مكانة فلسطين بين الوعي والاهتمام

بقلم: أسامة خليفة

 أسامة خليفة.jpg
  • أسامة خليفة
  •  باحث في المركز الفلسطيني للتوثيق والمعلومات «ملف»

نُشرت عدة مقالات تتحدث عن تراجع مكانة القضية الفلسطينية في وعي الشعوب العربية، بناءً على تراجع صدارة الخبر الفلسطيني في وسائل إعلام رسمية عربية، أو إهمال التغطية الإعلامية بقصد أو بغير قصد لحالات التضامن الشعبي في البلدان العربية، دون تقديم دلائل بينة حول الرأي العام العربي بما يخص القضية الفلسطينية بتأكيد صدقية الافتراض من خلال دراسات اجتماعية تهتم باستطلاعات الرأي العام، الفقيرة جداً في البلدان العربية، والمفترض بالمؤسسات الإعلامية بدل أن تنشر مقالات عن تراجع مكانة القضية الفلسطينية في الرأي العام العربي، أن ترصد مواقف هذه الشعوب وقواها السياسية من القضية الفلسطينية، وأن تستفيد مما اتحفنا به القرن الماضي من دراسات اجتماعية تطبق طرق قياس الرأي، حين أصبح قياسه شغل الصحافة ووظيفة دائمة لها للتعرف على الآراء والأفكار والقيم والدوافع والانطباعات وردود الفعل، وزاد الغرب اهتمامه بهذه الاستطلاعات حتى أسس لها معاهد لقياس ومسح الرأي العام، إذا أخذنا هذا بالاعتبار فإن التراجع في المكانة مسألة إعلامية، وكأنه إذا اهتم الإعلام بأحداث فلسطين وردود الفعل عليها وأحدث ضجيجاً إعلامياً ترتفع مكانتها، والخلاصة أن مكانة القضية الفلسطينية تراجعت في الإعلام الرسمي العربي ، إذ صارت وسائله تركّز، بوجه خاص، على مجريات أحداث وتظاهرات ما يسمى الربيع العربي.

مكانة فلسطين ليست ظاهرة إعلامية على المحطات الرسمية، بل هي حالة شعبية نجدها بمصداقية عالية على مواقع التواصل الاجتماعي، ولا شك أن مسح منشورات تخص فلسطين على محركات البحث المختلفة ستبين حقيقة مكانة فلسطين عند العربي أينما كان.

الاهتمام بقضية فلسطين، وإعطاؤها أهمية، وأولوية والاعتناء بموضوعاتها، تعني للأفراد كم يعطي لها من الوقت؟. لسماع أخبارها مثلاً، وكم يعطي لها من الجهد؟. وكم تحتل فلسطين موقعاً ومساحة في عواطف وقلوب وضمائر ووعي وعقول الأغلبية العظمى في المجتمع العربي عموماً؟. وكم تشكل باعثاً لرد فعل على حدث يخص القضية الفلسطينية أو القيام بعمل أو نشاط يعبر عن تلك المشاعر الكامنة في الصدور والمتحولة إلى مظاهر التأييد والمناصرة؟. تترافق مع مشاعر العداء، ورفض الفكر والوجود الصهيوني، ومحاربة اسرائيل كمشروع يهدف لتحويل فلسطين إلى وطن قومي لليهود.

