الانتخابات الألمانية: مفاجآت لن تغير المعادلات

بقلم: سنية الحسيني

سنية الحسيني
  • د. سنية الحسيني

انتهت الانتخابات الألمانية التي جرت الأسبوع الماضي بنتائج غيرت المعطيات السياسية التي اعتادت عليها البلاد على مدار ١٦ عاماً، بعد أن أزاحت الاتحاد الديمقراطي المسيحي عن صدارة المشهد السياسي، وأعادت الحزب الديمقراطي الاشتراكي للواجهة بعد سنوات عديدة عن غيابه. الا أن ذلك لا يعتبر جديداً على المسرح السياسي الألماني، إذ طالما تبادل الحزبان الرئيسيان مقعد السلطة، ولكن ما يبدو جديداً بعد هذه الانتخابات هو انخفاض شعبية هذين الحزبين لصالح صعود مكانة الأحزاب الصغيرة، فالأحزاب الكبيرة لم تعد كبيرة والصغيرة لم تعد صغيرة تماماً. في مشهد مضطرب، نحاول قراءة ملامحه على الصعيد الداخلي الألماني والخارجي الدولي وعلى مستوى إسرائيل.

 

في السادس والعشرين من أيلول الماضي، أجرت ألمانيا انتخاباتها البرلمانية، التي تعقد كل أربع سنوات. ويحق لـ ٦٠ مليون مواطن التصويت فيها، وبلغت نسبة المشاركة نحو ٧٦ بالمائة، والتي تبقى ضمن معدل المشاركة المعتاد. وبلغ إجمالي عدد الأحزاب المشاركة في الانتخابات ٤٧ حزباً، لم يتخط منهم الا ستة أحزاب نسبة الحسم، المحددة بـ ٥ بالمائة. وفاز في هذه الانتخابات بالترتيب: الحزب الديمقراطي الاشتراكي، والذي يميل باتجاه يسار الوسط، وحصل على حوالي ٢٥ بالمائة من الأصوات، والاتحاد الديمقراطي المسيحي (المحافظ) والذي يميل نحو يمين الوسط، وحصد حوالي ٢٤ بالمائة، وحزب الخضر الذي راكم حوالي ١٤ بالمائة، والحزب الديمقراطي الحر (الليبرالي) وجمع حوالي ١١ بالمائة، وحزب البديل الذي يقع في أقصى اليمين، وحصد ١٠ بالمائة من الأصوات، وأخيرا اجتاز الحزب اليساري الألماني، القابع في أقصى اليسار، بالكاد نسبة الحسم، ودخل البرلمان بعد أن جمع ٥ بالمائة فقط من أصوات الناخبين.

 

عززت نتائج الانتخابات تراجع مكانة الحزبين التقليديين المحافظ والاشتراكي، والذي لم يحقق أي منهما فوزاً حاسماً، فانخفضت نسبة تمثيل الحزب الفائز عن ٣٠ بالمائة، في تبدل غير مسبوق، كما باتت الفجوة بين تمثيل الحزبين الكبيرين بالكاد تظهر. في المقابل، تصاعدت مكانة الأحزاب الصغيرة، التي أصبحت ذات مكانة وقيمة مهمة في المعادلة السياسية، ومن الصعب تجاوزها في تشكيل الائتلاف والحكومة. هذا التبدل الحسابي قد يتيح لأول مرة منذ عام ١٩٥٧ تشكيل حكومة ائتلافية تتكون من ثلاثة أحزاب، بدل حزبين، خصوصاً وأن الحزبين التقليديين معاً بالكاد يمكن لهما أن يحصدا هذه المرة الأغلبية البرلمانية، ناهيك عن عدم رغبتهما أو نيتهما بالتشارك في اطار الائتلاف القادم، وهو ما يبدو حتى الآن.

 

قد يكون التبدل السياسي الذي عكسته نتائج الانتخابات قد نتج عن اقتراب الأجندة السياسية للحزبين التقليديين اللذين باتا يميلان لسياسات الوسط، الأمر الذي خلق أزمة تمثيل في صفوف مؤيدي الحزبين، والذين باتوا يبحثون عن أحزاب جديدة  تجسد مطالبهم اليسارية أو اليمينية. قامت أنغيلا ميركل بسحب حزبها المسيحي نحو اليسار قليلاً، في القضايا الاجتماعية والثقافية، فوافقت، على سبيل المثال، على زواج المثليين، وأدخلت حداً أدنى للأجور، وأنهت الخدمة العسكرية الإلزامية، وقللت من استخدام الطاقة النووية. على الجانب الآخر، بدأ الحزب الاشتراكي يميل نحو اليمين قليلاً، خصوصاً في عهد المستشار غيرهارد شرويدر، الأمر الذي فتح المجال أمام التداخل الأيديولوجي بين الحزبين، والذي تدعم بسبب طول مدة حكم ميركل، التي قادت شراكة الحزبين في إطار ائتلاف بينهما لسنوات عديدة. وتنافس الحزبان التقليديان في الانتخابات الأخيرة تحت شعار سياسة الوسط، التي أرستها ميركل على مدار أكثر من عقد كامل، لدرجة أن وولف شولتز، زعيم الحزب الاشتراكي، قدم نفسه في الانتخابات على أنه خليفتها سياسياً وهو الذي كان نائب ميركل ووزير المالية في الحكومة الائتلافية.

