إضاءة على قرار المدعى العام للمحكمة الجنائية الدولية بفتح تحقيق شامل فى الاراضى الفلسطينية

بقلم: ناجى احمد الصديق

ناجى احمد الصديق
  • بقلم \ ناجى احمد الصديق    المحامى    

بخطوة متقدمة وجرئية أعلنت المدعى العام للمحكمة الجنائية الدولية فتح تحقيق شامل بخصوص جرائم حرب محتملة ارتكبت فى الاراضى الفلسطينية ، وقالت بنسودا ان جرائم ارتكبت او ترتكب فى الضفة الغربية التى تحتلها اسرائيل والقدس الشرقية وفى قطاع غزة .

لم يكن معهودا من المنظمات الدولية وساءا المستقلة منها او التابعة لهيئة الأمم المتحدة ان تقوم من تلقاء نفسها بإصدار قرارات معادية لدولة إسرائيل ، بل لم يكن معهودا ان تقوم تلك المؤسسات بالانحياز ضد اسرائيل حتى فى القضايا التى تكون مجبرة على مناقشتها وإصدار قرارات بشأنها ولقد رأينا كيف هو سلوك مجلس الامن ومجلس حقوق الإنسان تجاه إسرائيل كما رأينا كيف هى نظرة لجان تقصى الحقائق الدولية تحاه القضايا العديدة التى كانت مختصة بإصدار قرارات فيها

هى اذن خطوة متقدمة وجرئية ، ليست لانها يمكن ان تؤدى الى إدانة إسرائيل فى نهاياتها فذلك أمر صعب المنال ولكنها مزلزلة للكيان الاسرائيلى من جهة ضرب المصداقية الزائفة التى يتمظهر بها السلوك الاسرائيلى تجاه قضايا الانتهاكات الجسيمة لحقوق الانسان من ناحية وكشف لمسارات الكذب والخداع  التى تنتهحها إسرائيل كمبدأ وتداوم عليها كمنهج حتى أيقنت ان العالم يصدقها هى، ويكذب ام عينيه.

بنظرة قانونية على حيثيات ذلك القرار يتضح لنا ان المدعية العامة باتت على قناعة شخصية بان قوات الاحتلال الاسرائيلى قد قامت بارتكاب انتهاكات جسيمة لقواعد قانون حقوق الإنسان وقواعد القانون الدولى الانسانى وذلك بدعوتها الصريحة للسلطة الفلسطينية للانضمام الى النظام الاساسى للمحكمة عقب اعتمادها رسميا كدولة مراقب فى هيئة الأمم المتحدة ، هذه القناعة لا تحتاج سوى تأطيرها فى نظام قانونى سليم من النواحي الإجرائية والموضوعية حتى تتمكن من احكام حلقات القبض على زمام المبادرة واخذ الاسرائليين الذين قاموا بارتكاب جرائم ضد القوانين الإنسانية الى ساحة التحقيق فى المحكمة الجنائية الدولية

بالرجوع الى الوراء للبحث فى مسارات العدالة الدولية التى ظل ينادى بها الفلسطينيين نجد ان دولة فلسطين قد قدمت اول مرة فى عام 2009م طلبا الى المحكمة الجنائية الدولية تعلن فيه موافقتها على قبول اختصاص المحكمة لنظر الجرائم التى تقع على أراضيها وذلك وفقا لنص المادة 12\3 من النظام الاساسى للمحكمة الجنائية الدولية ولكن ذلك الطلب قد اصطدم بعدم وجود عضوية لدولة فلسطين فى هيئة الامم المتحدة ، ثم أعادت الكرة مرة أخرى بعدما تم اعتمادها كعضو مراقب فى الامم المتحدة وقدمت طلبا آخر للانضمام الى النظام الاساسى للمحكمة فى عام 2014م وتم قبولها كعضو بالنظام الاساسى للمحكمة الجنائية الدولية وأصبحت دولة طرف فى ذلك النظام وتم قبول طلبها بفبولها لاختصاص المحكمة الجنائية الدولية على الجرائم التى تختص بها المحكمة وتقع فى أراضيها وعليه أصبحت دولة فلسطين تتمتع بما نصت عليه المادة 12\3 بقبول اختصاص المحكمة وما نصت عليه المادة 13\3 بصلاحيتها بتقديم طلب إحالة اى نزاع دائر على أراضيها الى المحكمة للتحقيق فيه .