الوطنية عاطفة تعني حب الوطن، والقومية تعني مشاعر الانتماء إلى القوم، وفي هذا يتداخل الذاتي بالموضوعي في تقييم مكانة فلسطين في الوعي العربي، الوعي بما يعني الفهمُ وسلامةُ الإدراك وشعور الإنسان بما في نفسه وما يحيط به، بهذا المفهوم الذاتي يتحدد جانب مهم من مكانة القضية الفلسطينية، ومن الجانب الآخر، الناحية الموضوعية، فلسطين كقضية مركزية لكل العرب، مرتبطة بمخاطر المشروع الصهيوني الذي لا يقتصر على فلسطين بل على المنطقة كلها، هو نقيض المشروع النهضوي العربي عموماً، وهذا واقع موضوعي تدركه الجماهير العربية بالوقائع الملموسة، والشعب الفلسطيني شعب عربي، ويشعر كل عربي بعمق الروابط ووحدة المصير، قيام اسرائيل في قلب الوطن العربي قاعدة استعمارية تهدف للإبقاء على واقع التخلف والتبعية، عدوانيتها تهدد مصالح الأمة جميعها، وتهدد الأمن والاستقرار ليس فقط في الإقليم، بل أيضاً في العالم، إذاً هي قضية محورية بالنسبة لقضايا العالم، لهذا فمركزيتها بالنسبة للإقليم أمر موضوعي، إن التحول الذي جرى، والانتقال عبر مراحل مرت بها القضية الفلسطينية لم تفقدها مركزيتها أو تنقص من موقعها، فكانت دائماً الهم والاهتمام بالنسبة للعرب لكن اختلفت طرق التفاعل والمعالجة في هذه القضية، فمن شعار ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة، والهتاف في الشارع (حانحارب)، إلى شعار الأرض مقابل السلام في مبادرة السلام العربية، مصر كانت ومازالت القطر الأهم في تولي مسؤولية كبيرة في حمل أعباء القضية الفلسطينية، سياستها للوصول إلى حل سلمي الآن يدفعها للتدخل في حالة التوتر وتجدد المعارك بين غزة وإسرائيل، كما أن مصر راعية للمصالحة الوطنية الفلسطينية، هذا الأمر لم يختلف في مرحلة المد الإسلامي متمثلاً في حكم مصر دام سنة برئاسة محمد مرسي، بتوجيهات مكتب الارشاد الإخواني.

المشاعر الشعبية العربية نحو فلسطين ليست ظرفية، متأرجحة، صاعدة هابطة حيناً، معارضة رافضة، وحيناَ قابلة مؤيدة، هي مشاعر كامنة في الصدور تخرج إلى مظاهر وأشكال التعبير عنها في حالة الفعل الثوري الذي يعد فرصة ومناسبة لسلوك ظاهري ما دامت العواطف والانفعالات سلوك باطني، هي دوافع للسلوك، مثل رفع راية أو يافطة أو هتاف أو غير ذلك، وهذا يؤكد وجودها العياني الذي لا لبس فيه، مشكلة المكانة تبدو في عدم تواصل ما يؤكد وجودها، في تنظيم تواتر نشاطات، ليس فقط لتصبح أكثر فعالية بل ايضاً لتتضح في عيون من لا يراها، عدم تمظهرها ليس حكماً صحيحاً على تراجع المكانة، حتى ردود الفعل السلبية أحياناً على الانقسام الفلسطيني أو الاقتتال الداخلي هي ردود فعل احتجاجية من باب الحرص وعدم رضا عن حدث سلبي في تمني ألا يكون، هو بحد ذاته تعبير عن الاهتمام، وإن عُبّر عنه بانفعال غضب للابتعاد عن النهج الصحيح حرصاً على القضية الفلسطينية من أن ينالها الضعف والتراجع.

النكبة وهزيمة حزيران 1967 أنتجت مشاعر الإحباط واليأس قد تصل إلى مرحلة تبخيس الذات وفقدان الثقة بقدرات الشعوب على تحقيق أهدافها، وهو أمر طبيعي عند كل شعوب العالم إذا ما تعرضت لهزيمة، ولاسيما في لحظتها ولمدة ما، فما أن ينتفض الشعب، وينتعش أمله بمستقبل يتحقق فيه النصر حتى يعتز بنهضته من جديد.

الانتفاضة الفلسطينية الأولى حرّكت تظاهرات تضامنية واسعة مع القضية والشعب الفلسطيني في البلدان العربية، ولا يعني أن الروح التضامنية العربية تخمد إذا توقفت الانتفاضة لسبب ما، أو إذا توقفت فصائل المقاومة عن قصف محيط غزة، كاستراحة محارب، فالنضال الفلسطيني متواصل حتى تحقيق أهدافه وانتزاع حقوقه الوطنية.

مشاعر التضامن نحو فلسطين إن لم تكن مشتعلة في ظرف وطني-قومي، فهي جمر تحت رماد لا تلبث أن تتقد عند أدنى حدث يستدعي ذلك، وحتى في الوعي الشعبي على المستوى الدولي باتت جماهير واسعة تدرك عدالة القضية الفلسطينية، فيتظاهرون ويؤيدون.

