مقتل شيرين ابوعاقلة فى ميزان العدالة الدولية

بقلم: ناجى احمد الصديق

ناجى احمد الصديق الهادى.jpg
  • د. ناجى احمد الصديق الهادى  المحامى  السودان

ليس من اليسير على المهتمين بالقضاء الجنائي الدولي الوصول الى إجابات حاسمة وسريعة فيما يتعلق بقواعد الاختصاص والمقبولية للمحكمة الجنائية الدولية على الانتهاكات التى ترتكب على قواعد القانون الدولي الانسانى فى الصراعات المسلحة  . ولهذا فان الأمر سيستغرق بعض الوقت  وسيحتاج الى بعض الجهد للوصول الى اختصاص المحكمة من عدمه لتلك الانتهاكات.

على هدى من هذا النظر نريد اليوم فتح مسار بحثى قصير لمعرفة إن كان مقتل الصحفية شيرين ابوعاقلة اثناء تغطيتها لاقتحام الجيش الاسرائيلى لمدينة جنين جريمة دولية تقع تحت اختصاص المحكمة الجنائية الدولية ومن ثم هل تصل ولاية المحكمة الى محاكمة فاعليها .

من الثابت ان الصحفية شيرين ابوعاقلة  قد قتلت بالرصاص إثناء اقتحام جيش الاحتلال الاسرئيلى لمدينة جنين وهى تقوم بتغطية ذلك الحدث صحفيا ومن المرجح بحسب ما تؤكده روايات شهود ذلك الحدث ان احد جنود الاحتلال هو من قام بإطلاق ذلك الرصاص وبافتراض ثبوت ذلك ما هى حظوظ المحكمة الجنائية الدولية فى بسط ولاياتها على تلك الجريمة ؟  

نبادر أولا ونقول بان المحكمة الجنائية الدولية هى هيئة دولية مستقلة تقوم بمحاكمة المتهمين الذين يرتكبون الجرائم التى تنتهك قواعد القانون الدولي الانسانى والمنصوص عليها فى نظامها الاساسى .وعلى هذا فان السؤال الاول والذى يحدد مسار المحكمة هو هل يمثل قتل شيرين جريمة دولية منصوص عليها فى النظام الاساسى للمحكمة ومن ثم تصبح المحكمة الجنائية الدولية مختصة نوعيا بها ؟

من ضمن الجرائم التى نص عليها النظام الاساسى للمحكمة الجنائية الدولية هى جريمة الحرب  فقد نصت المادة الثامنة من النظام الاساسى للمحكمة الجنائية الدولية على ان يكون للمحكمة (الاختصاص فيما يتعلق بجرائم الجرب ولا سيما عندما ترتكب فى خطة  او سياسة عامة وفى إطار عملية ارتكاب واسعة النطاق لهذه الجرائم .....  وتشمل خرق اتفاقيات جنيف المتعلقة بقوانين الحرب وحقوق الأسرى والرهائن  والهجوم عمدا على السكان المدنيين اثناء الحرب  ) وبالرجوع الى اتفاقيات جنيف لسنة 1949 نجد ان الاتفاقية الرابعة المتعلقة بحماية المدنيين تنص فى المادة 4 منها على ان الأشخاص الذين تحميهم الاتفاقية هم أولئك الذين يجدون أنفسهم فى لحظة ما وبالا وسيلة كانت فى حالة قيان نزاع  او احتلال تحت سلطة طرف فى النزاع ليسو من رعاياه اودولة احتلال ليسو من رعاياها

من كل ما قدمنا نجد ان كل الأشخاص المدنيين الذين لا شأن لهم بالنزاع والذين يجدون انفسهم تحت رعاية دولة احتلال فانهم  مشمولون بحماية القانون الدولي الانسانى ولهذا فان افعال القتل التى تقع عليهم فى ظل ذلك الاختلال ومن جنوده فإنها تشكل انتهاكا لقواعد القانون الدولي الانسانى وبالتالي وبحسب النظام الاساسى للمحكمة الجنائية الدولية فانها تشكل جريمة حرب تقع فى دائرة اختصاص المحكمة النوعي

فيما يتعلق بالاختصاص المكاني للمحكمة الجنائية الدولية فقد نصت المادة الثانية من النظام الاساسى للمحكمة على ( ان للمحكمة ان تمارس سلطتها ووظائفها على النحو المنصوص عليه فى هذا النظام الاساسى فى إقليم دولة طرف ...) وبما ان دولة فلسطين قد وقعت على النظام الاساسى للمحكمة الجنائية الدولية فهى قد أصبحت دولة طرف وللمحكمة الجنائية الدولية ممارسة سلطتها فى أراضيها ومن بين تلك الاراضى مدينة جينين التى وقعت فيها الجريمة

فيما يتعلق بقواعد الاختصاص الاجرائى والكيفية التى تحال بها الدعوى الى المحكمة الجنائية الدولية نجد ان الفقرة الأولى من المادة 13 قد نصت على الاتى ( اذا أحالت دولة طرف الى المدعى العام وفقا للمادة 14 حالة يبدو فيها ان جريمة اواكثر من هذه الجرائم قد تم ارتكابها)

نخلص مما تقدم ان جريمة اغتيال شيرين ابوعاقلة تعتبر جريمة دولية فيها انتهاك واضح للقانون الدولي الانسانى  ممثلا فى اتفاقيات جنيف لسنة 1949م وخاصة الاتفاقية الرابعة المتعلقة بحماية المدنيين اثناء النزاع كما ان قواعد الاختصاص المقبولية تعطى الحق للمحكمة الجنائية الدولية فى فبول دعوى مقتل شيرين ابوعاقلة خاصة وان الجيش الاسرائيلى قد أعلن عدم فتح تحقيق فى الجريمة  مما يؤكد عدم القدرة او  عدم الرغبة فى من جانب دولة الاحتلال فى التحقيق فى الجريمة وتقديم مرتكبيها للعدالة وهو شرط من شروط قبول الدعوى أمام المحكمة الجنائية الدولية على اعتباره قضاءا تكميليا لا تتأكد سلطته الا بعد إعلان الدولة التى ينتمي إليهم المتهمين رفضهم إجراء التحقيق اللازم او إجراء تحقيقا صوريا لحماية المتهمين من المساءلة

يجب على القضاء الجنائي الدولى إن يقدم لنا دليلا على نزاهته واهتمامه بملاحقة المجرمين الذين ينتهكون قواعد القانون الدولي الانسانى وذلك بفتحه تحقيقا مستقلا وشفافا فى مقتل شيرين ابوعاقلة ومحاسبة كل من يثبت تورطه فى هذه الجريمة  . كما عليه ان يغير الصورة التى ترسخت فى ذاكرة العرب والمسلمين وكل أحرار العالم بان دولة اسرائيل لا تخضع كما يخضع غيرها لإحكام القوانين الدولية وانها دولة فوق القانون وفوق النظام 

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة قدس نت