صناعة الأزمات وادامتها والازدواجية في السياسات الأمريكية

بقلم: محمد احمد الروسان

  • *كتب: المحامي محمد احمد الروسان*
  • *عضو المكتب السياسي للحركة الشعبية الأردنية*

 

أوكرانيا وديكتاتورية جغرافيتها، إزاء الفدرالية الروسية، مهمة لواشنطن دي سي، أكثر من تايوان لجهة الصين، مع نشوء خطر بدء مواجهة مباشرة، بين روسيّا وحلف الناتو، ومن خلفة أمريكا، حيث عواصم الناتو مهووسة بفكرة: ان توسع وتوسيع الحلف الأطلسي شرقاً، سيخلق ضرراً لروسيا وبالتالي سيسهل احتوائها.

 

من هنا: تعتبر موسكو ومعها الصين، أنّ أمريكا هي المصدر الرئيس للتهديد النووي، والبيولوجي في العالم، كما ترى الفدرالية الروسية، أنّ تسليم الناتو لطائرات لنظام كييف النازي الفاشي، وصيانتها لهذه الطائرات على الأراضي الأوكرانية، يعد تدخلاً مباشراً للحرب ضد روسيّا، لذلك يسعى الروس لتطوير أسلحة استراتيجية نووية، تحسباً لأي حرب نووية مع اليانكي الأمريكي، ومن شأن هذا السعي الثابت، قاد موسكو وبثبات، للعمل على تطوير نوع جديد، من العمليات العسكرية المرتقبة، باستخدام الأسلحة النووية، بما فيها النووي التكتيكي، حيث لا توجد حتّى اللحظة أي أرضية، لأي اتفاق روسي أمريكي بخصوص أوكرانيا، مع الإقرار: أنّه لم يعد هناك رأس واحد للقرار في العالم، بل صار هناك عدة مراكز لصنع القرار الدولي وانفاذه الى حد ما.

 

وعلى مدار عقد من الزمان، ثبت بشكل قطعي على اخفاق الحوكمة العالمية، وبالتالي فشلها بشكل واضح، فكانت الدول النامية، هي من أكثر من واجه التداعيات المأساوية لهذا الفشل، والذي هو فشل للقطب الواحد الأمريكي.

 

في مسألة موضوعة الازدواجية في السياسات، والتي عادةً يمكن فهمها بلغة السياسة: الافتراق بين الفكر والممارسة، أو بلغة الابداع: الانفصال بين الفكر والواقع، فانّ الولايات المتحدة الأمريكية، والتي تتفلّت منها الهيمنة على العالم، وبعهد كل ادارة سواء كانت ديمقراطية، كادارة جو بايدن الحالية، أو ادارة جمهورية، بجانب منظمة الأمم المتحدة التي هي الجزء الأساس في العدوان المعولم على سورية، وفي سورية وما زالت، والأمم المتحدة التي دمّرت العراق وليبيا عبر واشنطن، والأمم المتحدة عفواً المرتشية من بعض العرب عبر أمريكا، والأمم المتحدة التي سلّمت السعودية رئاسة حقوق الأنسان في السابق عبر اليانكي الأمريكي، والأمم المتحدة التي خلقت الكيان الصهيوني وسلّحته نوويّاً عبر الغرب الليبرالي المتوحش، أما آن الأوان للتخلص من فيروسات التروتسك العربي المتصهين، وغير العربي الصهيوني الآخر؟. نعم وهو الذي أسّس لدولة مع الصهيونية، حيث يجري التثقيف على قدم وساق لمسارات الدمج المختلفة، اذاً ثمة ماركسيّة ثقافوية في اطارات التصهين.

 

الولايات المتحدة الأمريكية، تفرض عقوبات أحادية من جانبها كثيرة وعديدة(عقوبات اسهالية)وخارج اطار الشرعية الدولية - مجلس الأمن الدولي - من سورية الى ايران، الى العراق الى ليبيا، الى اليمن الى الشعب الفلسطيني المقاوم، الى فنزويلا الى كوبا،.... الخ، وآخرها على روسيّا بسبب المسألة الأوكرانية، عقوبات فريدة من نوعها في التاريخ المعاصر وهي الأقسى في التاريخ، حيث موسكو تدافع عن أمنها القومي، بجانب دفاع سورية وايران والعراق، وباقي الدول عن مصالح شعوبها وأمنها القومي.

 

تقوم الأن واشنطن دي سي، باستثناء مناطق الكرد في الشمال الشرقي السوري والشمال السوري، من عقوبات قانون قيصر الجائر، بشكل معياري سريالي ازدواجي، لا يشير الاّ الى فكر عصابة مدمنة على العقوبات بشكل اسهال مزمن من العقوبات الجائرة المدمرة للشعوب، بعيداً عن مفهوم الدولة الناجزة، الدولة القائدة، بل تصر واشنطن على أنها عصابة مدمنة، على العنف والقتل والتهجير، تعمل على رفاهية الطبقات المتقدمة في مجتمعاتها، ورفاهية النخب حتّى ولو قضت على كل شعوب العالم، المهم هي فقط ومصالح نخبها، لا جلّ شعبها الذي يعاني أصلاً من فقر كبير بحدود ثمانين مليون أمريكي، فأي دولة في العالم لا تتفق وسياساتها مع العاصمة الأمريكية واشنطن دي سي تقوم، امّا بتغيير واسقاط نظامها عبر العمليات العسكرية وتحت عنوان التحرير من الارهاب، بعد أن تكون قد أوغلت بشكل مسبق بفرض عقوبات أحادية جانبية غير شرعية، وخارج أطر الشرعية الدولية ومجلس الأمن الدولي – وفي حالة فشلها بالعقوبات الأقتصادية والعمل العسكري عبر وكلائها، تحاول الدخول عسكريا بشكل فج ومباشر، وعندّ فشلها أيضا: سواء عبر ادارة المعركة من الخلف عبر وكلائها البيادق من الدول والجماعات المتحالفة معها، أو عبر حلولها كأصيل محل الفرع، تعود الى فرض مزيد من العقوبات، سورية مثال واضح، وكذلك ايران، وكذلك روسيا الأن، وخير حكومة أمريكية فعلت وتفعل ذلك، ادارة الرئيس الحالي الخرف سياسياً جو بايدن، حيث يعمل بشكل مزدوج، لمصالح واشنطن ومصالح الكيان الصهيوني، وتوظيف البعض العربي لخدمته وخدمتها، حيث يعمل بعض العرب الغني بماله على رتق شقوق أمريكا، بوصفها قلعة من الفولاذ تعانين من شقوق واسعة وعديدة، حيث يعمل بعض العرب الغني على رتقها، بصورة تجعلك تضحك، وتبكي بنفس الوقت، كون هذا البعض العربي صار خردة بشرية في مستودعات الأمم الأخرى.

