على صفيحٍ ساخن

بقلم: الأسير كميل أبو حنيش

كميل أبو حنيش.png

الأسير/ كميل أبو حنيش
 
الحلقة الثانية:

  اشتباكٌ تاريخيٌ مفتوحٌ

يخوضُ الشعب الفلسطيني، منذ ما يربو على مئةٍ وثلاثين عاماً، كفاحاً طويلاً ومريراً وشاقاً، ضد المشروع الاستعماري الاستيطاني الامبريالي الصهيوني في المنطقة العربية. ذلك المشروع الذي أحرز نجاحات وانجازات متواصلة ومتراكمة منذ أن تصوره مهندسو هذا المشروع، وحتى يومنا هذا، وليس بمقدورنا القفز عن تلك الإنجازات أو تجاهلها أو الاستهانة بها، ولا يكفي كراهيتنا للوجود الصهيوني على أرضنا أو رفضنا المبدئي لهذا الوجود، أو حتى مقاومته، من دون فهم آلياته ودوافعه وطبيعته وارتباطاته واستراتيجياته، وعوامل قوته ونقاط ضعفه...الخ، وإلا فإننا سنظل نحصد الإخفاقات تلو الإخفاقات. فلقد هيمنت على الكفاح الفلسطيني في مختلف محطات الصراع، رؤىً وتصورات رومانسية حالمة وغيبية، وكأن التاريخ يسير بصورةٍ جبريةٍ مقدرةٍ سلفاً، وفي سياقٍ واحد، من دون تعرجاتٍ. تلك التصورات التي كانت توقعنا في مصيدة تصوير الهزائم على أنها انتصارات، مع الاستهانة بقدرات العدو وانجازاته على الأرض، حتى بات من المتعذر علينا رسم تصورٍ لكيفية هزيمته، أو على الأقل، لحجم اندفاعه، وحرمانه من التمتع بانتصاراته.

ورغم ما يعتري التجربة الثورية الفلسطينية من أخطاء، واشكاليات واخفاقات، غير أنها تظل تجربة ثورية عنيدة وثرية وعريقة وملهمة، وكان لها شرف التصدي للغزوة الصهيونية، وتقديم النموذج في كلِ محطة، بدءاً بمقاومة الفلاح الفلسطيني البسيط لطلائع المستعمرين، في قرية ملبس عام 1878، ومروراً بسلسلة الهبات والانتفاضات والثورات، التي تقُدر بالعشرات منذ ذلك التاريخ، وليس انتهاءً بتنامي حالة المقاومة في الأراضي الفلسطينية، في الآونة الأخيرة، وهو ما يسمح لنا بالقول "أن شعبنا يخوض اشتباكاً تاريخياً مفتوحاً وبطولياً ومعجزاً متحدياً أعتى وأخطر غزوة استعمارية عرفتها المنطقة".

إن الإرادة الفلسطينية المقاتلة، تنبع من التجربة الفلسطينية التاريخية في مقاومة الغزوات، ومن ارتباط شعبنا بوطنه التاريخي، ومن تجربته الحضارية والروحية التي تَشكّلت منذ آلاف السنين، ومن تشبثه بحقه في الحياة والوجود، وهو ما يُفسر قدرته على البقاء، ومجابهته لكلِ وسائل الطمس والإبادة والإلغاء والاقتلاع.

إن الزمن الفلسطيني المنكوب، والمبتلي بالمشروع الصهيوني وممارساته العدوانية، لا يمكن لهذا الزمن إلا أن ينتج موجاتٍ وهباتٍ ثوريةٍ غير منقطعةٍ عن سياقها الثوري الشامل والمشتبك على الدوام، بصرف النظر عن الأمزجة والإرادات الذاتية، أو عن ترهل ووهن النخبة الحزبية والقيادية في كل محطةٍ من محطات الصراع؛ فحالة الاشتباك مع المشروع الصهيوني غير خاضعةٍ لإرادةِ وأمزجةِ القادة ولا الفصائل، وإنما تنبع من حالة الصراع وشروطها، والقوانين الموضوعية التي تحكمها. تلك القوانين الكامنة في طبيعة المشروع الصهيوني العدواني التوسعي التي لا تسمح بمهادنته أو إجراء أيةِ مصالحة تاريخية معه.

يدرك شعبنا بوجدانه العميق، مخاطر وعدوانية المشروع الصهيوني على الوجود الفلسطيني، ومن الواضح أنه أدرك استحالة إبرام مصالحة تاريخية مع دولة الكيان، في ظل اختلال موازين القوى لصالح العدو. فقد أظهرت ثلاثة عقود من عملية التسوية، أوهام التشبث بالسلام، وفداحة انتظار ما ستُسفر عنه التَحوّلات والتطورات في الساحات "الإسرائيلية" والإقليمية والدولية.

وإذا كانت الظروف الموضوعية مجافيةً تماماً، وإذا كان العامل الذاتي المُعبّر عنه بحالة السلطة والفصائل التي تعيش حالة من الترهل والضعف والعجز والانقسام. وإذا كان الشعب الفلسطيني يعيش حالة من الإحباط، ويشهد بعض مظاهر التفكك والانحطاط؛ فإن كل ذلك لا يمنع من استمرار حالة الاشتباك متعددة أشكال الكفاح، بل ويمكننا القول أن حالة الاستعصاء القائمة، التي من شأنها أن تَحدّ من إمكانية اندلاع انتفاضة شاملة، قد تكون هي ذاتها الحالة، التي قد تدفع اتجاه انفجار الأوضاع، على نحوٍ لا يمكن تخيله أو التنبؤ بشكله ومساراته.

