مركز الزيتونة يبحث جدلية العلاقات التركية الإسرائيلية من المنظور العربي في ورقة علمية للدكتور وليد عبد الحي

أصدر مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات روقة علمية درست المنظور العربي لجدلية العلاقات التركية الإسرائيلية خلال الفترة 2002-2020.  إذ اتسمت الأدبيات السياسية العربية خلال العقد الماضي 2010-2020 بقدر كبير من الارتباك في فهم وتحليل العلاقات التركية الإسرائيلية، وشكلت النزعة الرغبوية والانحياز الأيديولوجي أو العقائدي والتسارع في إيقاع التغير في البيئة الجيو-استراتيجية في المنطقة العربية، معوقات لفهمٍ متزنٍ لهذه العلاقات، وانقسمت الاجتهادات الفكرية العربية في هذا الصدد إلى تيارين.
 
يرى التيار الأول أن السياسة التركية منذ وصول حزب العدالة والتنمية لكرسي السلطة لم تتغير في موقفها من "إسرائيل" على الرغم من بعض التشنجات العابرة في العلاقة بين الطرفين، إلى جانب أن تركيا لم تغادر توجهاتها التقليدية في تشبثها بعضوية حلف شمال الأطلسي (الناتو) أو في لهفتها الشديدة لكي تكون جزءاً من الاتحاد الأوروبي. وتعزز هذا التيار الفكري العربي بنتائج التوتر الذي أصاب العلاقات العربية التركية خصوصاً مع تكثيف التدخل التركي في الأزمة السورية وفي شمال العراق وفي ليبيا، ناهيك عن مشاركتها في الاصطفاف الخليجي لتقف إلى جانب قطر في خلافاتها مع كل من السعودية والإمارات العربية المتحدة ومصر، وهو ما جعل البعض يذهب إلى حدّ ربط السياسة التركية بعد سنة 2003 بالإرث العثماني في المنطقة، والعمل على إحيائه.

ويضيف هذا التيار أن العلاقات التركية الإسرائيلية بقيت مستقرة، بل إن العلاقات التجارية جعلت من تركيا الشريك التجاري والسياحي الأول لـ"إسرائيل" في الشرق الأوسط، ناهيك عن وجود مسافة فاصلة تضيق وتتسع بين الحين والآخر بين تركيا وتنظيمات محور المقاومة كحزب الله، بل وأحياناً مع الجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، إلى جانب مسافة فاصلة نسبياً مع إيران التي يرى هذا التيار فيها سنداً مركزياً لمحور المقاومة الذي لا يروق له استمرار العلاقات الديبلوماسية الكاملة بين تركيا و"إسرائيل"، لا سيّما أن تركيا هي أول دول إسلامية اعترفت بـ"إسرائيل" منذ نشوئها، وفي ظلّ تيار سياسي تركي حاكم يختلف تماماً في توجهاته عن توجهات حزب العدالة والتنمية الحاكم حالياً في تركيا، لكن هذا الاعتراف القانوني الكامل بقي ثابتاً في السياسة التركية على الرغم مما اعتراه أحياناً من توترات لم تدم طويلاً، ولعل تصريحات رجب طيب أردوغان في 25/12/2020 عن "أمله في علاقات أفضل مع "إسرائيل"، وأن بلاده لم تقطع العلاقات بشكل تام مع "إسرائيل"، وهناك تعاون استخباراتي بين الطرفين، وأن المشكلة الرئيسية في هذه العلاقات هي السياسات الإسرائيلية غير الرحيمة تجاه الفلسطينيين"، يشكل حججاً لهذا التيار.