 

السياسة الأمريكية تقوم على سياسة الأخطاء نفسها، بعبارة أخرى تقول كوادر الدولة العميقة عبر مسارب المجمّع الصناعي الحربي الامريكي: نحن امبراطورية الآن، وعندما نقوم بأي شيء فاننا نخلق واقعنا الخاص، وفيما يواصل الأعلام والمفكرون والباحثون دراسة ذلك، سنقوم بشيء آخر مجدداً لنخلق أشكالاً جديدة أخرى من الواقع، وسيكون بامكان الجميع دراستها أيضاً وبهذا الشكل سوف تترتب الأمور، فالتاريخ يصنعه صانعوا الحروب، أمّا كل ما يفعله الآخر من مراكز الدراسات والبحوث وحتّى في أجهزة المخابرات، هو دراسة ما نفعله نحن بعمق، أمريكا تصنع الازمات وتعمل على ادامتها ثم ادارتها وفقاً لمصالحها.

 

بالعادة تتحوصل استراتيجية السياسة الخارجية لأي دولة، لمجموعة معينة من الوسائل والطرق، لضمان تحقيق أهدافها عملياً وفقاً لمصالحها العليا، وتبحث بشكل مستمر ودائم، عن حلفاء أو شركاء مؤقتين ليساعدوا في تحقيق غرض معين كجزء أساسي من هذه الاستراتيجية الهادفة.

 

وهذه المسألة كما هي مهمة بشكل أساس، بالنسبة للدول الأصغر غير الاقليمية، أو دول الساحات والتنفيسات، المهتمة بتشكيل تحالف مع راعي قوي، فهي مهمة أيضاً وبعمق، مع اختلال التوازن الحاد في العلاقات الدولية في العقود التي تلت انهيار الاتحاد السوفيتي، وتستعيد أهميتها في هذا القيد الزماني المعولم الان، حيث الحرب الباردة بين عدّة اقطاب دولية تبعث من جديد في عالم مختلف نوعاً ما، وفي ظل المواجهة الروسية الأطلسية عبر الجغرافيا الأوكرانية، فهي مسألة مهمة أيضاً بالنسبة للدول الكبيرة، التي تشارك في السياسة العالمية، ومهتمة مثل الدول الاصغر، ببناء أنواع مختلفة من التحالفات والشراكة، بل وأكثر منها في بعض الأحيان.

 

وقد أثبتت التحركات الدبلوماسية الأخيرة، أن الحفاظ على مثل هذه العلاقات، على قدم المساواة، يتطلب من الأطراف المختلفة، الحفاظ على توازن الحدود المفروضة، على تنازلاتهم المتبادلة بدقة، وأن يتأكدوا باستمرار، من أنها متوافقة والى حد ما، دون افراط او تفريط.

 

بحيث يتم إجراء هذا الأخير للحفاظ على الثقة في الظروف المتغيرة بسرعة، والتي غالباً ما تكون خارجة عن سيطرتهم، والأهم من ذلك، لضمان عدم وضع كلّ منهما للآخر أمام خيار مستحيل، وهو ما حدث بين الولايات المتحدة وتركيا داخل الناتو كمنظمة عدوانية هجومية، ومؤخراً بين اتحاد روسيا وبيلاروسيا كحلفاء يثقون بقوًة ببعضهم البعض، وخاصة في ظل ما يجري في أوكرانيا، بفعل السياسات الأمريكية والأوروبية المفرطة، في تسليح العصابات الفاشية والنازية في كييف.

 

تظهر تحولات السياسة الأمريكية في عهد أكثر من ادارة سابقة لعقود، وحتّى  نهايات ادارة ترامب السابقة، كيف يمكن أن تتخذ الفوائد المرجوة، من علاقات الحلفاء منحى سيئاً، بعد أن فشلت في التكيف، مع عالم فقدت فيه الولايات المتحدة هيمنتها العالمية، اختارت في عهد أوباما ذات النهج والسلوك، والان يتكرر الحال في عهد جو بايدن بادراته، والتي هي بمثابة ادارة ثالثة لأوباما، مع نهج إهمال الدبلوماسية التقليدية، التي تتضمن إيجاد حلول وطرق لموائمة المصالح المتباينة المحتملة للحلفاء.

 

وتجسدت هذه السياسة في ما يتعلق بأوروبا، بالانسحاب من اتفاقيات الشراكة التجارية متعددة الأطراف، واستخدام الناتو كمنظمة هجومية عدوانية، لممارسة الضغط على الحلفاء، وفرض العقوبات الغير شرعية وذات الصفة الأحادية، واستخدام طرق أخرى لاكتساب مزايا اقتصادية وسياسية أحادية الجانب.

 

ويمثل الشرق الأوسط دلالة أكبر في هذا الصدد، إذ تأرجحت السياسة الخارجية للولايات المتحدة، في مدة قصيرة جداً من الزمن، بين طرفي نقيض في المنطقة، بحيث شعر حلفاء أمريكا في الخليج والمنطقة بالقلق المفرط، بعد اعادة التموضع الأمريكي في شبه القارة الهندية، ورغبة جو بايدن في العمق، عبر ميكانيزميات الدولة العميقة، بالعودة الى الاتفاق النووي مع ايران، كونه حاجة أمريكية ثم إسرائيلية ملحة، بعيدا عن تصريحات ادارته العلنية حول ذلك – زيارة غروزني الى طهران هذا الأوان، في سياقات ومنحنيات هندسة هذه العودة كرهاً.

 

إنّ تحول جو بايدن الواضح تجاه المملكة العربية السعودية، إلى جانب انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاقية متعددة الأطراف بشأن البرنامج النووي الإيراني بعهد ترامب، ثم دخولها بمفاوضات غير مباشرة بعهد جو بايدن مع ايران ثم توقفها للمفاوضات غير المباشرة، والسياسة اللاحقة المتمثلة في ممارسة(أقصى ضغط) على إيران، هذا كله قد أثّر سلباً على العلاقات بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، ما تسبب في حدوث انقسام في مجلس التعاون الخليجي، بشأن البرنامج النووي الإيراني.