بعبارةٍ أخرى، قد تسمح هذه الحالة المُعقدة، ببروز ظواهر جديدة لم تعرفها التجربة الثورية الفلسطينية، من ناحية الشكل والمضمون، تنطلق بالأساس من الجماهير الشعبية غير المنظمة، وقدرتها على ابتداع وسائل جديدة في العمل المقاوم، وتنخلق حالة من التحدي للاحتلال وتضع السلطة والفصائل في وضعٍ حرج، يصعب على الجميع احتوائه، أو امتطاء موجته، أو حتى القدرة على مسايرته أو الاشتراك في تحديد مساراته، كما كان عليه الحال إبّان الانتفاضتين، الأولى والثانية.
إن اللحظة الثورية الراهنة، تنطوي على عددٍ من الخصائص والسمات، وحتى المفارقات. أول هذه الخصائص أنها لحظة متصلة تماماً بالسياق التاريخي المقاوم لشعبنا، وليست خاضعة لمؤثرات خارجية، إنما هي ابنةٌ شرعيةٌ وطبيعيةٌ للزمن الفلسطيني الثائر في كلِ محطةٍ.

ولعل أبرز ما يميز هذه اللحظة عن باقي اللحظات الثورية السابقة، أنها تأتي في مرحلةٍ تشهد انحطاطاً ووهناً على كافة الأصعدة: الوطنية والعربية والعالمية، وتشهد سخطاً شعبياً كامناً وظاهراً على حالة التردي والعجز والضعف الذي تشهده الساحة الفلسطينية. أي أنها تأتي نتاجاً لحالة الضعف السائدة، ولا ترتكز على أيةِ قواعد صلبة ومتماسكة وتستمد حيويتها وتناميها من حالة الجمود الراهنة. أي أن عوامل قوتها كامنة في ضعفها.

وثاني هذه الخصائص أنها منفلتة العقال، من أيةِ مرجعيةٍ تنظيمية من شأنها أن تحد من فعاليتها وحركتها، ومن أيةِ مرجعيةٍ فكريةٍ أو سياسةٍ، قد تحد لها خطابها، أو حدودها، أو آفاقها، أو مواقعها، وربما سنشهد ولادة ظواهر سائلة التنظيم، وأخرى صلبة البنيان، وإن لم تلتقط الفصائل الوطنية زمام المبادرة مبكراً؛ فإنه قد يفوت الأوان على احتواء بعض الظواهر السلبية التي ستسعى لإيجاد موطئ قدمٍ لها في الساحة، متسترة بالعباءة الوطنية، ومستغلة حالة الفوضى العارمة، التي قد تنشأ نتيجة للتفكك والضعف في  البنى التنظيمية التقليدية.

وثالثها، العفوية والارتجال والسرعة في الحركة والقرار والانضباط، وهو ما يعني السرعة في عملية تَشكّلها، وكذلك في تفككها وإعادة تَشكّلها من جديد، والخفة والارتجال في تنفيذها لمهماتها الكفاحية، وهذه العملية من شأنها أن تُسّهل على العدو في ضربها أو تفكيكها. وفي ذات الوقت سيشق عليه القدرة على ضبطها وحصارها والاجهاز عليها بالكامل، لانها ستكون سريعة الظهور والاختفاء، وبارعةٌ في ابتكارِ وسائل جديدةٍ في العمل، وجريئةٌ في تنفيذ أهدافها. ورابعها التأييد الشعبي الكاسح، ولكن من دون أن تتوفر إمكانية حواضن شعبية عميقة ومسؤولة؛ فالجماهير لا تزال متُفرجةً ومراقبةً لما يجري من حولها. بيد أنها لا تزال مسكونة بالخوف والتردد، وعدم الاستعداد لدفع الثمن. وهذه الحالة السلبية التي تعيشها الجماهير تنبع من تجربتها وذاكرتها الجمعية في انتكاس الثورات واخفاقها، ومن إحباطها من الوضع القائم، ومن عدم يقينها أو فهمها لما يجري حولها، وهو ما يحتاج إلى وقتٍ حتى تتضح معالم هذا الحراك الثوري بعدها سيكون بوسع الجماهير الشعبية الصامتة أن تقول كلمة الفصل، في لحظة التَحوّل المُمكنة.

وخامسها أنها لحظة، تعقد على جيلٍ شابٍ بالكامل، من دون مشاركة باقي الأجيال والفئات كما كان عليه الحال في الانتفاضتين الأولى والثانية. ومن نافل القول أن هذا الجيل الثوري يفتقد لأيةِ تعبئةٍ أيديولوجيةٍ أو سياسيةٍ، أو خبرةٍ تنظيميةٍ وقتالية. غير أن أبرز ما يُميزه إحساسه العميق بالمسؤولية الوطنية، وضرورة كسر حواجز الخوف والعجز والتلكؤ والتردد، الأمر الذي يدفعه للتضحية في أبهى صورها، وأسمى بطولاتها.

أمام مفارقات هذه اللحظة أنها لحظة يريدها الجميع، ولا يريدونها في ذاتِ الوقتِ، يشجعونها ويخافون من تناميها، ويحجمون عن دفع أثمانها في ذاتِ الوقتِ. لحظة حية في ظل واقع مميت، قوتها في ضعفها، وثراءها في فقرها، وعمق تأثيرها يكمن في بساطة أفعالها. لحظة قليلة الخطابات والكلمات، مع أنها تملك بلاغة التأثير والحضور.
وكأن قدر الكفاح الفلسطيني، أن يخوض اشتباكه المفتوح مع كلِ شئٍ. مع نفسه ومع أعدائه، قدره أن ينبعث من تحت الركام، وأن يقف إذا خارت قواه، ويصنع مفخرة التحدي والبقاء مهما بلغت التضحيات.

عضو المكتب السياسي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، كاتب وأديب وشاعر، ومفكر فلسطيني.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة قدس نت