفق المفهوم الإسرائيلي المعروف، عبارة مطاطة، لا نقطة بداية ولا نقطة نهاية لها، ويمكن، وفقاً للمفاهيم والمعايير الإسرائيلية، إدراج العديد من الملفات في باب الأمن، من الإجراءات العسكرية والأمنية إلى توسيع مناطق «الدولة»، إلى الإشتراطات الإعلامية والثقافية تحت ذريعة وقف التحريض، إلى فرض شروط الانتشار على الجوار، حتى في ظل معاهدة سلمية، على غرار شروطها للانسحاب من سيناء، أو عقد معاهدة وادي عربة. أو التوقيع على اتفاق أوسلو، وماجره على الجانب الفلسطيني من التزامات تحت بند «التنسيق الأمني».

 يستعيد نتنياهو «التراث» الإسرائيلي في رسم الخرائط الأمنية لإسرائيل، مستنداً إلى تفسير إسرائيلي – أميركي للقرار 242، الشهير لوقف إطلاق النار في حرب حزيران العدوانية (67). إذ يدور الخلاف حول تفسير القرار ومدى الانسحاب الإسرائيلي المطلوب من الأرض العربية المحتلة في حرب حزيران ففي الوقت الذي يفسره العرب على أنه انسحاب من «الأراضي» المحتلة، كافة، تفسره إسرائيل بالاستناد إلى النص الانكليزي للقرار من «أراضٍ» محتلة، أي بما يعطيها الحق بالاحتفاظ بما تشاء من الأراضي المحتلة، لضمان قيام «حدود آمنة»، اعترف القرار أنها حق مشروع لكل دول المنطقة، بينما ترى إسرائيل أنه حق لها وحدها، بذريعة أنها معرضة لخطر الإرهاب والعدوان من الجانب العربي.

وبما خص الحدود الشرقية، دأبت إسرائيل على تأكيد رفضها الانسحاب من الحدود الأردنية بذريعة حقها في الدفاع عن نفسها ضد الخطر العراقي. وبعد زوال النظام العراقي السابق، قام في العراق نظام يفتقر إلى الجيش القوي، ولم يعد يشكل خطراً على إسرائيل، استبدلت حكومات إسرائيل الخطر العراقي بالخطر الإيراني. من هنا، تؤكد إسرائيل حقها المزعوم في التمسك ببقاء جيشها على الحدود الأردنية، أياً كانت التسوية مع الجانب الفلسطيني. وتقول إسرائيل إنها لا تثق بالأنظمة العربية لأنها أنظمة غير مستقرة، وحتى تلك التي وقعت مع إسرائيل معاهدات سلام، لازالت دولة الاحتلال تنظر إليها نظرة مشوبة باحتمالات الخطر الأمني. ولعل تجربتها مؤخراً مع دولة الامارات مثال فاقع، إذ رفضت إسرائيل تسليم الإمارات، بعد توقيع اتفاق 13/8/2020 طائرات «أف 35» حتى لا يختل ميزان القوى في المنطقة، وبحيث تبقى هي الدولة الأقوى في الاقليم. ولعل نتنياهو كان شديد الصراحة حين أكد ثقته بأن الولايات المتحدة ستكون على الدوام حريصة على ضمان تفوق إسرائيل في المنطقة عسكرياً.

 ومع أن العلوم العسكرية شهدت تقدماً كبيراً، تطورت خلاله الأسلحة والقدرة على المراقبة من بعد، بواسطة وسائل تقنية عالية المستوى، مما قلل من أهمية الانتشار البشري على الحدود، كعنصر رئيسي لحمايتها، إلا أن إسرائيل تتمسك بوجودها على الحدود الأردنية. طبعاً يخفي ذلك أطماعاً أخرى، تتعلق باحتفاظ إسرائيل بمنطقة الغور، وشمال البحر الميت، لما توفره هذه المناطق من مكاسب ومغانم وتوسيع لمساحة «الدولة».

وربطاً بالحديث عن الوجود الدائم لجيش الاحتلال على الحدود الشرقية، يصبح من الضرورة امتلاك الجيش الإسرائيلي حرية الحركة في أنحاء الضفة الفلسطينية، في خطوط مواصلات خاصة به وآمنة، تكفل له سهولة الإمداد والحركة في زمن السلم، كما في زمن الحرب.