 

وفشلت الولايات المتحدة بعهد جو بايدن كما في عهد ترامب، في تهدئة مخاوف دول الخليج العربية بشأن مصداقيتها كحليف، وأخيراً، أضافت التنازلات غير المعلنة للكيان الصهيوني، التي لم يجرؤ أيّ رئيس أمريكي على تقديمها من قبل(بصرف النظر عن مدى تعرج سياساتهم في الشرق الأوسط)، تحولات جديدة لهذه القضية، ونتيجة لذلك، تقترب إدارة جو بايدن من فشل واضح في إدارة بعض الملفات الأمريكية الداخلية، بسبب تداعيات مواجهتها للفدرالية الروسية، بصورة غير مباشرة وأحياناً مباشرة عبر الجغرافيا الأوكرانية، محمّلةً بعبء غير مسبوق من المشاكل في علاقاتها مع حلفائها في شمال الأطلسي، في عزلة شبه كاملة بسبب تصرفاتها غير القانونية في مجلس الأمن الدولي، فيما يتعلق برفع العقوبات الإيرانية – بجانب فرضها لعقوبات على روسيا، وسورية عبر قانون قيصر(تجميد جزئي له بسبب الزلزال السوري)، واستثناء المناطق الكردية، من عبء قانون قيصر الجائر، وفقدت هيبتها الأخلاقية والسياسية بشكل عام.

 

لم تتوصل روسيّا في المدة الزمنية نفسها السابقة، التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفييتي، في التوافق مع اتفاقية أمن أوروبا، ونظراً للتوسع الإقليمي لحلف الناتو قبل وبعد المواجهة الروسية الأطلسية الحالية، مع فعالية  وقوّة مثل هذه الآليات الجماعية مثل رابطة الدول المستقلة، ومنظمة الأمن والتعاون في أوروبا، واجهت روسيا أسئلةً تتعلق بالسياسة التي يجب أن تتبعها للمضي قدماً على شاكلة: هل ترى روسيّا نفسها في المستقبل كمركز مستقل للسلطة المطلقة؟.

 

 أم تريد أن تكون لاعباً مؤثراً ضمن التحالفات الجديدة، واتحادات الاندماج؟ تبدو الإجابات عن هذه الأسئلة اليوم واضحة إلى حدٍّ ما، بعد أن أجرت روسيا عمليتها العسكرية الخاصة في عروق الجغرافيا الأوكرانية المتقيحة بالنازية والفاشية المفرطة، دفاعاً عن أمنها القومي، وتعمل على صياغة وخياطة المنظومة الدولية من جديد، بالتنسيق مع الصين وايران والهند وباقي دول البريكس، وبعض دول أمريكا اللاتينية، لخلق وتخليق مركز عالم متعدد الأقطاب، لتسود العدالة والرفاهية لجلّ شعوب هذا الكوكب، حيث تعمل واشنطن على تجويعها لهذه الشعوب، من خلال اطالة أمد الحرب في أوكرانيا، وفرض عقوبات أحادية الجانب: لا تمس الاّ الشعوب العربية وغير العربية.

 

تتخذ روسيا لنفسها مساراً خاصاً في علاقاتها مع الغرب، وتتصرف وفقاً لمصالحها الخاصة، ولكنها لا تغلق الباب أمام حوار متكافئٍ، بغرض البحث عن نقاط تواصل بشأن الصراعات ذات المشاكل المعقدة، وفي الوقت نفسه، بذلت روسيا جهوداً لبناء نظام فرعي من التحالفات الدولية، لموازنة العلاقات الثنائية بين الناتو والاتحاد الأوروبي، قبيل المواجهة الروسية الأطلسية الحالية.

 

الولايات المتحدة الأمريكية، تحاول جاهدةً كبح سقوط امبراطوريتها المهيمنة على المنطقة والعالم، والقائمة على استقساء الدماء كعصابة تسيطر أحادياً لعقود خلت، وهي مدركة بعمق، أنّ أدوات الهيمنة القديمة، لم تعد مجدية ومفيدة، لحالة التطورات المتسارعة في العالم، بمخاضاتها وارهاصاتها غير مكتملة حتّى اللحظة، فهي من ناحية تدرك أن التحولات العالمية ستنهي الأحادية القطبية، ومن ناحية أخرى تعمل على انشاء الأحلاف العسكرية الخاصة بها في أكثر من ساحة ومساح ومنطقة، علّها تكبح تراجع هيمنتها المطلقة.

 

كما تعي واشنطن من جهة، أنّ ميكانيزميات سلال تراجع هيمنتها كمؤشرات، تشجع قوى دولية خصوم لها ومنافسين، على تسريع أفولها كإمبراطورية، تعمل على إعادة انتاج وخلق وتخليق نفسها من جديد، ومن جهة أخرى فانّ الاصطفاف الى جانب واشنطن في ظل ما يجري من متغيرات أممية على كافة الصعد، يعتبر مقامرة غير محسوبة النتائج والمعطيات، في ظلال صعودات صينية وبالدرجة الأولى بالاقتصاد، كعملاق اقتصادي، وعودة روسية متصاعدة ومتنامية بشكل سريع وثابت، وتناميات هنا وهناك لدور ايران الإقليمي، في مواجهة غطرسة وامبريالية هيمنة اليانكي الأمريكي المتعجرف والصفق سياسياً.

 

هيمنة أمريكية وان كانت تقليدية عادية، مع تعددية أقطاب ناشئة وأقطاب قديمة، لها جذور في التحدي، تعمل على هيكليّة حديثة لأدوار مختلفة ومتعددة، من شأنها أن تعجّل بشكل سريع وبثبات، من أفول هيمنة القطب الواحد، وان كانت المواجهة الروسية الأطلسية الحالية، عبر عروق الجغرافيا الأوكرانية المتقيحة بصديد النازية والفاشية، دليل بجانب أدلة أخرى، على تراجع الغطرسة والهيمنة الأمريكية الإمبريالية، وهذا صحيح واقع ومنطق، أنّ نفوذ كارتلات الحكم الأمريكي في العالم، لم يعد كما كان في السابق، وهو في تراجع مستمر كل يوم.

 

انّ المواجهة الروسية مع الغرب وأمريكا، من خلال ما يجري في أوكرانيا، تسرّع في عمليات تحلل جثة الإمبراطورية الأمريكية، والتي أوغلت في القتل والتشريد، ونهب خيرات ومقدرات الشعوب، وفي فرض عقوبات قصوى وحادة، تمثل الوجه الأخر لفشل استراتيجيات رفض الشراكات، بجانب ابتعاد دول مركزية عن اعتماد الدولار، ساهم في اضعاف الولايات المتحدة الأمريكية.