هل تأثرت المكانة بمراحل سياسية مرت بها المنطقة؟. من مرحلة المد القومي، إلى مرحلة المد الإسلامي، وصولاً إلى مرحلة الدولة القطرية؟. هنا لا بد من التساؤل: هل طمس الهوية الوطنية الفلسطينية، وتذويب الشخصية الوطنية في الإطار العربي في مرحلة المد القومي، هو إعلاء لمكانة فلسطين؟. وكيف تستقيم علو مكانة فلسطين مع مصادرة الإرادة الفلسطينية؟. حتى لو كان البديل العربي إرادة عربية صادقة ومخلصة، وكيف تكون مكانة فلسطين في ظل تغييب المؤسسات الوطنية الفلسطينية؟. نعم تأسست منظمة التحرير الفلسطينية بأوامر من عبد الناصر، بعد زمن من مصادرة القرار الفلسطيني، لكنها بقيت تحت الوصاية العربية.

الإعلاء الحقيقي للمكانة يكون بإبراز الشخصية الوطنية الفلسطينية، وباعتبارها شخصية عربية طليعية تحمل قيم الشخصية العربية من أصالة تقدمية وثورية مبدعة، ما يسمح بالقول إن فلسطين كانت في الإعلام القومي شعاراً تتغنى به إذاعة صوت العرب ويردده الخطاب الرسمي، لا يمكن تجاهل المشاعر التي أنتجتها مرحلة المد القومي العربي بما يتعلق بقضية فلسطين، كانت حماسية أعجبْنا بعفويتها وصدقها وغليانها، أطلقت العنان للرومانسية الثورية التي بقيت لامعة براقة في عقول وذكريات جيل تأميم القناة 1956، والوحدة السورية المصرية 1958، وانتصار الثورة الجزائرية 1962... أما جيل الشباب فتحكم مواقفه واقعية ترفض الخطاب اللفظي الثوري الفارغ من مضمونه.

هذه مرحلة مختلفة عن مرحلة ما بعد 5 حزيران 1967، وما طرح من شعار إزالة آثار العدوان في الخطاب الرسمي، لكن وإن غابت فلسطين في ثناياه، بقيت مكانة فلسطين في الوعي الشعبي العربي هي أحد ثوابت هذه الأمة، يبدو إلصاق مكانة فلسطين بالفكر القومي أسلم من ربطها بالمد القومي الذي لا يقتصر على انتشار الفكر فقط بل يمتد إلى حكم وسلطة القوميين في عدة دول عربية، وبالتالي نستطيع فهم مكانة فلسطين في دوافع العرب الذين هبوا للدفاع عنها في حرب عام 1948، وفي الثورة الفلسطينية عام 1936، وفي مشاعر التضامن والتأييد ما قبل المد القومي ما بين عامي 1948- 1956.

وعلى النقيض من المرحلة الناصرية، في المرحلة القطرية، وبزعم المهنية، لم يعد الإعلام العربي التابع للغرب يهتم لصدارة الحدث الفلسطيني وإعطائه الأولوية في المتابعة والتقارير الصحفية والتحليل السياسي، رغم تصاعد المقاومة الوطنية الفلسطينية، وتغول جرائم الاحتلال المتزايدة، وإجراءاته القمعية والتهويد ومصادرة الأرض والاعتداء على المقدسات... يتزامن التعتيم الإعلامي هذا مع مخططات أمريكية إسرائيلية لتصفية القضية الوطنية الفلسطينية، حتى تصفيتها بهذا المعنى دلالة على مكانتها في إثارة مخاوف التحالف الأمريكي- الاسرائيلي.  

أنصار القطرية أولاً، والقطرية ثانياً وثالثاً، نخب اقتصادية-سياسية لها فلسفتها التي تروج لاتجاه نفعي ذرائعي، لتبرر ممارسة على المستوى السياسي الأعلى، في رسم العلاقات والتحالفات الإقليمية وفق مصالح ضيقة تخدم الطبقة الحاكمة وحدها، فهل تطبيع دول عربية مع اسرائيل دلالة على تراجع مكانة فلسطين في الضمير العربي؟. وتراجع مركزية قضية فلسطين بالنسبة للنضال العربي؟. في البحرين مواقف التأييد الشعبي لفلسطين والتظاهر الجماهيري الحاشد ضد محاولات السلطة هناك للتطبيع مع اسرائيل لا يمكن وصفه إلا بالمكانة المرموقة التي تحتلها فلسطين في ضمير الشعب البحراني، هل اتفاقات السلام دلالة على تراجع مكانة فلسطين؟. في الأردن رغم اتفاقية السلام، وفي كل مرة يؤكد الشعب الأردني وقفته مع أشقائه في فلسطين في الاحتجاج على ممارسات سلطات الاحتلال، هل الانشغال بمشكلات الحياة المعيشية اليومية دلالة على تراجع مكانة فلسطين؟. في الجزائر مشجعو فريقها يهتفون لفلسطين في مواجهة فريقهم الوطني، أليست دليلاً على مكانة فلسطين في قلوب الجزائريين؟.... والأمثلة كثيرة في بقية البلدان العربية.