وفي السياق الأمني نفسه، لا تخفي إسرائيل أطماعها في الإمساك بالهضاب والمرتفعات والجبال الاستراتيجية في الضفة الفلسطينية في إطار خطة موحدة، لبقائها في المنطقة وعدم انسحابها منها، وهكذا يتضح أن التسوية الإسرائيلية، كما يطرحها نتنياهو، تلغي أية حدود للكيان الفلسطيني مع الأردن، كما تبقي هذا الكيان في الوقت نفسه، جزءاً من الأمن العام الإسرائيلي، يفترض به أن يقدم التزامات أمنية، تتوافق مع الاستراتيجية الأمنية لوجود جيش الاحتلال، أكان الكيان «دولة»، أم حكماً إدارياً ذاتياً. ففي كل الحالات سيكون أمام التزامات واستحقاقات لصالح الأمن الإسرائيلي.

وما تتطلبه الخطة الأمنية الإسرائيلية على الأرض، تتطلبه كذلك في الجو والبحر أيضاً. وهذا ما يفسر تأكيد المفاوض الفلسطيني موقفه في أكثر من مناسبة أن الدولة الفلسطينية ستكون مجردة من السلاح إلا بما يضمن الأمن الداخلي للدولة، في تنازل مسبق منه عن واحدة من أهم علامات السيادة الوطنية لأي دولة.

أما بشأن المعابر إلى الكيان الفلسطيني، فإن نتنياهو يتحدث عن وجود إسرائيلي عليها، جنباً إلى جنب مع الشرطة الفلسطينية، دوماً لأسباب أمنية، تتعلق بمنع تهريب السلاح، وفرض الرقابة على حركة العابرين، ومنع الحالات «المشتبه» بها أمنياً من العبور إلى مناطق الكيان الفلسطيني اعتباراً لشبهات أمنية تنظر من خلالها دولة الاحتلال إلى مخيمات اللاجئين في البلدين العربيين وانطلاقاً من دور هذه المخيمات في إطلاق الثورة الفلسطينية وبناء أجيال «متمردة». وكانت صفقة ترامب – نتنياهو، شديدة الوضوح هي أيضاً، حين وضعت فيتو على إنتقال الفلسطينيين من لبنان وسوريا إلى مناطق الكيان الفلسطيني. وما ينطبق على المعابر البرية، ينطبق كذلك على المعابر الجوية والبحرية، إذا ما قام للكيان مطاراً ومرفأ خاص به.

أفكار نتنياهو هذه، كما هو معروف، تبنتها صفقة ترامب ورؤيته للحل، ما يعيدنا للتأكيد، مرة أخرى، أن هذه «الرؤية»، هي «رؤية» إسرائيلية أميركية مشتركة، من هنا حديثنا عن «صفقة ترامب – نتنياهو» بدلاً من الحديث عن «صفقة القرن».

وهكذا تكون أمام «السلام مقابل إسرائيل الكبرى».

• الأرض محور الصراع

تشكل مسألة الأرض العنصر الجوهري في المشروع الصهيوني. وهو قام أصلاً على البحث عن «قطعة أرض» يقيم عليها مشروعه الاستعماري، أسوة بالمشاريع الاستعمارية الأوروبية. وحين بدأ الغزو الصهيوني لفلسطين، في هجرات متتالية، أقيمت صناديق تمويل هدفها شراء الأراضي (حيث أمكن) وتمويل المستوطنات التي أقامتها الموجات الأولى للهجرة، بعد أن تبين صعوبة أن تمول نفسها بنفسها. وفي ظل الانتداب (الاستعمار) البريطاني، وتحت حماية وعد بلفور، وما جاء في صك الانتداب (التفويض الاستعماري) من التزامات نحو الوطن القومي لليهود، قفزت حركة الاستيطان، والاستيلاء على الأرض، قفزات واسعة وبدأ العمل على تركيز الأسس الضرورية لإقامة الدولة الصهيونية.

 كل هذا استند إلى العقيدة الصهيونية، ومستنداتها التوارتية في أن فلسطين هي أرض الميعاد، وهو ما أعاد بنيامين نتنياهو التأكيد عليه مؤخراً بالقول عن فلسطين «إنها بلدنا، إنها أرضنا» ما يبرر له، وفقاً لإدعاءاته، البناء الاستيطاني في كل مكان. ولم يعد خافياً أن المشروع الاستيطاني الذي انطلق في الضفة الفلسطينية بعد الاحتلال عام 1967، هدفه الاستراتيجي استيعاب مليون مهاجر مستوطن يهودي في القدس وأنحاء الضفة.

وعلى هذه القاعدة تعتبر إسرائيل أن كل مستوطنة هي جزء منها، ما يعني في الواقع العملي أن مشروع الضم للأرض الفلسطينية المحتلة منذ العام 1967 بدأ مع بناء أول مستوطنة في الضفة،  وأن ما جاء في صفقة ترامب – نتنياهو، هو لنسف الأساس القانوني لقرارات الشرعية الدولية التي نزعت الشرعية عن الاستيطان، آخرها قرار مجلس الأمن 2334 لعام 2016، وقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة (19/67 لعام 2012)، وتكريس الأمر الواقع حقيقة مسلماً بها، تشكل أساس الحل الدائم. للصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، وفي هذا السياق تندرج تصريحات وزير خارجية إدارة ترامب، مايك بومبيو، الاعتراف بحق إسرائيل في الاستيطان والاعتراف بشرعيته.