أما التيار الثاني، والذي تغلب عليه سمة التوجه الإسلامي، يرى أن تركيا دولة إسلامية تقف إلى جانب الحق الفلسطيني، وتقدم المساعدات للفلسطينيين، بل وترفض كل السياسات الإسرائيلية في الأراضي المحتلة، كما أنها دعمت النزعة الديموقراطية التي اجتاحت الدول العربية منذ سنة 2010 إلى يومنا هذا، وتصوت غالباً في المنظمات الدولية لصالح الحق الفلسطيني، إلى جانب أن الدور التركي في لجم النزعة الانفصالية للأكراد في دول غرب آسيا (إيران، والعراق، وتركيا، وسورية) يسهم في وحدة أراضي الدول العربية، ويكبح النزوع الغربي والإسرائيلي لإقامة دولة كردية تكون سنداً لـ"إسرائيل" في المنطقة، لا سيّما أن بعض القوى الكردية لها تاريخ طويل من التعاون مع "إسرائيل" بشكل سري وأحياناً شبه علني.

إن السجال الفكري بين التيارين العربيين يستدعي طرح التساؤل التالي: هل تقوم السياسة التركية في منطقة الشرق الأوسط على أساس براجماتي (أي اعتبار المصالح هي الحادي لقافلة السياسة التركية)؟ أم أن المعيار الأيديولوجي والعقائدي هو المحدد الرئيسي (وتحديداً الإسلام السياسي ممثلاً في جوهره بتوجهات حزب العدالة والتنمية التركي)؟ أم أن الأمر يجمع بين البعدين بقدر من العقلانية لا سيّما أن المشهد السياسي في الشرق الأوسط معقّد إلى أبعد الحدود؟ ذلك يستدعي رصد الدوافع وراء كل من السياسة التركية تجاه "إسرائيل"، وبالمقابل السياسة الإسرائيلية تجاه تركيا.
من الضروري الإشارة إلى أن العلاقات التركية الإسرائيلية منذ الاعتراف التركي بـ"إسرائيل" سنة 1949، عرفت تذبذباً بين فترة وأخرى، بغض النظر عن الحزب الحاكم في تركيا، فإلى جانب عدد من الاتفاقيات السياسية والأمنية والعسكرية والتجارية بين الطرفين خلال الفترة 1949-2002 (أي قبل وصول حزب العدالة والتنمية التركي للسلطة)، عرفت هذه الفترة توترات بين الطرفين، فقد خفضت تركيا من مستوى تمثيلها الديبلوماسي في "إسرائيل" سنة 1956 بعد مشاركة "إسرائيل" في العدوان الثلاثي على مصر، كما شجبت تركيا العدوان الإسرائيلي على الدول العربية في حرب 1967 وطالبتها بالانسحاب من الأراضي التي احتلتها، لكن تركيا رفضت سنة 1969 أن تشارك الدول الإسلامية الدعوة لقطع العلاقات مع "إسرائيل" بعد نشوب حريق في المسجد الأقصى، ورفعت لاحقاً من مستوى التمثيل الديبلوماسي مع "إسرائيل" إلى مستوى السفارة، إلا أن العلاقات التركية الإسرائيلية عادت للتوتر سنة 1980 بعد إعلان "إسرائيل" ضمها للقدس. لكن هذه العلاقات عادت لمسيرتها سنة 1992 بعد أن قدم السفير التركي لدى "إسرائيل" أوراق اعتماده للرئيس الإسرائيلي، مما يعني أن ظاهرة التذبذب صعوداً وهبوطاً في العلاقات التركية الإسرائيلية هي ظاهرة سابقة على وصول حزب العدالة والتنمية للسلطة في تركيا.

ونظراً لتعقيدات الوضع في الشرق الأوسط، تحاول السياسة الخارجية التركية لحزب العدالة والتنمية أن تحافظ على قاعدتها الشعبية داخلياً، وعلى توطيد العلاقة مع القوى السياسية العربية ذات التوجه الإسلامي من ناحية، والعمل على استمرار جني المكاسب التجارية والتقنية والسياسية في علاقاتها مع "إسرائيل" من ناحية أخرى. لكن تحقيق التوازن بين هاتين المسألتين يبدو أكثر تعقيداً مما تعتقده الديبلوماسية التركية، كما أن حرصها على توظيف التنافس الدولي في المنطقة (خصوصاً الروسي الأمريكي) ينعكس أحياناً بالسلب وأحياناً بالإيجاب على مصالحها الإقليمية في غرب آسيا كله.

