هل أسست اتفاقيات أوسلو للانقسام ؟!

بقلم: خالد أحمد

خالد أحمد
  •  خالد أحمد

      مقدمة

فاق حجم التظاهرات الحاشدة التي تزامنت مع أحداث الانتفاضة الفلسطينية الأولى 1987 توقعات كل من إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية ،وفي العام الثاني للانتفاضة         وتحديداً في العام 1988، أعلن الرئيس ياسر عرفات قبوله بقراري الأمم المتحدة (242 و338) اللذين منحا إسرائيل الحق بالعيش في "حدود آمنة ومعترف بها"، ما سمح لها بالاستمرار باحتلال مناطق استراتيجية مهمة في الضفة الغربية ،ومنذ ذلك الوقت واجهت إسرائيل إدانة دولية واسعة بسبب الوسائل التي استخدمتها في قمع المتظاهرين الفلسطينيين مما عرضها لضغوطات خارجية من المجتمع الدولي للبدء بمحادثات سلام مع الفلسطينيين.

وبالفعل قررت إسرائيل وقتها البدء بمفاوضات مباشرة سرية مع منظمة التحرير الفلسطينية في النرويج ،ومن أجل إنكار حقيقة المفاوضات تمت المحادثات جميعها عن طريق مؤسسة فافو FAFO، وهي مؤسسة أبحاث نرويجية تابعة لحزب العمال النرويجي.

وخلال مؤتمر مدريد للسلام عام 1991 والذي سبق اتفاقيات أوسلو والمباحثات التي جرت في العام التالي في العاصمة الأميركية واشنطن، ركز الوفد السياسي الفلسطيني كل جهوده على مناقشة إنهاء بناء المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية وقطاع غزة، ولكن في أوسلو همشت إسرائيل القضايا الأساسية المهمة، بما فيها (المستوطنات والقدس واللاجئين والحدود والأمن ) وأجلتها للمفاوضات النهائية ؛ فقد كان الإسرائيليون واضحين في سلوكهم وتصرفاتهم بأنهم سوف يتحدثون، ربما لعشرين عاماً قادمة ، فلا يعنيهم الأمر كثيراً كما قال الراحل "د. أنيس فوزي قاسم" خبير القانون الدولي .

وفي 13 سبتمبر عام 1993، وقعت الحكومة الإسرائيلية ومنظمة التحرير الفلسطينية اتفاقاً سمي اتفاق إعلان المبادئ، الهدف الأساسي منه الوصول إلى حل سلمي للصراع الفلسطيني الإسرائيلي ،وأُعتبر الاتفاق خطوة عظيمة خاصة بعد عمليات التطهير العرقي التي ارتكبتها إسرائيل لاقتلاع الشعب الفلسطيني من وطنه، سواء بالقتل أو التهجير القسري.

وعند توقيع اتفاقيات أوسلو اعترفت منظمة التحرير الفلسطينية بإسرائيل على ما مجموعة  78% من أرض فلسطين مقابل اعتراف إسرائيل بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثل شرعي للشعب الفلسطيني ،وليس مقابل الاعتراف بالضفة الغربية وقطاع غزة بأنها أراضٍ محتلة يجب أن تقام عليها الدولة الفلسطينية المنشودة ،والتي تشكلان فيما بينهما 22% من إجمالي مساحة فلسطين التاريخية وهنا كانت الخطيئة الكبرى .

بينما أعتقد كثيرون في حينه أن هذه الخطوة قد تؤدي للتوصل إلى حل سلمي للصراع الفلسطيني الإسرائيلي، لكن ما حدث خلال المفاوضات التي لحقت توقيع الاتفاقيات على مدى 20 عاماً، أثبت أن هذه الخطوة كانت فقط عبارة عن وسيلة تستخدمها إسرائيل كذريعة لمواصلة بناء وتوسعة المستوطنات الإسرائيلية على الأراضي الفلسطينية التي احتلتها عام 1967.