وإذا ما نظرنا إلى قضية اللاجئين الفلسطينيين من واحدة من زواياها الكبرى للاحظنا أن خلف التهجير الجماعي هو الاستيلاء على الأرض. وإذا ما استعدنا الدراسات عن جدار الفصل والضم العنصري، والذي تم تشييده بدعاوي أمنية، نلحظ في السياق نفسه أن الأرض هي الهدف الأول والأخير. وما حديث إسرائيل عن «الحدود الآمنة» بديلاً لخطوط الخامس من حزيران 67، سوى ذرائع للاستيلاء على الأرض، وما اشتراط إسرائيل «للتبادل المتفق عليه» للأرض في مفاوضات الحل الدائم (والتي باتت مستبعدة تماماً في ظل صفقة ترامب – نتنياهو) سوى محاولة مفضوحة لنيل اعتراف المفاوض الفلسطيني بشرعية الاستيلاء الاسرائيلي على أرض المستوطنات.

والأرض تعني الوطن، إذ لا وطن بلا أرض. وتعني الثروة الزراعية والمائية وغيرها. وتعني العمق الأمني، وتعني الأفق المفتوح لاستحضار مئات آلاف المهاجرين اليهود.

ولتبرير العقيدة الصهيونية للاستيلاء على الأرض، وتبرير الاحتلال، والاستيطان والقوة العسكرية، ابتدعت الحركة الصهيونية خرافاتها التوراتية، وبنت لنفسها رواية تنفي الوجود الفلسطيني، وتستلهم مفاهيم غزو الرجل الأبيض «لأرض الميعاد» في الولايات المتحدة، وتقوم على الاستيلاء على الأرض والتخلص من أصحابها الأصلاءأأأ، بالقتل أو التهجير الجماعي. ما يضعنا أمام تجربة فريدة من نوعها تتجاوز في وحشيتها حدود التجارب الوحشية لنظام التمييز العنصري في جنوب إفريقيا، نحو التماثل مع وحشية التجربة «البيضاء» في أميركا القائمة على «نفي وجود» الآخر، عبر سلسلة واسعة من حملات الإبادة الجماعية أو العزل الجماعي، ليفعل الزمن فعله في تبديد رواية الآخر، وتحويل ثقافة الآخر إلى مجرد فولكلور، يجري السطو عليه، واعتباره فلكلور الأجداد، بتشويه معانيه، وإعادة صياغة مفاهيمه، بما يسهم في طمس الجريمة.

وطبقاً لهذا كله بلورت «رؤية ترامب» ترجمتها للعقيدة الصهيونية في الاعتراف بحق دولة الاحتلال في ضم ثلث أراضي الضفة الفلسطينية، أي مناطق الغور، وشمال البحر الميت، لإقامة دولة إسرائيل الكبرى، وفي القلب منها الكيان الفلسطيني في نظام إدارة ذاتية على السكان (فالأرض دوماً هي أرض إسرائيل) وتحت سطوة النظام العام الإسرائيلي ولهذه الغاية شكلت لجان مشتركة أميركية – إسرائيلية لرسم خطوط الضم الإسرائيلي، ووضع آليات ضمان الاتصال الجغرافي لمناطق الكيان الفلسطيني بالجسور والمعابر، والأنفاق، التي تبقى على الدوام تحت السيطرة الأمنية الإسرائيلية. كيان فلسطين محاصر، لا يتصل مع العالم الخارجي إلا من خلال المعابر الإسرائيلية، نحو الأردن، أو عبر المعبر البري والبحري في قطاع غزة، ولكن، وعلى الدوام تحت الإشراف الإسرائيلي ورقابته، تأكيداً لسيطرة مفهوم السيادة الإسرائيلية، ونفي لأي إدعاء عن السيادة الفلسطينية.

وبناء عليه تتحقق الادعاءات الإسرائيلية بأن لا دولة ثالثة خلف نهر الأردن، إلى جانب دولتين الأردن وإسرائيل وتتحقق إدعاءات إسرائيل والولايات المتحدة بأن لا وجود لما يسمى حدود الرابع من حزيران 67. وتتحقق إدعاءات إسرائيل بأن لا عودة أبداً إلى هذه الحدود. وتتحقق إدعاءات الخرافات التوراتية بأن كامل الأرض هي إسرائيل، وأن الآخر «هو مجرد مقيم عليها» ترجم قانون القومية اليهودية هذه الخرافات وجعل من دولة إسرائيل وطناً قومياً لليهود وحدهم، ووطناً قومياً ليهود العالم.