 

بجانب تحلل الإمبراطورية الامريكية، نجد أن اليانكي شطب الأوروبي عبر المواجهة الروسية الأطلسية، وجلّ القارة الأوروبية صارت بفم الأمريكي، والاتحاد الأوروبي ينهار، وما قاله المجري رئيس الوزراء صح مئة بالمئة: أوروبا بفرضها عقوبات قصوى على روسيّا كمن أطلق النار على صدره.

 

فالعالم يتبدّل ويتحول الى تعددية مراكز، وليس من الان، بل ومن عقود خلت، والانتقال من نظام القطب الواحد الى المتعدد، يحتاج الى وقت، والعملية بدأت الان، وادارته ستكون مشتركة بصورة مختلفة ضمن تعددية الأقطاب، حتّى الفشل في اخضاع ايران انعكس تراجعاً في قيادة أمريكا لسياسة المنطقة، وزيارات كوادر أجهزة مجتمع الاستخبارات الأمريكية للمنطقة الأن، هي نوع من الاستدراك الأمريكي للفراغ في الشرق الأوسط، لكنه استدراك غير مقنع لأحد، وبالتالي صارت العولمة العسكرية الأمريكية، في دائرة التساؤل والاستفهام؟!.

 

بالمناسبة: موسكو لا تقول أنّها بديل محتمل عن أمريكا، ان في منطقة الشرق الأوسط، وان في العالم، حيث الأسباب كثيرة وكذلك المعطيات، وفي جلّها لا تسمح بذلك، انّها الواقعية الروسية بأبهى صورها، ومرتكزاتها وتجلياتها، لكن موسكو قادرة على تعطيل أي مشروع أمريكي في العالم، وواشنطن تدرك ذلك.

 

لكن ثمة سؤال بتجدد نطرحه دوماً على أنفسنا، لتحفيز العقل على التفكير وهو: هل تعوض هندسة الأحلاف العسكرية الأمريكية المحتملة، من تراجع امبراطورية عسكرة البحار؟.

 

وأي حرب مع ايران، تعلم واشنطن جيداً، أنّ المستفيد الوحيد منها هي روسيّا والصين، ومسرحية الدمى المتحركة التي يتم عرضها على مسارح المنطقة الشرق الأوسطية، هي بإخراج أمريكي وتمثيل وتمويل بعض عربي، من مملكات القلق العربي على الخليج، ستجعل ايران الدولة الإقليمية العظمى بمحيطها، أكثر اصراراً على مواقفها.

 

السياسة الروسية لها ميزة مهمة ومرتكز في عقيدة قومية، انّها لا تتخلى عن أصدقائها وحلفائها، ان على مستوى الدول، وان على مستوى الجماعات، وان على مستوى الأفراد والهيئات، وروسيّا لا تهدد أي طرف في الشرق الأوسط، وتسعى الى إشاعة الهدوء والاستقرار، بعكس الولايات المتحدة الأمريكية الساعية الى نشر الفوضى واستراتيجيات الغموض الفوضوي، لغايات كبح جماح تراجعات نفوذها المتسارع ولكن بثبات.

 

العنصرية الغربية الحالية وتتناسل ضد كل ما هو روسي، تجاوزت المعتاد بشكل هيستيري جنوني وهي عنصرية مركبة، حيث أظهرت مجدداً أزمة أوكرانيا المفتعلة أطلسياً، الكراهية والتمييز لدى الغرب، والأخير هو امبراطورية الكذب والخداع والنفاق، وكما وصفه الرئيس فلادمير بوتين وصفاً دقيقاً، حيث المعيارية الغربية تصنف المدنيين درجات في سلّم البشرية.

 

وان كانت أوكرانيا ساحة المواجهة بين الفدرالية الروسية من جهة، والغرب وأمريكا والناتو من جهة أخرى، فانّ كل شبه الجزيرة العربية ومملكات قلقها، ستكون ساحة المواجهة بين الصين وأمريكا، في اللحظة الحرجة التي تقرر واشنطن حصار الصين غريمتها، والأوروبيون ومعهم أمريكا، يحاولون اجبار دول الخليج على تحويل صادراتهم من أسيا الى أوروبا، حيث من شأن هذا أن يغضب الصين ويعجّل بالمواجهة الأمريكية الصينية.

 

الجيش الأمريكي، هو الذي يكاد يكون الجيش الوحيد في العالم الذي لا يستريح، وهو محرك عروق الاقتصاد الأمريكي، حيث الأخير اقتصاد قائم على الحروب والكوارث والأزمات، التي تصنعها الدولة العميقة في واشنطن، وانتاج السلاح ومصالح المجمّع الصناعي الحربي الولاياتي الامريكي، وحرب الوكالة التي تخوضها أوكرانيا، عبر النازيون الجدد والفاشست وداعش أوكرانيا الان، بالنيابة عن أمريكا والناتو والاتحاد الاوروبي ضد روسيّا، هي تجارية اقتصادية لصالح أمريكا من جهة، وحضارية ثقافية بالعمق من جهة أخرى.

 

والمفارقة العجيبة المضحكة المبكية هي: أنّ سويسرا انضمت وبشكل سريع للعدوان الرأسمالي المعولم ضد الفدرالية الروسيّة، وأضخم الكذب والافتراء، أنّ سويسرا بلد محايد، بينما هي أخطر عدو للطبقات الشعبية العالمية، كونها مغسلة فساد العالم، وامبريالية المال المنهوب والمحمي.

 

 استراتيجية دفاعية وهجومية أمريكية، وتحديثات مستمرة لمفاصلها وتمفصلاتها الاممية وفعلها على الميدان الدولي، لثالوثها النووي البحري والجوي والصاروخي، وبالخلفية أيضاً تحديث، لمجتمعات استخباراتها وأفعالها القذرة في جلّ ساحات الخصوم والحلفاء على حد سواء – أوكرانيا الان نموذجاً، لوقف تآكل القوّة العسكرية الأحادية الشاملة، أمام الفدرالية الروسية والصين وكوريا الشمالية وايران، وهي استراتيجية تنافس من جهة، ومواجهة عسكرية ومخابراتية وسيبرانية من جهة أخرى، وحفاظاً على حيوية الاقتصاد الأمريكي وهو اقتصاد حروب.