لا يمكن ان تقوم المدعى العام للمحكمة الجنائية الدولية بإصدار قرار بفتح تحقيق شامل دون ان تكون قد استندت الى حيثيات قوية من الوقائع والقانون تمكنها من المدافعة عن قرارها خاصة فيما تتوقه من معارضة عنيفة من دولة اسرائيل وحليفتها الولايات المتحدة  

وبالرجوع الى النظام الاساسى للمحكمة الجنائية الدولية نجد ان الفقرة الثانية من المادة الرابعة نصت على اختصاص المحكمة بممارسة وظائفها فى اقليم اى دولة The state party  ودولة غير طرف ولكنها ارتضت اختصاص المحكمة بموجب اتفاق خاص  وقد أوضحت ذلك المادة 12 من النظام الاساسي المتصلة بالشروط المسبقة لممارسة الاختصاص والتى أشارت الى ان الدولة التى تصبح طرفا فى هذا الاتفاق الاساسى تقبل بذلك اختصاص المحكمة فيما يتعلق بالجرائم المنصوص عليها فى المادة 5 ، اما اذا أحالت دولة طرف او باشر المدعى العام صلاحياته بالتحقيق فى جريمة من تلقاء نفسه فان ذلك لن يتحقق الا اذا كانت الدولة التى وقع على اقليمها السلوك طرفا فى النظام الاساسى للمحكمة .

تضمنت المادة 15 من النظام الاساسى للمحكمة الجنائية الدولية الصلاحية المخولة للمدعى العامة بمباشرة التحقيقات من تلقاء نفسه بناءا على معلومات تلقاها من مصادر موثوق بها ودون الحاجة الى تلقى طلب احالة من من قبل مجلس الأمن او دولة طرف وقد تميزت مفاوضات روما قبل توقيع الاتفاق بتباين شديد حول هذه النقطة فالاتجاه الأول والذى تزعمته الولايات المتحدة والصين يقضى بالاقتصار على الطلبات المحالة من الدول الاطراف ومجلس الامن لممارسة المحكمة لاختصاصاتها فى حين نادت مجموعة الدول الاخرى بمنح المدعى العام الحق فى فتح تحقيق من تلقاء نفسه بناءا على المعلومات التى يتلقاها من مختلف المصادر الموثوق فيها ليستقر الأمر على تبنى الاتجاه الثانى .

فى البيان الذى أصدرته المدعية العامة بخصوص الطلب الذى قدمته دولة فلسطين بخصوص الحالة فى فلسطين منذ 13\حزيران \ يونيو 2014م  أوضحت المدعية العامة بانها وعملا باحكام المادة 45 من النظام الاساسى أبلغت رئاسة المحكمة بهذه الاحالة  ،ومنذ 16 كانون الثانى \يناير 2015م  تخضع الحالة فى فلسطين  لدراسة اولية للتأكد من استيفاء معايير الشروع فى التحقيق ، كما أوضحت ان هذه الدراسة قد احرزت تقدما كبيرا وستواصل اتباع مسارها الطبيعى مسترشدة بدقة متطلبات نظام روما الاساسى  

هذه هى مسارات القانون فى حيثيات قرار المدعية العامة بفتح حقيق فى فلسطين وهى مسارات كانت كلها فى اتجاه صحيح حسب المعايير التى وضعا النظام الاساسى  للمحكمة الجنائية الدولية وليس لاحد فى اسرائيل ان يتزرع بعد هذا بان دولة اسرائيل ليست مصادقة على النظام الاساسى للمحكمة الجنائية الدولية فهذه حجة مستهلكة لا يدفع بها الا من قلت حيلته فى مواجهة استحقاق العدالة الدولية .

من حيث الوقائع فان المدعية العامة للمحكمة الجنائية الدولية لن تجد كبير عناء فى معرفة الوقائع التى تشكل جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية فى الضفة والقطاع والقدس ، فدولة اسرائيل كانت تفعل كل شىء لمواجهة المقاومة المسلحة فى فلسطين فهى قد قتلت الآلاف من النساء والرجال والاطفال وهى قد دمرت آلاف المنازل والمشافى ودور العبادة ، وهى قد قامت بلاعتقال مئات الأطفال .. نعم هى فعلت كل شىء  يمكن ان يشكل اساسا قويا لانتهاكات غير مسبوقة لقواعد القانون الدولى الانسانى ، وارتكبت كل جريرة يمكن ان تقود قادتها الى ساحة المحكمة الجنائية الدولية  لانها كانت تعتقد انها فوق القانون طالما انها فى حماية الولايات المتحدة الامريكية  التى يتباهى واحد من صقور الحرب فيها وهو جون بولتون  بالقول ان القانون الدولى انشأ ليتشدق به الضعفاء لهذا فيجب ان لا نأخذ به حتى ولو كان فى صالحنا لكى لا يحتج به علينا الاخرين.

هذه واحدة من الفرص النادرة التى تتيحها الاقدار لهذا يجب على كل العرب والمسلمين الدفع بقوة فى اتجاه مساندة هذا التحقيق ، فقد راينا كيف كان هول الصدمة لدى قادة اسرائيل   وما صدر عن القائد الاكبر لعمليات انتهاك القانون الدولى الانسانى (بنيامين ناتنياهو) خير دليل على ان موجبات العدالة التى يتحاشاها الاسرائيلييون هى وحدها التى تضعفهم ، وان مواضعات السياسة هى وحدها  التى تقويهم ، وان الطرق الدائم على ابواب الحرية سيجد فى نهاية الامر من يعطيه اذنه ... بل كلتا اذنيه

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة قدس نت