العقلُ الإسرائيلي يُصدمُ وَوَعْيُهُمُ يُكوَى

بقلم: مصطفى يوسف اللداوي

مصطفى اللداوي
  • بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي

تتوالى الصدمات الإسرائيلية الموجعة تباعاً، فلا يكاد يعي عقلهم صدمةً حتى تنزل بهم أخرى كالصاعقة وتصيبهم ثانية كالقارعة، حتى غدوا كالسكارى ما إن يقفون على أقدامهم حتى يسقطون على الأرض بغير وعيٍ من جديدٍ، فقد أعيتهم الضرباتُ، وأفقدهم الوعيَ كثرةُ السقطات، وهالتهم المفاجئاتُ، ولم يعد باستطاعة أغلبهم الصمود والتحدي، أو المكابرة والإنكار، فقد تغيرت المعادلات وتبدلت التوازنات، واختلفت الوقائع وتباينت المعطيات، ولم يعد تفوقهم هو السائد، وقوتهم هي الأولى، وجيشهم هو المسيطر، وأمنهم هو الأقوى، وذراعهم العسكرية هي الأطول، وسلاحهم هو الأكثر فتكاً والأسرع حسماً، ولم يعد مستوطنوهم هم الأكثر أمناً والأفضل عيشاً، ولا مجتمعاتهم هي الأكثر رخاءً، والأفضل اقتصاداً والأكثر استقراراً.

 

لم يعد الإسرائيليون يستطيعون إخفاء خيبتهم، وستر عورتهم، وضبط أعصابهم، والتظاهر بالقوة والعظمة، وادِّعاء الأمن والغلبة، فقد باتوا يتلقون الضربات تلو الضربات والصفعات والركلات والإهانات والسقطات، ولا يقوون على فعل شيء إزاء مجموع المتغيرات التي باتت تتسلل إلى عقولهم، وتتغلغل إلى قلوبهم، وتفت في عضدهم، وتضعف عزيمتهم، وتفكك إرادتهم، وتوهي حلمهم، وتهز عقيدتهم، وتزعزع إيمانهم، وتنعكس سلباً على سلوكهم، ف"أرض الميعاد" لم تعد حلمهم ولا منتهى آمالهم، ولم تعد هي أرض "المن والعسل"، ولا بلاد الآباء والأجداد، بل هي أرض محشرهم وغيتو تجمعهم، الذي تحيط به الأسوار والجدران من كل مكان، إلا أنه لا يشكل لهم حماية، ولا يجلب لهم أمناً، وإنما يعجل في رسم صورة نهايتهم وزوال كيانهم.

 

فالفلسطيني في أرضه أصبح أقوى وأكثر تجذراً وارتباطاً في أرضه ووطنه، ولم تعد الحروب تقوى على طرده، ولا المجازر تستطيع ترويعه، ولا التهديد ينجح في تخويفه، فلا هروب ولا هجرة، ولا نزوح ولا لجوء، وإنما مقاومةٌ من أجل البقاء، وصمودٌ في مواجهة محاولات الطرد والإقصاء، وتحدي إرادة العدو وفضحه، وكشف عنصريته وفضح عدوانيته، وهم في أرضهم يزدادون عدداً، ويتكاثرون نسلاً، ويتجذرون أصلاً، وقادم الأيام ستجعل منهم الأكثر عدداً والأوسع انتشاراً، وشقهم الآخر في اللجوء والشتات يردفهم ويسندهم، ويؤيدهم ويدعمهم، وهو أكثر وعياً وأعمق فهماً، وأكثر حريةً وأقدر على المقاومة بأشكالها المختلفة، السياسية والقانونية والإعلامية والفكرية وغيرها.