وعلى الرغم من أن اتفاقية أوسلو وقعت في البيت الأبيض وبحضور الرئيس بل كلنتون  إلا أنها اكتسبت اسم العاصمة النرويجية لأنها المكان الذي جرت فيه المفاوضات السرية التي سبقت توقيع الاتفاق ،ولم يكن اتفاق أوسلو أو اتفاق إعلان المبادئ معاهدة سلام، بل كان وسيلةً لوضع ترتيبات الحكم المؤقتة ،وإطاراً لتسهيل مفاوضات لاحقة للتوصل لمعاهدة نهائية أواخر عام 1999،وكان من المفترض أن تستمر صلاحية اتفاقيات أوسلو لمدة خمس سنوات فقط ولكن بعد مرور عقدين ونصف من الزمن، لم يتم التوصل لأي تقدم يذكر.

وخلال المحادثات السرية عام 1993، انتهزت إسرائيل المكانة الضعيفة لمنظمة التحرير الفلسطينية التي وصلت إليها بعد حرب الخليج. فقد أعلنت المنظمة خلال الحرب دعمها للعراق في مواجهة الكويت والبلدان الغربية، ما أضعف موقف المنظمة بعد هزيمة العراق عام 1991 ، ودخل الرئيس ياسر عرفات مرحلة المفاوضات مع إسرائيل بموقف ضعيف، ودون دعم خارجي.

وقد نصت اتفاقيات أوسلو على نقل سلطة المدن والبلدات الفلسطينية في الضفة الغربية المحتلة وقطاع غزة المحتلين من الجيش الإسرائيلي إلى السلطة الفلسطينية التي تشكلت حديثاً في ذلك الوقت، وهي عبارة عن هيئة انتقالية تشرف على الشؤون الأمنية الداخلية والإدارية في تلك المناطق. ونتجت عن مفاوضات أوسلو اتفاقية ثانية وقعت عام 1995. نصت هذه الاتفاقية على تقسيم الضفة الغربية المحتلة إلى ثلاث مناطق غير متجاورة: المنطقة أ والمنطقة ب والمنطقة ج وبالإنجليزية اطلق عليها A.B.C .

وتشكل المنطقة( أ ) 3% من أراضي الضفة الغربية المحتلة، وتوسعت لاحقاً لتصل إلى 18% عام 1999 ،وتسلمت السلطة الفلسطينية معظم شؤون المنطقة ( أ ) بما فيها الأمن الداخلي ولكن ذلك لم يعد يطبق  بعد ما سمي عملية السور الواقي في العام 2002 والتي اجتاح فيها جيش الاحتلال كافة المدن الفلسطينية .

وضمت المنطقة ( ب ) قرابة 21% من أراضي الضفة الغربية المحتلة، وتسلمت السلطة الفلسطينية شؤون التعليم والصحة والاقتصاد في هذه المنطقة ( الأمور المدنية ) بينما  أبقت إسرائيل الأمن الخارجي في يدها في هاتين المنطقتين، بمعنى أن باستطاعة القوات الإسرائيلية دخولهما في أي وقت كان لتنفيذ عمليات اعتقال أو حتى اغتيال ،وهو ما يطلق عليه (المطاردة ساخنة ).

 

أما المنطقة ( ج ) والتي تضم 61% من أراضي الضفة الغربية المحتلة ،وحسب اتفاقيات أوسلو، فمن المفترض أن تتسلم السلطة الفلسطينية شؤون هذه المنطقة، لكن فعليّاً تتحكم إسرائيل بجميع شؤونها بدئاً بالأمن وانتهاءً بالتخطيط العمراني والبناء، وهذا يعني أن عملية نقل السلطات في هذه المنطقة للسلطة الفلسطينية لم تتم بالمطلق ،وعلى سبيل المثال لو أرادت الشرطة الفلسطينية الدخول إليها لفض مشاجرة بين عائلتين يجب عليها أن تتقدم بتنسيق مسبق لسلطات الاحتلال .