 

كما أن تصويت الشباب في هذه الانتخابات قد يكون قد أثر على نتائجها. فقد صوتوا بشكل كبير لحزب الخضر الذي حصد ٢٢ بالمائة من أصواتهم، وحاز الحزب الليبرالي على ٢٣ بالمائة من أصواتهم. وعلى الرغم من أن التغيير الذي يأمل به تيار الشباب لم يحدث بعد، لكنه في طريقة للحدوث. يأتي ذلك التغير في نتائج الانتخابات أيضاً لصعود حزب البديل اليميني الذي دخل البرلمان أول مرة عام ٢٠١٧، بعد أن حصد ١٣ بالمائة من أصوات الناخبين، وجاء في الأساس للتصدي لسياسات ميركل، خصوصاً تلك التي تعلقت باللاجئين. فقد سمحت ميركل بدخول مليون لاجئ سوري إلى البلاد من بين عامي ٢٠١٥ و٢٠١٦، الأمر الذي لاقى معارضة شعبية كبيرة. ويمكن أن يحصد حزب البديل وحزب اليسار مزيداً من تأييد اليمينيين واليساريين في ألمانيا، في ظل اقتراب أجندات الحزبين التقليديين نحو الوسط.

 

من غير المتوقع أن تخرج الحكومة الألمانية الجديدة إلى العلن قريباً، رغم تمنيات الحزب الاشتراكي بعكس ذلك، فالدستور الألماني لا يشترط مدة محددة لاعلانها. وقد استغرق تشكيل الحكومة الماضية عام ٢٠١٧ ستة أشهر كاملة، بسبب رفض الليبراليين المشاركة في الائتلاف الحكومي إلى جانب الخضر، بقيادة الحزب المسيحي الذي كانت تقوده ميركل، والتي نجحت بتشكيل الائتلاف في النهاية من الحزبين التقليديين. كما يأمل أرمين لاشيت زعيم الاتحاد الديمقراطي المسيحي، خليفة ميركل، بأن يشكل الائتلاف، إذ يسمح الدستور الألماني للحزب الثاني بتشكيل الائتلاف اذا فشل الحزب الأول في ذلك.

 

ويحتاج تشكيل الائتلاف حالياً إلى اتفاق بين حزب الخضر والحزب الليبرالي، وهو ما لم ينجح عام ٢٠١٧، بسبب تضارب الاجندات السياسية. وبينما يميل الليبراليون الذين يمثلون مصالح رجال الأعمال لتخفيض الضرائب عن الأغنياء وأصحاب رؤوس للأموال، يسعى الخضر لتقليصها عن متوسطي الدخل، وزيادتها على أصحاب الثروات، كما أنه وبينما يشدد الليبراليون على التحكم في الإنفاق، يميل الخضر لوضع ميزانيات استثنائية واضافية لمحاربة ظاهرة الاحتباس الحراري وحماية البيئة. وتقترب الاجندة السياسية للحزب الاشتراكي مع الخضر، في اطار الضرائب وزيادة الحد الأدنى من الأجور، ودخل الحزبان بالفعل في حلف نهاية التسعينيات من القرن الماضي في عهد المستشار شرويدر، وهو الأمر الذي يقلق الليبراليين أيضاً. 

 

لم يرسل الليبراليون بعد إشارات إيجابية للمشاركة في الائتلاف القادم تحت قيادة الحزب الاشتراكي، وهم أقرب في توجهاتهم السياسية مع الاتحاد المسيحي، الا أنهم لم يستبعدوا التحالف مع الحزب الاشتراكي. كما أنه ورغم تطلع كل من كرستيان ليندنر زعيم الحزب الليبرالي وروبرت هابيك زعيم حزب الخضر لتقلد منصب وزير المالية، أعلى منصب وزاري في ألمانيا، الا أن هايبك ممكن أن يقبل في النهاية بوزارة الخارجية. إن نجاح الليبراليون والخضر في التوافق هذه المرة سيصب في صالح الحزبين، وتحقيق أهدافهما، للثقل السياسي الكبير الذي حصداه في الانتخابات، والذي من الممكن أن ينعكس أثره في الائتلاف القادم لمصلحتهما، وهو ما لم يكن متوفرا في السنوات السابقة.

