متنفَّس عبرَ القضبان (26)

بقلم: حسن عبادي

صورة أماني وصفا
  • حسن عبادي/ حيفا

بدأت مشواري التواصليّ مع أسرى أحرار يكتبون رغم عتمة السجون في شهر حزيران 2019؛ ودوّنت على صفحتي في الفيسبوك انطباعاتي الأوليّة؛ تعاصفنا وتثاقفنا، نعم، وجدت لقائي بهم، بأفكارهم وبكتاباتهم متنفّسًا عبر القضبان.

عقّب  الروائي مصطفى عبد الفتاح: "كل إطلالة لك يا صديقي حسن عبادي هي مسمار في نعش الاحتلال .وهي أمل متجدّد بأنّ فجر الحرية على مرمى حجر. فلك الشكر. ولهم جميعا الحرية".

 

وعقّبّت الكاتبة المقدسيّة مريم حمد: "لكم ترفع القبعات لاحتضانكم أسرانا البواسل وترك هذا المجال مفتوحا لهم كمتنفس ليعبّروا فيه عن أنفسهم وعن أحلامهم المقيّدة داخل سجون الاحتلال".

تحيّة عزّ وكرامة من أسيراتنا في سجن الدامون الكرمليّ للأهل في غزّة، والمجد والخلود للشهداء الأبرار

صورة خالدة 1


 

"المكدوسة"

غادرت حيفا صباح الأربعاء 19.05.2021  لزيارة أسيرات في سجن الدامون الكرمليّ. انتظرت في غرفة المحامين فأطلّت عليّ خالدة كنعان جرار مبتسمة، فصارت الابتسامة علامة فارقة منذ بدء انتفاضة الابتسامة، التقيتها للمرّة الأولى، ورغم حديثنا عبر السمّاعة الصدئة  كان جوّ اللقاء حميميًا وكأنّ بيننا عِشرة عُمر.

حدّثتني عن تجوالها في كرمل حيفا وبحرها في "زياراتها" بواسطة "البوسطة" البغيضة، يرافقها حرس ملكي فشعرت وكأنّها برينسيسّة، لفحوصات طبيّة في مستشفى حيفاوي، وحين دخلت الغرفة صاحت بالطبيب: "زيح، بدّي أشوف البحر!"،  وكم كانت سعيدة بأنّ الطبيب الذي فحصها عربيّ من جناح الوطن الآخر الذي تحلم به ليل نهار، شاهدت البحر عبر النافذة...والبواخر للمرّة الأولى!

تحدّثنا عن الحياة والكتابة خلف القضبان، التجربة الاعتقالية، فهذه الحبسة الخامسة لها، الدور التعليمي والتثقيفي، لكلّ أسيرة وأسير حكاية، التحليق في سماء الوطن السليب، قعدة "البلكون" الذي بنته وزميلاتها في ساحة السجن، والمكدوسة التي حضّرنها في الأسبوع الفائت. 

حدّثتني عن انقطاع الزيارات في السنة الأخيرة وقالت بسخرية سوداويّة "كنّهن الأهل نِسيونا؟"،  والهبّة الشعبيّة الشبابيّة في كلّ أرجاء الوطن منحِّيةً للقيادات التقليديّة مما يبعث الأمل بغدٍ أفضل.

لك عزيزتي خالدة أحلى التحيّات، والحريّة لك ولجميع أسرى الحريّة.

صورة أماني وصفا


 

"منسف كرمليّ"

بعد لقائي بخالدة أطلّت الأسيرة صفا حازم جرادات عبر ممرّات سجن الدامون الكرمليّ بابتسامة طفوليّة خجولة، وجه بشوش يستحق الحياة والحريّة.

حدّثتني عن عملها كمحاسبة في الخليل، قُبيل الاعتقال منذ 11 آذار، لم يُسمح لها بزيارة الأهل و"منحوها" اتّصالًا هاتفيًّا يتيمًا مع الأهل في شهر رمضان، وهذه المرّة الوحيدة التي تبتعد عن العائلة(مواليد 1997)، وجعلها السجن طبّاخة فحضّرت أمس منسفًا كرمليًّا، فليس كل حوايجه موجودة في السجن.

