عمالنا في الداخل والمستوطنات ونمط العبودية الحديثة

بقلم: نهى نعيم الطوباسي

نهى نعيم الطوباسي
  • نهى نعيم الطوباسي*

العالم بأسره لم يحتمل عاما واحدا من الإغلاق والقيود على الحركة، بفعل جائحة كورونا، وما سببته من أزمات اقتصادية واجتماعية شاملة، فما بال فلسطين التي ترزح تحت الإحتلال منذ ثلاثة وسبعين عاما؟ مع سياسات الاحتلال من إغلاق وحصار وقيود على الحركة واستيطان وانتهاكات صارخة للقانون الدولي، والقانون الدولي الإنساني؟ والتي أدت إلى تدهور الوضع الاقتصادي والإنساني وتفاقم المشاكل الإجتماعية، وفق تقرير البنك الدولي لعام 2020، الذي أشار إلى "أنه وحتى قبل جائحة كورونا، يعيش أكثر من ربع الشعب الفلسطيني تحت خط الفقر"، مع توقع أن تزداد نسبة الأسر الفقيرة، خصوصا في ظل ارتفاع نسبة البطالة، حيث أشار الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، إلى أن معدل البطالة بين القوى العاملة في الضفة الغربية وقطاع غزة (15 سنة فأكثر) وصل إلى 25٪.

لا بد من التفكير في سبل الحل، في ظل عجز سوق العمل الفلسطيني، عن استيعاب الأعداد الكبيرة للشباب المتعطلين، والذين تضطر أعداد كبيرة منهم إلى محاولة عبور حواجز الموت في ساعات متأخرة من الليل، للوصول إلى سوق العمل الإسرائيلية، تحت ظروف عمل قاسية، وقد بلغ عددهم وفقا لآخر الإحصائيات 133,300 عامل، بواقع 110,400 عامل في الداخل و22,900 في المستوطنات، بينهم 300 امرأة في المستوطنات و600 في الداخل.

سبق للأمم المتحدة أن اعتمدت في عام 1949 يوما عالميا لإلغاء الرق وكل مظاهر العبودية في العالم، إلا أن المدقق في تفاصيل معاناة العمال الفلسطينيين، سيرى كل أشكال ومظاهر العبودية قد عادت من جديد. إنها العبودية الحديثة، التي شرّعتها اسرائيل وصمت عنها العالم. فالعمال الفلسطينيون في المستوطنات، والمنشآت الإسرائيلية، يضطرون لتحمل الممارسات والقوانين العنصرية التي تطبق عليهم، في أماكن العمل التي تفتقد إلى أبسط معايير الأمن والسلامة، فضلا عن سلب حقوقهم وتعويضاتهم، حيث ينطبق على العمال الفلسطينيين في الأراضي المحتلة داخل الخط الأخضر، قانون العمل الذي أصدرته الحكومة الإسرئيلية عام 1970،  والذي بموجبه تستقطع اسرائيل مبلغًا شهريًّا من أجور العمال الفلسطينيين، يقدَّر بـ 7 دولارات تذهب إلى مصلحة هيئة الضمان الاجتماعي الإسرائيلية، و5% من الأجر تذهب لصالح اتحاد نقابت العمال الإسرائيلي (الهستدروت) وكل هذه المبالغ يدفعها العمال ولا يستفيدون منها شيئا. بالإضافة إلى ما يتعرض له العمال من إهانات وتنكيل، واعتداءات كإطلاق النار عليهم من قبل جنود الإحتلال دون مساءلة الجناة. والأصعب هي التداعيات النفسية على العامل وصراعه مع ذاته، بين رفضه القاطع لوجود المحتل على أرضه، وبين اضطراره للعمل تحت رحمته، بسبب حاجته الماسة لتوفير لقمة العيش. 

ألم يكن مشهد إلقاء العمال الفلسطينيين، في طرق خالية وخطرة وعلى الحواجز من قبل قوات جيش الإحتلال الإسرائيلي بسبب كورونا، مشهدا يستفز كل الإنسانية؟  حتما سوف تبقى مشاهد الألم والعذاب تحت عالقة بذاكرتهم وذاكرة الشعب الفلسطيني لآجال طويلة، ما يستدعي أن تتآزر كل القطاعات الفلسطينية، والمستثمرين ورجال الأعمال لتمويل لمشاريع التشغيل للشباب الفلسطيني، ولضمان توفير فرص عمل لائقة في سوق العمل الفلسطينية، تحافظ على كرامة عمالنا وشبابنا الوطنية وإنسانيتهم وكرامة عائلاتهم، وبالتأكيد لدينا الكثير من الكفاءات والخبراء، القادرين على وضع الخطط، وإيجاد الآليات المناسبه لانخراط العمال الفلسطينيين في سوق العمل الفلسطينية، وبذل كافة الجهود لمعالجة تدني الدخل في سوق العمل الفلسطينية، ومعالجة قضايا الحد الأدنى للأجور، والتأمين الصحي وتوفير ظروف العمل اللائق وما يرتبط بها من تأمينات. وغيرها من الظروف التي أدت أيضا إلى لجوء العامل الفسلطيني للعمل في المنشآت الإسرائيلية والمستوطنات.

 لا بد من الحد من توجه العامل الفلسطيني إلى العمل في المستوطنات من خلال قوانين وأنظمة وإيجاد بدائل مقنعة، حماية له من المخاطر وحفظا لكرامته، وتعزيزا لخطة الانفكاك والاستفلال الاقتصادي عن الاحتلال الإسرائيلي التي أقرها المجلس الوطني الفلسطيني في دورته الثالثة والعشرين وتعهدت الحكومة بتنفيذها، فالعمال الفلسطينيون قوة  تشغيلية لا يستهان بها، والأجدر استثمار طاقاتهم البشرية لتحريك عجلة الاقتصاد الفلسطيني. ولا بد من إثارة قضية عمالنا في الداخل، والتعاون مع المؤسسات الدولية، وإطلاق حملات توعية للشباب والعمال، وتحذيرهم من سماسرة التصاريح، وتوعيتهم بمخاطر العمل في الداخل والمستوطنات.

 أما على الصعيد الدولي، فيجب مواجهة الانتهاكات الإسرائيلية للاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان والاتفاقيات الصادرة عن منظمة العمل الدولية بما فيها اتفاقية تحريم السخرة بكافة صورها والعمل القسري، والتي اعتمدتها منظمة العمل الدولية في عام 1930، وإثارة الموضوع لدى المؤسسات والمنظمات الحقوقيه الدولية، والمطالبة بحماية العمال الفلسطينيين من الانتهاكات الإسرائيلية، ومساءلة دولة الاحتلال. فلا يعقل أنه في القرن الواحد والعشرين مازالت السخرة والعبودية تمارس دون أي موقف حاسم اتجاه من يمارسها وتحديدا تجاه دولة الاحتلال.

أخيرا، لطالما كان للحركة العمالية الدور الأكبر في تغيير ملامح التاريخ والدول، وقاد العمال ثورات التحرر من العبودية، ووضعوا مبادئ الديمقراطية والمساواة الحقيقية، يوما ما سيبني عمال فلسطين الكادحون الصابرون بأياديهم جسرا باتجاه الحلم الفلسطيني، والدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس، وسيعرف الاحتلال والعالم أجمع أن هذا الشعب العظيم ولد حرا وسيبقى كذلك مهما طال الزمن.

*باحثة، ماجستير في التنمية وحل الصراع

 

المصدر: -

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة قدس نت