وهكذا تكون قد أسقطت عملياً مبدأ «الأرض مقابل السلام»، وكرست عقيدة نتنياهو «السلام مقابل السلام». أي فرض «السلام الإسرائيلي مقابل الاستسلام الفلسطيني، والعربي».

وهو ما يقود إلى «السلام مقابل شطب فلسطين من الخارطة».

• قضية اللاجئين والابادة الجماعية

ترابط شديد بين عناصر المشروع الصهيوني، يشد كل عنصر أزر العنصر الآخر، ويستند إليه. تقف دولة إسرائيل من قضية اللاجئين موقفاً شديد التصلب يقوم على مبدأ «نفي وجود الآخر»، أي نفي وجود القضية بالأصل. فالاعتراف بقضية اللاجئين تعني الاعتراف بالمسؤولية السياسية والقانونية والأخلاقية عن جريمة تشريدهم وبالمسؤولية المقابلة عن حل هذه المسألة بالسماح لهم بالعودة إلى ديارهم وممتلكاتهم، والتعويض في الوقت نفسه عما حلّ بهم من كوارث وأضرار وخسائر مادية ومعنوية باهظة.

إسرائيل ترفض الاعتراف بقضية اللاجئين، ونرفض الاعتراف بحق العودة، وتدعو في السياق نفسه إلى حل وكالة الغوث، باعتبارها الاعتراف الدولي بالقضية وبضرورة حلها وفقاً للقرار 194.

وكثيراً ما رفضت إسرائيل اقتراحات أميركية لسلام عربي – إسرائيلي (قبل حرب 1967) يقوم على إعادة قسم من اللاجئين (حوالي مئة ألف من أصل حوالي 900 ألف لاجىء) مقابل اعتراف الدول العربية بإسرائيل وانهاء الصراع معها.

وكثيراً ما قدم الجانبان العربي والفلسطيني (بعد حرب 1967) تنازلات جوهرية لإسرائيل تطال قضية اللاجئين وحق العودة، إلا أن الجانب الإسرائيلي كان شديدة التعنت في رفضه أي حل يقوم على مبدأ الاعتراف بحق العودة طبقاً للقرار 194.

وحتى عندما قدمت إسرئيل «تنازلات» في مفاوضات كامب ديفيد 2 تموز (يوليو) 2000 قبلت بالسماح لأعداد قليلة (مواليد ما قبل 1948) بلم الشّمل (وليس العودة) مع أقربائهم في البلاد.

رؤية ترامب التي ترجمت عقيدة نتنياهو لحل قضية اللاجئين كانت على أساس نزع الصفة القانونية عن اللاجىء (وحصرها بمواليد ما قبل 1948 دون ذريتهم) وفي السياق نزع حق العودة عنهم، واسقاط مفهوم القرار 194، والدعوة لحل وكالة الغوث، والأخذ ببعض ما جاء في وثيقة «البحر الميت» أي توفير مكان سكن دائم للاجئين، أو دمجهم في الدول المضيفة وحتى عودة «بعض اللاجئين إلى مناطق الدولة» الفلسطينية (وفق مواصفات صفقة ترامب – نتنياهو) بقت مشروطة بالموافقة الإسرائيلية، والعودة هنا تتم إلى كيان فلسطيني يقوم فوق أرض إسرائيل، وتحت السيادة الإسرائيلية.

واذا كانت غزوات الرجل الأبيض إلى أميركا الشمالية قامت على حلّ جذريّ لوجود الآخر باللجوء الى الإبادة الجماعية الجسدية، في مجازر ارتكبت بعيداً عن أنظار الرأي العام (بعضها تم الكشف عنه لاحقاً في بعض صفحات التاريخ الأميركي) كان الحل الإسرائيلي (وفقاً لعقيدة نتنياهو) وفق ترجمة رؤية ترامب لها، يقوم على الإبادة الجماعية للاجئين، سياسياً وقانونياً، وتحويلهم إلى مجرد كتلة بشرية، بلا هوية، ولا جنسية، ولا وطن، منزوع عنها كل أشكال الحقوق الإنسانية في مقدمها الحق الانساني في عودة الإنسان إلى وطنه.

وهكذا ترجم نتنياهو، سلامه تحت شعار «سلام مقابل سلام»، ليتحول عملياً إلى «سلام مقابل الإبادة الجماعية لستة ملايين لاجئ فلسطيني

 

رأ

المصدر: -

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة قدس نت