تحدّثنا عن الحياة خلف القضبان، عن زميلاتها في الأسر(في الدامون 37 أسيرة)؛أختها أماني(بلدة سعير، شرق الخليل)، خواني رشماوي(بيت لحم)، شذا الطويل(البيرة)، ليان كايد(نابلس)، ربا عاصي(بيت لقيا)، ختام خطيب سعافين(بيتونيا)، أم فراس(حيفا/غزة)، بشرى الطويل(البيرة).. نجح الاحتلال في تقريب المسافات والقلوب. 

حدّثتني بحِرقة عن انقطاع الزيارات والتواصل، حتّى زيارات المحامين انقطعت في الشهر الأخير، عن اللمّة في السجن، المطالعة والقراءة، مشروع "لكلّ أسير كتاب" ودوره، تأمّلات كرمليّة وخربشات هنا وهناك، فالسجن صار مدرسة رغم أنف السجّان الذي فشل في كسر شوكتها وزادها إيمانًا بعدالة قضيّتنا وصِدقها.

لك عزيزتي صفا أحلى التحيّات، والحريّة لك ولجميع أسرى الحريّة.

 

"رياضة كرمليّة"

بعد لقائي بخالدة وصفا أطلّت الأسيرة أماني حازم جرادات عبر ممرّ سجن الدامون الكرمليّ بابتسامة طفوليّة متمرّدة أغاظت السجّانة المرافقة، ووجه يشعّ حياة وأمل.

حدّثتني عن دراستها مدرّبة رياضيّة في جامعة الخليل فجاء الاحتلال ليعتقلها عساه يئِد الحلم، فهي شابّة في مقتبل العمر(مواليد 1999) وأصغر من بناتي، حُرمت من الزيارة واللقاء منذ 11 آذار، عدا محادثة يتيمة عابرة في شهر رمضان، وما يخفّف عنها قليلًا أنّ أختها صفا تقطن البرش العلوي في نفس الزنزانة وتدلّعها بطبخاتها الطيّبة.

حدّثتني عن الحياة خلف القضبان، الوضع السيئ في معبار الشارون، الدورات التثقيفيّة، مشروعي التواصلي مع أسرى يكتبون، والنشاط الرياضي الذي تمارسه وتدريب زميلات الأسر.

تحدّثت بلهفة عن الأعمال اليدويّة البسيطة وكم أسعدها أنّها وصلت الأهل.

حدّثتني عن زميلاتها في الأسر؛رغم تفاوت الجيل والثقافة والبعد الجغرافي صِرن عائلة واحدة، يؤلمها البعد عن العائلة والأصدقاء والجامعة، وتؤنسها الجَمعة ورفقة الجامعيّة الخليليّة أناغيم بدر عوض، وأهميّة الصور داخل الأسر حيث يصير لها مذاق آخر في غياب الهواتف الذكيّة والحاسوب.  

حدّثتني بحِرقة عن عزلها الانتقامي من محيطها ومحاولات كسر شوكتها والابتسامة الطفوليّة ملازمة لها وهواء الكرمل الذي تستنشقه تًخزّنه ليزيدها عنفوانًا.

لك عزيزتي أماني أحلى التحيّات، والحريّة لك ولجميع أسرى الحريّة.

تحيّة إجلال من حرائِر الدامون إلى الكلّ الفلسطينيّ.                                                                                   

 

أيار 2021  

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش

[1] الأسيرة خالدة كنعان جرار من رام الله، مواليد 1963، أُعتقلت يوم 31.10.19

 [2] الأسيرة صفا حازم جرادات  من بلدة سعير، مواليد 1997، أُعتقلت يوم 11.03.21.

[3] الأسيرة أماني حازم جرادات  من بلدة سعير، مواليد 1999، أُعتقلت يوم 11.03.21.

 

المصدر: -

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة قدس نت