أي قضايا فلسطين تلقى التعاطف والدعم، أكثر من غيرها؟.  الاعتداء على المسجد الأقصى، تهويد القدس، قتل الأطفال أو اعتقالهم، العدوان على غزة، اغتيال مناضل أو قائد إسلامي، أم شغلت الجماهير العربية بهمومها الخاصة؟. لو افترضنا جدلاً أن اتفاقية كامب ديفيد تهدف إلى فصل مصر عن مسؤولياتها القومية إزاء قضية فلسطين، وروّج البعض أن الانفكاك المباشر والصريح عن القضية الفلسطينية ستمتع المصريين بما تجره الاتفاقية من رفاه ورخاء وارتفاع مستوى المعيشة وازدهار الاقتصاد، هل أقنع ذلك المواطن المصري في حينه؟. وكيف يقتنع بعد سنوات طويلة مع اتفاقية كامب ديفيد والتجربة المعيشية القاسية؟. هل تنسيه الاتفاقية آلام الحروب مع اسرائيل والمجازر التي ارتكبت في مدرسة بحر البقر وعمال حلوان وقتل الأسرى في حرب 5 حزيران/يونيو 67؟. مكانة فلسطين لا ترتبط فقط بالمعيشة والاقتصاد بل أيضاً بقيم ومبادئ ومشاعر.

مكانة فلسطين لدى الجماهير العربية ترتبط بالاهتمام بموضوعاتها، وتراجع تقدير أحد عناوين القضية الفلسطينية لا يساوي تراجع المكانة عامة، من المؤلم ما حصل بعد اتفاقات السلام، وما تعرضت له منظمة التحرير الفلسطينية لإضعاف دورها، وتعطيل مؤسساتها من قبل القيادة الرسمية الفلسطينية، إن منظمة التحرير الفلسطينية هي إحدى أهم عناصر القضية الوطنية وركائزها، بصفتها قد اكتسبت بنضال وتضحيات فصائلها التمثيل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني صاحب القضية الأول، منسوب القطرية الفلسطينية يفيض عن مجراه ليخدم الجموع العربية، رغم الاتهام بالمبالغة في التركيز على استقلالية القرار الوطني الفلسطيني، وفي هذا السياق، تعديل ميثاق م.ت.ف. من الطابع القومي إلى الطابع الوطني لم يؤثر على بعدها العربي، إنما تأثرت مكانة م.ت.ف. على المستوى الفلسطيني قبل العربي، حين صادق المجلس الوطني الفلسطيني في اجتماعه الذي عقد في غزة بتاريخ عام 1998، على إلغاء وتعديل مواد الميثاق الوطني الفلسطيني التي تنص على القضاء على دولة إسرائيل، والجدل يدور حول تأثر مكانتها عربياً بتدخلها في النزاعات العربية الداخلية، وتأييدها النظام العراقي، بعد قيامه بغزو الكويت في آب 1990.

يظهر الشعب الفلسطيني اليوم وكأنه لم يعد ملتفاً حول مشروع وطني واحد، كنتاج للخلافات الداخلية الفلسطينية، ولذا يبدو أن مكانة فلسطين في الضمير العربي تتأثر بالحزبية بتحالفاتها أو امتداداتها العربية وحتى الإقليمية، فتأييد حركة حماس كتنظيم فلسطيني مقاوم لإسرائيل من قبل مجموعات إسلامية لا يمكن إلا أن يصب في النهاية في التأييد للقضية الفلسطينية، في حين أن تراجع المد القومي قد أدى لتراجع المنظمات الفلسطينية ذات الأيديولوجيا القومية، وكأن المسألة تبادل أدوار، ينقص التأييد لجهة ويزداد في جهة مقابلة. وبالانتقال من المد القومي إلى المد الإسلامي إلى المرحلة القطرية لم تغير الجماهير جلدها.  

 

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة قدس نت