 

فأمريكا تتهم كل من روسيّا والصين بتقويض قوّة الناتو، والأخير من مخلفات الماضي التليد وهو حلف عدواني لا دفاعي، ونلحظ في الكواليس وتحت الطاولة رغبة أمريكية في انهائه للناتو، لكنّ الأوروبي متمسك به، كونه يرى أنّ الأمريكي يسعى الى شطبه للأوروبي بالمعنى الاستراتيجي عبر افتعاله للمشكلة والمسألة الأوكرانية من جهة، ولاحتواء روسيّا وافشالها من جهة أخرى، والناتو يحمي أوروبا من روسيّا هكذا تفكر كوادر القارة العجوز، بالرغم من حديث سابق للرئيس الفرنسي ماكرون والذي صار بريد رسائل هنا وهناك على طول خطوط الحرب الروسية الأوكرانية الأطلسية الناتوية: أن الناتو في حالة موت سريري، وهنا وبشكل مؤقت تعمل أمريكا على احيائه للناتو، لتحقيق أهدافها عبر المسار الأوكراني ازاء روسيّا.

 

 وجاءت موضوعة مكافحة الارهاب المعولم كأولوية ثانية في المسار العسكري التحديثي لواشنطن، وظهرت أمريكا في مفاصل رؤيتها العسكرية، أنّها في غاية القلق من التمدد العسكري والاقتصادي لكل من الصين وروسيا وايران في أفريقيا والشمال الأفريقي، وترى أنّ القوّة العسكرية هي الوسيلة الوحيدة لفرض الهيمنة والقرارات على العالم، فوجدت ملاذها وأخيراً في خلع القفّازات وقرع طبول الحرب لاستعادة ما فقدته من نفوذ في العالم، حيث الاستخباراتيون الأمريكان يعودون من جديد في الخارجية الأمريكية، ولمواجهة صراعاتها من تحت الطاولة ومع بريطانيا أيضاً لاحقا، ووصفت كل من روسيّا والصين كقوى رجعية، وصار جليّاً للجميع ومن خلال فواصل ونقاط الخطاب العسكري الأمريكي، أنّ واشنطن لم تحارب الإرهاب الدولي يوماً، لا بل عملت على رعايته وتسكينه وتوطينه واستثمرت فيه، ومع كل ما سبق لم تعد أمريكا في قاموس البوط العسكري وقاموس البوط الاقتصادي(باعتبار الاقتصاد الأمريكي اقتصاد حروب وقائم عليها)تتصدر القائمة، فجاءت استراتيجيتها الدفاعية والهجومية الجديدة كنوع من الحنين الى ماضي الأحادية في ظل عالم ينحو نحو التعددية، وحفاظاً على الأمن والسلم الدوليين، وهنا عرّت التعددية القطبية الهدف الأمريكي، فصار حلم ووهم.

 

أحسب وأعتقد، انّ مستقبل العالم يتقرر ضمن عقيدتين اثنتين: امّا علاقات تسودها المواجهة والهيمنة، أو بالتعاون والتنمية في ظل فرض عالم متعدد الأقطاب، بسبب الفعل الروسي والصيني وجلّ دول البريكس وعلى رأسها الهند، وعبر الحدث الأوكراني الحالي وقبله الحدث السوري وجلّ الفالقة السورية ومسارات خطوط أنابيب النفط والغاز.

 

 يتجسّد وبتجذّر في شخص الرئيس الأمريكي جو بايدن، ثنائية هيلاري كلنتون وباراك أوباما، وبعبارة أوضح: تجد فيه العنصرية البيضاء في هيلاري، والحقد على لون الذات في أوباما، كون المشغّل واحد(البلدربيرغ الأمريكي رغم الانقلاب الأبيض داخل نواته، بين دولة الظل العميقة الجديدة، والتي رأت في ترامب الرئيس السابق امتداد لها، بعكس الدولة العميقة الكلاسيكية، والتي ترى في بايدن ونائبته وهيلاري وأوباما امتداد لها)، وأمريكا ما زالت كما هي من الداخل لم تتغير وان تغير الرئيس، فالأخير عنوان حكومة الأوتوقراطية الأمريكية الداخلية حكومة الأغنياء"طبقة الأرستقراطيين الأغنياء" وأداتهم التنفيذية المجمّع الصناعي الحربي الأمريكي، فأمريكا لا يغيّرها حاكم، لأنّه افراز المناخ الداخلي وتشابكاته الخارجية في البلدربيرغ، لا بل هو صدى المصالح الطبقية الحاكمة، والأخيرة يعبر عنها الكونغرس الأمريكي بكارتلات أعضائه كممثلين للشركات والمصانع.

 

نواة الجيوش الأمريكية وأركان كوادرها وقياداتها، ما زالت تعتبر أنّ مجموعات القاعدة ومجتمعات الدواعش والمجاميع الأرهابية الأخرى، وفرق ما تسمى بالخوذ البيضاء القاعديّة الأرهابية، والتي هي(أي الخوذ البيضاء)تعبير حقيقي وحي على ازدواجية السياسات الامريكية، والتي أسّستها المخابرات البريطانية الخارجية عبر أحد ضبّاطها، وصرفت عليها المال الكثير لغايات التدريب والاعداد، خياراً قابلاً للتحالف مع واشنطن وحلفائها بشكل مستمر، لتوجيه ضربات لاحقة وحالية لسوريا مع بدء معركة تحرير ادلب من الأرهاب المعولم، لضرب أركان الجيش العربي السوري والبنى التحتية الاستراتيجية له، بعد الاعداد لفبركات لمسرحيات كيميائية في ادلب ولصقها بدمشق كذباً وزوراً وبهتاناً، لتبرير لعمليات عسكرية جديدة.

 

وهذا ما تفعله الان في أوكرانيا، عبر فن صناعة الكذب والافتراء والمسرحيات وأفلام هوليوود، لشيطنة الفدرالية الروسية وكارتلات حكمها المختلفة وشيطنة الجيش الروسي.

 

الحدث الأوكراني هو نتاج الحدث السوري والدور الروسي الايجابي فيه، وبالروسي: سقوط كييف - أوكرانيا بيد الناتو وأمريكا، عبر دواعش أوكرانيا النازيون والفاشست الجدد يعني سقوط موسكو، وسقوط دمشق يعني سقوط موسكو أيضاً، ويعني سقوط طشقند في أسيا الوسطى، وسقوط غروزني في القوقاز بيد دواعش الماما الأمريكية، وفي الذاكرة الروسيّة الحيّة: ذكرى مدرسة بيسلان وذكرى مسرح موسكو حاضرتان، وموسكو وبلغه عسكرية متدرجة جديدة جديّة هذه المرة ومباشرة قالت: تعالوا نضع قواعد النظام العالمي الجديد، وأي خيار آخر يعني دوّامة الوهم التي تبتلع الكلّ في الكلّ بالكلّ، وفي لحظة الضياع الأمريكي(التواطؤ الأمريكي)الروس قالوا كلمتهم صراحةً كالشمس والقمر، وتبعهم بعض الأوروبيين، فمتى يلحق بهم البعض العربي المتردد؟.