 

قربت الانتخابات الألمانية الأخيرة البلاد من واقع الديمقراطيات البرلمانية الأوروبية، التي لا تفوز الأحزاب الكبيرة فيها بأكثر من ٢٥ بالمائة من أصوات الناخبين، ما يضطرها لبناء تحالفات مع أكثر من حزب متوسط أو صغير، والذي ينتج معه تضارب الاجندات السياسية لتلك الائتلافات في أحيان كثيرة، كما يضعف من قوة قائد الائتلاف بشكل عام، وهو أمر لم تعتد عليه ألمانيا منذ خمسينيات القرن الماضي. وقد يكون أهم ما ميزها في السنوات الأخير شخصية مستشارتها ميركل، التي اعتبرها الألمان «أم الأمة» واعتبرتها مجلة التايم الأميركية عام ٢٠١٥ مستشارة العالم الحر بينما نعتتها مجلة فوربس الأميركية عام ٢٠١٧ بلقب أقوى امرأة في العالم. ولا شك أن اختفاء ميركل عن الساحة السياسية الأوروبية عموماً والألمانية خصوصاً سيترك فراغاً محسوساً، وهي التي شغلت منصب المستشار على مدار أربع دورات برلمانية متتالية. وتنازلت ميركل عن منصبها كرئيسة للاتحاد المسيحي منذ عام ٢٠٠٢ بارادتها، في تصرف غير مألوف من قبل، بعد ساعات من تراجع شعبية حزبها في انتخابات ولاية هيسن عام ٢٠١٨، حيث أكدت أنها لن تترشح عن الحزب كرئيسة له بعد ذلك. ومن المعتقد أن خروج ميركل من الحياة السياسية قد ساهم في انخفاض شعبية حزبها بشكل عام. فقد حققت نقلة اقتصادية مهمة لبلادها، وانخفضت نسبة البطالة خلال عهدها لدرجة غير مسبوقة، كما نجحت خلال العامين الأخيرين في التعامل مع وباء كورونا بشكل رفع كثيراً من شعبيتها، رغم انخفاض شعبية حزبها.

 

كما نجحت ميركل على المستوى الإقليمي بتشجيع اندماج الاتحاد الأوروبي، واتخاذ نهج تصالحي مع المجر وبولندا، وتقديمها مساعدات كبيرة في ظل تزايد ديون عدد من الدول الأوروبية وتعرض اليورو للخطر، كما اتخذت موقفاً صلباً من قضية اللاجئين، رغم انقسام الدول الأوروبية حولها، وتبنت برنامج التعاون الاقتصادي للاتحاد للتصدي للاضرار الناجمة عن وباء كورونا. كما قادت لواء تحمل أوروبا مسؤولية الدفاع عن نفسها، وتقليل الاعتماد على الولايات المتحدة. كما كان لها سياساتها المستقلة عن الولايات المتحدة التي بدأتها برفض الانضمام إلى التحالف الذي شكله جورج بوش الابن لضرب العراق، وفي انتهاج سياسات مستقلة تجاه روسيا والصين تختلف عن التي تروج لها الولايات المتحدة.

 

ورغم ذلك ليس من المتوقع أن تتغير التوجهات السياسية للحكومة الألمانية الجديدة سواء جاءت بقيادة الاشتراكيين أو المحافظين، الذين يؤمن كلاهما بالسياسات الوسطية التي أرستها ميركل خلال أكثر من عقد ونصف، وانحاز لها الحزبان. كما أن مكانة ألمانيا أوروبياً لن تتأثر بسبب غياب ميركل، لأنها تستمد من مكانة البلاد المتفوقة بين أندادها الأوروبيين. كما أن المانيا ممثلة بجميع أحزابها تتضامن مع إسرائيل وتعتبر أمنها قضية غير قابلة للنقاش، ولا تؤيد التحقيقات الجارية في المحكمة الجنائية الدولية ضدها، وتعارض حركة مقاطعة الاحتلال «البي دي إس». ورغم رفض ألمانيا لسياسة الاستيطان ومطالبتها بفك حصار غزة وتناسب مستوى القوة في مهاجمتها ودعمها لحل الدولتين، الا أن التزامها بإسرائيل هو قرار مدروس، تبنته جميع الحكومات الألمانية منذ خمسينات القرن الماضي، بسبب مسؤولية ألمانيا عن الهولوكوست، وهو الذي يفسر دعمها اللامحدود المالي والعسكري والاستخباري الأمني والسياسي الدبلوماسي.

المصدر: -

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة قدس نت