وقد أثارت الاتفاقيات التي وقعت بين ياسر عرفات وإسحاق رابين عامي 1993 و1995 الجدل في أوساط الفلسطينيين والإسرائيليين فعلى الرغم من التنازلات الغير مسبوقة التي قدمها الطرف الفلسطينية إلا أن اليمين الإسرائيلي عارضها لاعتقادهم أنها وقعت مع منظمة إرهابية بالرغم من أن ياسر عرفات أعلن مسبقاً نبذه للإرهاب ،وتشكلت مخاوف لدى المستوطنين الإسرائيليين بأن سياسة الأرض مقابل السلام التي وافق عليها رابين ستؤدي إلى إخراجهم من الأرض التي طالما اعتبروها حقهم التاريخي، بالرغم من قرارات الأمم المتحدة التي نصت على عدم شرعية المستوطنات الإسرائيلية، كونها تخالف القوانين الدولية المعترف بها.

أما بالنسبة للفلسطينيين، فقد اعتقد أولئك الذين أيدوا اتفاقيات أوسلو أنها اتفاقات تسوية يمكن أن تؤدي في النهاية إلى سلام بين الطرفين، فقد أيدت حركة فتح كبرى فصائل المنظمة اتفاقيات أوسلو، بينما عارضتها فصائل أخرى من داخل المنظمة نفسها        كالجبهات الشعبية والديمقراطية والقيادة العامة وغيرها ؛ أما الفصائل الغير منضوية تحت مظلة المنظمة مثل حركة حماس والجهاد الإسلامي فقد عارضتا الاتفاقيات محذرة من أن حل الدولتين سيقضي على حق اللاجئين الفلسطينيين بالعودة لأراضيهم التي سلبت منهم خلال نكبة عام 1948 ، كما عارضها قادة كبار في حركة فتح من بينهم لا الحصر الراحلين هاني الحسن وعثمان أبو غربية ؛ كما رفض هذه الاتفاقيات شخصيات وطنية بارزة كالشاعر محمود درويش والمفكر الكبير البروفسور إدوارد سعيد الذي وصف أوسلو في احد المقابلات التلفزيونية قبل رحليه بانه تجميل للاحتلال ،ويعتقد كثيرون أن إسرائيل وحدها هي الطرف المستفيد من المفاوضات منذ بدئها عام 1993 حيث واصلت بناء المستوطنات الإسرائيلية على أراضي الضفة الغربية المحتلة فتزايدت أعدادها أكثر من ثلاثة أضعاف عما كانت عليه، وحققت معدلات نمو سكاني غير مسبوقة.

في الختام

على الصعيد الفلسطيني الداخلي ضرب اتفاق أوسلو إسفينا في العلاقة الشائكة بين الفصائل الفلسطينية في ظل اختلاف البرامج والرؤى والأيديولوجيات وحتى أدوات المقاومة، وفق محللين فلسطينيين فقد حملت اتفاقية أوسلو في طياتها بذور الانقسام، فقد نصت على أن "الوقت قد حان لإنهاء عقود من المواجهة والنزاع، والاعتراف بحقوقهما (الفلسطينيين والإسرائيليين) المشروعة والسياسية المتبادلة".

وفي الوقت الذي حصلت فيه إسرائيل على الاعتراف بها، فإن الحقوق الفلسطينية لم يجري الاعتراف بها ،ولم تقم الدولة الفلسطينية ،ولم ينتهِ الصراع ،وقبل أوسلو لم يكن الفلسطينيون على قلب رجل واحد، بل "الانقسامات كانت حاضرة فكريا وأيديولوجيا وحتى في الوسائل النضالية" وفق نعمان عمرو المحلل السياسي والأكاديمي بجامعة القدس المفتوحة ،ويضيف "كنا منقسمين من ناحية فكرية ومن ناحية نضالية قبل أوسلو، لكن من تجليات الاتفاقية أنها عملت على تطبيق ما كان في رؤوسنا"

وبعد أكثر من ربع قرن على توقيع الاتفاقية، يُحمّل عمرو الاحتلال مسؤولية موت "المرحلة الانتقالية" ،والمحددة بمدة خمس سنوات في الاتفاقية، بل والوصول إلى أسوأ منها بعد أن بات الفلسطينيون في كيانين منقسمين.

 

المصدر: -

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة قدس نت