 

 يبدو أن العالم ذاهب إلى استمرار الصراع عبر الحدث الأوكراني وقبله السوري، حيث ثمة رعاية أمريكية عبر ادارة جو بايدن لفكرة الأصولية التي تنتشر كالنار في الهشيم في كل المذاهب والأيدولوجيات وتغزو العالم، وثمة هلال سلفي لا هلال شيعي، تبدأ ملامحه من مشيخات الخليج وصولاً الى شمال أفريقيا، الانسان يريد أن يقتل أخيه الانسان لأنه مّل دعوات المحبة والأخوة والمساواة في الخلق، ويريد أن يعود إلى طباع جده الأول قابيل القاتل المنتصر على أخيه هابيل،  فما يشهده عالمنا اليوم من قتل وانتهاك واستعداء وكراهية يدل على ذلك، في حين أن هذه الأشياء تعتبر الغذاء الأشهى للنزعات الأصولية، لتتقوى ويشتد عودها في كل الأديان و المجتمعات، والمتابع اللمّاح يدرك هذا جيداً، حيث أنّ انحباس الأحقاد وكبت الكره أصبح ظاهرة خطيرة تهدد العالم، أكثر من ظاهرة الاحتباس الحراري، ويمكن تلمّس أثارها بدءً من شمال العالم، مروراً بالشرق الأوسط، وصولاً إلى جنوب الكرة الأرضية.

 

وأمريكا تعود بقوّة إلى سلفيتها و أصوليتها المعهودة، وتخصصها في مجال الإبادات الجماعية وإراقة الدماء، أنّهم مولعون بإشعال فتيل الحروب، قاموا بإبادة الهنود الحمر معلنين بداية جديدة، واليوم يسعون وراء إبادة جماعية أخرى لشعب أوكرانيا عبر النازيون الجدد القوميون الأوكران، علّهم يعلنون بداية عالم جديد بدأوا يتحسّسون أنه يخرج عن سيطرتهم، أجدادهم الأوربيين حدّث ولا حرج، يلهثون اليوم لخوض أي حرب تحفظهم من التشتّت والتفتّت وضياع دولهم، لذلك هم يصرّون بقوّة على تخريب أوكرانيا نكاية بروسيا، كما يصرون على تخريب سورية قلب الشرق وتاجه، ودعم الأصوليين والسلفيين مشابهيهم في الطباع والصفات.

 

 واشنطن تعاني من HOMESICK لماضيها الدموي شوقاً وحنيناً، وروسيّا تتمسك بالشرعية الدولية وقواعد القانون الأممي وعمليتها في أوكرانيا عملية عسكرية خاصة مشروعة وجودية للقضاء على النازيين الجدد والفاشست ولمنع حرب عالمية ثالثة قد تكون نووية، وتعرف أنّ الهدف النهائي هي بالأساس ومعها الصين وايران، وترد هنا وهناك وفي كل الساحات، وعلى كافة المسارات سرّاً وعلناً، وتحظى باسنادات صينية، تتعاظم لدرجة تموضعات صينية عسكرية قادمة ولكن بهدوء.

 

 العاصمة الأمريكية واشنطن دي سي، هي عاصمة طبقة مجرمة إرهابية، في عروق مجتمع كارتلات الحكم الولاياتي في الداخل الأمريكي، تستخدم الحروب لتحصد دماءَ الأمريكيين والضحايا لأدواتها من الشعوب الأخرى، لتشنَ حروباً خارجية للهيمنة على الموارد والسيطرة السيكولوجية الداخلية، بحيث يتم تطبيق إجراءات حربية بشكل روتيني، بهدف خداع الجماهير، وتركها في حالة من الصدمة والتحرك الدائم، باتجاه الاستعمار الخارجي ضد مجموعات مستهدَفة، ترغب واشنطن وشركات النفط الغربية في الاستيلاء على مواردها الطبيعية، وسرقة أراضي شعوب العالم الثالث لتمرير خطوط الأنابيب الاستراتيجية عبر آسيا الوسطى.

 

 يعمل قادة واشنطن بشكل روتيني على استحضار فكرة وجود مخاطر خارجية تهدد الأمّة الأمريكانية، في محاولة ساخرة لبناء عقيدة لدى الجمهور الأمريكي، يتم من خلالها تفحص موارد الأمم الأخرى(من قبل العقائد التنفيذية)بصفتها ملكاً للأمريكيين، وتعمل أرباح شركات الأسلحة على نقل الثروة من القطاع العام إلى القطاع الخاص، وتفرض الضرائب على غالبية الطبقة العاملة والوسطى، بينما يعاني الفقراء والمحرومون من البطالة لغياب فرص العمل.

 

أعمدة ظلال كارتلات مفاصل وتمفصلات الحكم الأمريكي، وعبر الإدارات الأمريكية المختلفة، من جمهوري الى ديمقراطي، وديمقراطي بأجندة جمهورية كحال إدارة جو بايدن الحالية، مع جمهوري بأجندة ديمقراطية، عندما هندسة وعملت على خلق وتخليق "الداعشية" العسكرية كهدف وأجندة ووسيلة فوق استراتيجية، عبر توجيه أسباب انتاج ظروف بيئتها في المنطقة الشرق الأوسطية، هندسة وخلقت "الداعشية" الثقافية والفكرية والسياسية والإعلامية والدبلوماسية والقضائية، وجلّ المتعدد من الأخيرة، ضرورة لاستمرارية الأولى في فعلها وتفاعلاتها ومفاعيلها، والإرهاب الخيار الاستراتيجي لنواة الدولة الأمريكية، كون الاقتصاد الأمريكي، اقتصاد حرب وحروب عبر الجيش الأمريكي الذي لا يستريح بالمطلق، دفاعاً عن الدولار فقط، وقيمته كعملة أممية، والادارة الأمريكية كحكومة بلوتوقراطية في الداخل الأمريكي حكومة الأثرياء، هي صدى المجمّع الصناعي الحربي الأمريكي، والشركات المتعددة الجنسيات كذراع فاعل، وهي التي تمارس فن الأقناع بالإرهاب، بالمعنى الرأسي، وبالمعنى العرضي، ان لجهة الداخل الأمريكي، وان لجهة الخارج الأمريكي.