 

ومعركة سيف القدس أوجعتهم وأظهرت ضعفهم، وكشفت عن مكامن العجز عندهم، وعجلت في كي الوعي الواهي عندهم، وأظهرت أن سماءهم مكشوفة وبيوتهم غير مسقوفة، وقبتهم الفولاذية مخرومة، فلا صواريخ تصد، ولا فزعاً تمنع أو هلعاً تدفع، وهي تضر أكثر مما تنفع، وتروعهم أكثر مما تؤمنهم، وتثير أصواتها الفزع فيهم والخوف بينهم كصواريخ المقاومة التي تدفعهم كالخراف الهاربة إلى ملاجئهم، وكالقطعان الخائفة تتخبط وتتصادم، تحسب أن كل صيحةٍ هو الموت يلاحقهم، وقد باتوا يدركون يقيناً أن هذه المعركة ليست إلا صورةً مصغرةً عن الحرب الكبرى والمعركة الخاتم، التي ستفتح فيها كل الجبهات، وستشارك فيها كل القوى، التي تحلم بهذا اليوم وأعدت الكثير له، وتعمل بجدٍ ودون كللٍ للوصول إليه.

 

أدرك الإسرائيليون أن المقاومة الفلسطينية التي يواجهونها مقاومةٌ عنيدةٌ صابرةٌ، قادرةٌ متمكنة، مستقلة حرة، قوية فاعلة، مدربة مؤهلة، تملك قرارها وتنفذ وعيدها، ولا تبالي بحجم تضحياتها، ولا تقعدها غارات عدوها، وقد هالهم قدرتها على قصف مدنهم، واستهداف تجمعاتهم، والنيل من هيبتهم، فصواريخها باتت دقيقة الإصابة بعيدة المدى قوية الأثر، تصيب كل مكانٍ وتهدد كل بقعةٍ في كيانهم، وقيادتها لا تتردد في القصف، ولا تمتنع عن الرد، وقد تمكنت في ظل أحلك الظروف وشدة القصف، أن تمطر المدن والبلدات الإسرائيلية بعشرات الرشقات ومئات الصواريخ، التي لم تتوقف حتى اللحظة الأخيرة من المعركة.

 

استيقظ الإسرائيليون عشية عدوانهم البغيض على قطاع غزة، واعتداءاتهم العنصرية على حي الشيخ جراح وسكانه، ومحاولاتهم المتكررة لتهويد المسجد الأقصى والسيطرة عليه، أنهم باتوا وحدهم لا أحد معهم، فالمجتمع الدولي أخذ ينفض عنهم ويتخلى عن دعمهم، وينأى بنفسه عن سياستهم، والولايات المتحدة الأمريكية انتقدت سلوكهم وعابت قيادتهم، ومارست ضغوطاً عليهم، وإن لم تعلن صراحةً تخليها عنهم، إلا أن تصريحات إدارتها تشير إلى تغييرٍ في خطابها، وغضبٍ في نبرتها، وعدم رضى لدى قيادتها.

 

إنها المقاومة العنيدة والشعب الصابر، والأمة الحاضنة والعمق الداعم، الذين غيروا المعادلات وبدلوا الواقع البئيس إلى واقعٍ جديدٍ، وفرضوا قواعدهم وأرهبوا عدوهم، فنحن اليوم على أعتاب مرحلةٍ جديدةٍ نكوي فيها وعي العدو ولا يكوي وعينا، ونغزوه ولا يغزونا، ونهدد أمنه ولا يهددنا، ونقتحم بلداته ولا يقتحمنا، ونخرج له من جوف الأرض خلف خطوط النار ونباغته، ونقاتله على "أرضه" وبين مستوطنيه، وننقل المعركة إلى قلبه وشماله، وجنوبه وأقصاه، فلا نكتوي بالنار وحدنا، ولا تفتك الحرب بأهلنا، ولا نشرد في أرضنا، ولا نحرم من وطننا، وإنما يذوق العدو بأسنا، وتطاله صواريخنا، حتى يدرك أنها أرضنا وهذا هو وطننا، وأن عليه الرحيل من بلادنا والتخلي عن أوهامه في أرضنا.

 

بيروت في 8/6/2021

[email protected]

المصدر: -

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة قدس نت