وعند الموازنة بين أبعاد السياسة التركية في المنطقة وخصوصاً مع "إسرائيل"، يتبين أن المصالح البراجماتية تعلو الانتماء العقائدي لكنها لا تلغي بعض تأثيراته، وهو ما شكَّل نوعاً من "الجدلية"، مع ملاحظة الشعور العميق بالاستقلالية الذي يعطي الأولوية لمصالح الأمن القومي التركي، الأمر الذي نعتقد أنه سيقود لمركب جديد خلال السنوات الخمس القادمة في ظلّ معطيات عديدة في البنية السياسية والاقتصادية والاجتماعية التركية من ناحية، وفي ظلّ تطورات الوضع الإقليمي والدولي وانعكاساتها على البعد الجيو-استراتيجي التركي من ناحية ثانية.

وبناء عليه يرى الدكتور وليد عبد الحي أن الدور التركي في مجالَي الإغاثة والمساندة الإعلامية للطرف الفلسطيني والعمل على تطويره هو الأفق المتاح حالياً في العلاقة الفلسطينية التركية، ويبدو أن أي طموح إلى مستويات تتجاوز هذا الدور في المدى الزمني المنظور هو طموح ليس له ما يدعمه، وأن عضوية تركيا في حلف الناتو، وعدم كللها من السعي للانخراط في الاتحاد الأوروبي، واستمرار تطور علاقاتها التجارية والاقتصادية بل والاستخباراتية مع "إسرائيل" تمثل متغيرات رئيسية في تعيين محددات الموقف التركي من القضية الفلسطينية، خصوصاً أنها متغيرات مستقرة في السياسة التركية قبل وبعد وصول حزب العدالة والتنمية للسلطة. كما يرى أن توظيف الخطاب الديني الخاص بالموضوع الفلسطيني تجاه المجتمع التركي أمر له أهميته التي لا يجوز إغفال تداعيات النجاح فيه. وأن الضغوط الدولية والعربية على حركات الإسلام السياسي، بل ونزوع بعض هذه الحركات للتعاطي مع "إسرائيل" (مثل حزبَي العدالة والتنمية في كل من تركيا والمغرب) يمثل تعزيزاً لاتهامات خصوم الإسلام السياسي بشكل قد ينبئ بتداعيات أعمق مما يبدو على السطح.

وقد أوصى الباحث أن تعمل القوى الرئيسية في محور المقاومة ما بوسعها لإعادة العلاقات السورية التركية إلى وضعها السابق قبل سنة 2011، وذلك استناداً استناداً لبعدين: أولهما التركيز على المصالح المشتركة التي تتلاقى فيها الاستراتيجية السورية والتركية، والتي كانت قائمة قبل سنة 2011 بين البلدين، ووصلت لمستويات متقدمة. وثانيهما تركيز جهود وساطة محور المقاومة على التنسيق مع القوى الدولية لتيسير الحوار الداخلي في سورية، وتوفير قنوات التواصل المساندة لهذا الحوار. حيث أن هناك نقاط توافق عديدة بين سورية وتركيا يمكن الاتكاء عليها وتطويرها نحو آفاق أرحب سياسياً واقتصادياً بشكل خاص، وتقدم لنا الخبرات التاريخية في العلاقات الدولية، على أن ذلك ممكن إذا تمّ الربط بين المصالح الاستراتيجية من ناحية، والرشد في اتخاذ القرار من ناحية ثانية، والقبول بمبدأ التدرجية في تغيير المواقف من ناحية ثالثة.

المصدر: وكالة قدس نت للأنباء - بيروت