 

 وتعتقد الولايات المتحدة الأمريكية، وعبر وكالة المخابرات المركزية الأمريكية بإدارة وليام بيرنز، وباقي أجهزة مجتمع المخابرات الأمريكي الخمسة عشر جهازاً، ومعها بعض جهات عربية ذيلية، متساوقة ومتماهية معها في كلّ شيء، بأنّ فلادمير بوتين الرئيس الروسي، الذي أعاد الشعور القومي للروس، هو  غارق حتّى أذنيه في الأزمة الأوكرانية، والإيرانيين في حال تقهقر وتراجع مفرط، والى حد اتخاذ مواقف هي أقرب ما تكون الى الدفاع عن النفس، وعلى هذا الأساس والمفصل والتقييم الأمريكي والأوروبي والبعض العربي الذيلي، أنّ الطريق الى دمشق، صار آمن أكثر من أي وقت مضى، عبر الدواعش ومحاربتهم افتراضياً، وبعد بدء المواجهة الروسية الأطلسية، والذهاب من جديد الى تسخين الجنوب السوري ثانيةّ، عبر افتراضهم ان موسكو تسحب قوّاتها من سورية، لحاجتها داخل الجغرافيا الأوكرانية، وقطعا وبالقطع، هذا ليس صحيحاً بالمطلق، ولكن هي محاولات انجلوسكسونية عبر الأدوات لا الأطراف السياسية(لا يمكن أن تسمي الأداة طرف سياسي، لأنك سترفع من قيمتها)، تجيء في سياقات الضغط على الروسي فقط لا غير.

 

كما تعمل واشنطن هذا الآوان، وأثناء المواجهات الحالية في الداخل الأوكراني، عبر استراتيجية الادرة من الخلف، وحرب الوكالة كحرب بروكسي، على اعادة توجيه الأرهاب الى موسكو وشمال القوقاز، عبر مجتمعات الدواعش والزواحف والقوارض، من خلال ضخ المزيد من السلاح الى الداخل الأوكراني للفاشست والنازيين الجدد، فهي(أي واشنطن)تملك شيفرة تركيبها التنظيمي وانتشارها من أجل اعادة توجيهها، وسيكون لتركيا المخفر المتقدم للناتو في المنطقة أدوار في ذلك، حيث الرعاية الخاصة لأنقرة عبر مجتمع المخابرات التركي لهذه المجتمعات الإرهابية، من الدواعش والزواحف والقوارض، منذ بدء العدوان العسكري التركي في الداخل السوري، بصورة مباشرة وغير مباشرة، مكنّها ذلك على الحصول على كل تركيبتها البنيوية وطبيعة عملها وانتشارها وتوجهاتها.

 

الفدرالية الروسية لديها تصوراتها ورؤيتها حول الأهداف الأمريكية ازاء القارة الأوروبية العجوز، حيث واشنطن تسعى الى تقسيم أوروبا عبر خلق الإرهاب، ثم محاربته بشكل جماعي أو فردي، والأمريكان هم المسؤولون عمّا يجري في أوكرانيا، وتضخيم خطر مجتمعات الدواعش والزواحف والقوارض أمريكيّاً وبريطانيّاً، لدفع كثير من الدول الى المظلة الأمريكية من جديد ابتعاداً عن المظلة الروسية، ثم يصار الى توزيع مساحات النفوذ بينهما، بحيث لا يتحول التنافس بين لندن وواشنطن، الى صراع عميق يستنزف أولوياتهما وقواهما الحيّة وأدواتهما، فالروسي موجود ويتربص بهما المنون، هذا ما تعتقده واشنطن ولندن من باب التظليل والتعمية السياسية، كونهما يدركان أن هناك بينهما صراع عميق من تحت الطاولة لاستعادة مناطق وساحات ومساحات نفوذ، خسرتها لندن بعد يالطا 1 التي أنهت الحرب العالمية الثانية.

 

في السياسة الكونية، تعتبر لندن وواشنطن بأنهما قوّة بحرية، أمّا روسيّا والصين والهند وحتّى ألمانيا قوّة بريّة، والهدف الرئيس للندن وواشنطن من الحرب العالمية الأولى والثانية كان السيطرة على كافة الطرق البحرية في العالم، وعلى الشواطىء البريّة القريبة من هذه الطرق، وقد نجحتا في ذلك لفترات زمنية محدودة، فمشروع الناتو الذي كان من أهدافه الأنتشار في آسيا وشق القوى العظمى فشل فشلاً ذريعاً، فمثلاً أفغانستان التي أريد لها أن تكون المحطة الأولى لهذا المشروع في نهايات العام 2014 م، ستخرج من السيطرة الأمريكية وتدخل ضمن نطاق التأثير الروسي الصيني، وهي خرجت فعلاً، بعد إعادة التموضع الأمريكي في شبه القارة الهندية وأفغانستان، وقدوم جلّ القوّات هناك الى الأردن، وانتشارها في ستة عشرة قاعدة عسكرية أمريكية، في عروق الجغرافيا الأردنية عبر اتفاقية الدفاع الأمريكية الأردنية المشتركة، ومنظمة شانغهاي المعادل العسكري للناتو بدأت بالمناورات المبكرة من أجل ذلك، قد تتبعها مناورات بالأسلحة الأستراتيجية لجلّ دول البريكس، المعادل المدني والعسكري للاتحاد الأوروبي.

 

الشرق الأوسط يشكل قلب الحروب الأستراتيجية الدولية، وروسيّا تعلم وتعي أنّ القاعدة وجلّ مشتقاتها ومجتمعات الدواعش والزواحف والقوارض، تخضع للحماية الأمريكية وتشكلت في مصانع الأستخبارات الأمريكية لمواجهة الفدرالية الروسية والصين.

 

من جهة ثانية، تتجلّى صور الصراعات الدولية الخفية في جيوب جغرافية مختلفة في العالم، لصناعة أرخبيلات أثنية وطائفية مختلفة عبر بؤر ومسارب سياسية وعسكرية بالوكالة، ألمانيا مثلاً تعتبر العرق الكردي جزء من العرق الألماني الآري، فايران وروسيّا لعبت دوراً في معارضة ألمانيا ورغبتها في تأسيس دولة كردية مستقلة في العراق، فايران وروسيّا نجحتا في اجلاس الحليف الثاني(الكرد) لأمريكا بعد "اسرائيل" على طاولة الحوار الدبلوماسي.

 

وموسكو مثلاً، وجدت في خطاب سعودي وتقدير استخباري سري وصل اليها، حول خطر وصول سلال من الدواعش غير المسيطر عليها، ومن جديد الى أوروبا وأمريكا(الفتح والضرب بالمندل السياسي)، هو خطاب استغاثة أكبر مما هو تعبير عن خطر وشيك، وفي نفس الوقت هناك تقديرات روسية بحق دواعش الماما الأمريكية، أنّ هناك خطين متوازيين لا يلتقيان: يتمدد داعش الماما أحياناً، وينكمش أو ينكفأ أحياناً كثيرة، على وقع خط يدفع دول المنطقة، بما فيها ايران وسورية الى معمارية استراتيجية محددة، بعد اعادة النظر بالبنى التي شاخت أو تخلخلت أو تداعت.

 

موسكو تعلم أنّ واشنطن دي سي توظف مجتمعات الدواعش والزواحف والقوارض لحروب جديدة، وخدمة لمصالحها عبر ضرب قوى المقاومة الشاملة في المنطقة، عبر صناعة الكذبة في سورية من جديد، وفي أوكرانيا أيضاً، حيث الحدث الأوكراني قلنا ومنذ تسع سنوات هو نتاج الحدث السوري، وما عمل الوحدات الخاصة الأمريكية، وكلاء الحرب الأمريكية في سورية من بعض العرب، مفاهيم الاغتصاب للنساء وقتل الأطفال ومكافحة الإرهاب لتشريع عمليات الاحتلال العدواني القادم، تماماً كما حدث من قبل في أفغانستان المحتلة، العراق وليبيا المحتلين، ويكاد أن ينجح في الحدث السوري والحدث الأوكراني.... الخ.

 

الولايات المتحدة الأمريكية تخوض وبقوّة حروب سريّة، لم يقرّها ولن يقرّها الكونغرس الأمريكي، وقطعاً ليس للمورد البشريّ السكّاني لتلك الدول، التي ستسحق حياتهم وأجسادهم أي دور في منعها، فمن أجل تحقيق خدمة الأهداف الإستراتيجية للسياسة الخارجية الأمريكية، بل من أجل هندسة نستولوجيا تلك الأهداف، لتصبح أهداف ما فوق إستراتيجية، فانّ وحدات القوّات الخاصة الأمريكية، تقوم بتنفيذ(لب)وجوهر العقيدة الأمريكية ومعتقدها الراسخ والذي لا يخضع لأي ديناميات مراجعات، والقائم على أحقية القيام بالاغتيالات السياسية، التسلل عبر الحدود السيادية للدول، وزعزعة استقرار و\أو تقويض أنظمة الحكم، دون إعارة أي اعتبار لجهوزية مؤسسات الدولة ونسقها السياسي المراد استهدافها وذات السيادة، للتغير أو رغبتها فيه أصلاً.

 

هذا وقد اختارت متمنهجةً عليه، العاصمة الأمريكية واشنطن دي سي، أسلوب قديم بذات الأدوات لبعض أنواع من الحروب، ولكن آثاره وتداعياته وشدّته في الألفية الثالثة للميلاد كبير جداً، ويقلب الأمور رأساً على عقب، ويغير أمزجة الرأي العام الدولي والإقليمي والمحلي، بخبر وصورة وخلال لحظات، وعبر عمليات البروباغندا السوداء وكواليسها والفبركات: قناة الجزيرة القطرية خير مثال على ذلك، فهي تخدم الأجندة الأمريكية الإسرائيلية ليس في المنطقة بل وفي العالم.

 

ومثل الذي يقطع أنفه نكايةً بوجه، صارت واشنطن تستخدم أدواتها الحربية الشاملة من المورد البشري السكّاني للدولة المراد استهداف نسقها السياسي، ومن موارد بشرية من دول جواره المحلي والإقليمي، حيث جميعها تشترك باللغة والدين والأخلاق والقيم والأهداف، وبالعادات والتقاليد والمشاعر وبعلاقات نسب وقربى، ويؤدي جلّ العمل ذاك إلى تدمير الدولة ونسقها السياسي بأبنائها وأبناء دول جوارها، والحال هذا خير مثال عليه ما يجري بالحدث السوري وتشعباته المختلفة، عبر إحداث انحراف بجهاز مناعة الدولة المستهدفة ونسقها، لكي يقوم جهاز المناعة الخاص بالدولة بمهاجمة الأنسجة السليمة، بعبارة أخرى كيف يتم جعل الدولة تدمر نفسها بنفسها وعبر مساندة من محيطها؟! وهذا ما جرى ويجري في الحدث الاحتجاجي السوري، وعبر وكلاء السي أي ايه من بعض العرب، ومن الغرب ومن بعض الداخل والخارج السوري .

 

انّه أسلوب حرب العصابات، استخدام القتلة، المتمردين، المخربين، حرب بالكمائن بدلاً من المواجهة، عبر التسلل بدلاً من الهجوم، انّه نصر عبر تقويض العدو وإنهاكه بدلاً من الاشتباك معه، حرب تترصد الاضطرابات وإحداث فوضى خلاّقة وغير خلاّقة.

 

ويؤكد جلّ الخبراء النفسيين الإعلاميين الاستخباريين، والذين يعملون في أجهزة الاستخبار العسكرية والمدنية – المخابراتية – الشرطيّة، أنّ اللجوء إلى أكاذيب التعذيب والاغتصاب كبنى تحتية لأي عملية بروباغندا، وعبر وكلاء حربيين لتخدم هدف محدد، وهو خلق بيئة تساعد على خلق ظروف تقود في النهاية إلى الحرب.

 

نعم عندما تحدد الامبريالية الأمريكية الأهداف المستهدفة، تصبح مفاهيم الاغتصاب والتعذيب وقتل الأطفال عبر ارتكاب مجازر، وفقاً لجداول زمنية وديمغرافية وفي الوقت المناسب، تصبح مفاهيم لمكنونات أدوات التشويه السياسي للنسق السياسي المستهدف، ليصار إلى إضفاء ملاذات شرعية آمنة لأي عدوان يقرر من قبل ما يسمّى "بالمجتمع الدولي"( أمريكا وبريطانيا وفرنسا وباقي مجتمع اللصوص).

[email protected]

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة قدس نت