الانتخابات التركية إلى أين؟

بقلم: سنية الحسيني

سنية الحسيني.jpg
  • د. سنية الحسيني

تبقّى ١٧ يوماً على الانتخابات الرئاسية والبرلمانية التركية، والتي ستُجرى مجتمعة في الـ ١٤ من شهر أيار المقبل، حيث سينتخب الأتراك رئيسهم و٦٠٠ نائب للجمعية الوطنية أي الجسم التنفيذي والتشريعي في البلاد. وتشكل هذه الانتخابات أهمية خاصة، إذ تُعدّ الأصعب التي يخوضها الرئيس طيب رجب أردوغان منذ ٢٢ عاماً، خصوصاً بعد تبني البلاد لدستور عام ٢٠١٧ الذي كرس نظاماً رئاسياً، يعطي مكانة خاصة وصلاحيات واسعة للرئيس بدل النظام البرلماني الذي كان سائداً من قبل، وتراجع نسبة التأييد الشعبي لحزب العدالة والتنمية تدريجياً بسبب تراجع الأوضاع الاقتصادية في البلاد بشكل رئيس. ويواجه أردوغان في هذه الانتخابات منافسةً حقيقية على مقعده الرئاسي وتصدّره السلطة ومكانة حزبه في البرلمان، بعد أن تكاتفت المعارضة عليه تحت مظلة تحالف واحد يطرح مرشحاً رئاسياً واحداً وقوائم موحدة في الانتخابات التشريعية، تتجاوز الأيديولوجيات، ويختلط فيها المحافظ مع القومي مع الليبرالي، وبعضها انشق عن حزبه وحلفائه.
 

أعاد اردوغان هيكلة تركيا أكثر من أي زعيم تركي آخر في العصر الحديث، بعد مصطفى كمال أتاتورك، أبو الجمهورية التركية الحديثة. فساهم في بلورة توجه عام تركي أكثر محافظة وتديناً، وزاد من دور ومكانة الفلاحين والفقراء في البلاد، الذين انتقلوا للطبقة المتوسطة، والتي توسعت بشكل ملحوظ في البلاد. ووضع أردوغان معطيات جديدة لنظام الحكم الذي أسسه أتاتورك قبل تسعة عقود، حيث تجاوزت مدة حكم أردوغان المدة التي حكم خلالها اتاتورك، وذلك باعتماد النظام الرئاسي بدل البرلماني، ومنع تدخل العسكر في السياسة والحد من نفوذ الجيش، والذي حظي به منذ تأسيس الجمهورية التركية الحديثة عام ١٩٢٣، حيث وضع المؤسسة العسكرية تحت رقابة مدنية أسوةً بباقي مؤسسات الدولة التنفيذية الأخرى. وهو صاحب سجل قوي في التنمية والازدهار الاقتصادي، الذي نقل بلاده نقلة نوعية خلال حقبة حكمه، خصوصاً مطلعها، كما كان له دور مهم في استعراض قوة بلاده الإقليمية على صعيد الشرق الأوسط والقارة الأوروبية. يأتي كمال كليجدار أوغلو المنافس الرئيس لأردوغان في الانتخابات القادمة من خلفية علمانية ويدعو للانفتاح ولفصل صريح بين الدولة والدين، كما يميل لتحسين علاقات بلاده والاقتراب أكثر من القوى الغربية، الأميركية والأوروبية، وينتقد تدخلات بلاده في مشكلات الشرق الأوسط.

 

أدت التطورات السياسية والتشريعية في تركيا إلى إنهاء عهد فوز الحزب المنفرد بالحكم، خصوصاً بعد تعديل الدستور عام ٢٠١٧، وبات الفوز بالحكم يحتاج لتحالفات. ويضم تحالف أردوغان والمعروف بحلف الجمهور الحاكم في هذه الحملة الانتخابية حزب الحركة القومي؛ الذي انشق عنه حزب «الجيد» ضمن نفس التوجهات وذهب لتحالف المعارضة، وحزب الرفاه الجديد الإسلامي الواسع التأييد في الشارع، والذي تعود أصوله الى حزب نجم الدين أربكان، وحزب الهدى بار الإسلامي المحافظ الكردي، وحزب الاتحاد الكبير. في حين يتكون تحالف المعارضة او ما يُعرف بـتحالف الأمة أو الطاولة السداسية من ستة أحزاب على رأسها حزب الشعب الديمقراطي وحزب المستقبل وحزب السعادة وحزب الجيد، بالإضافة إلى دعم حزب الشعوب الديمقراطية الكردي، وحدد تحالف المعارضة كمال كليجدار أوغلو مرشحها للرئاسة، ومنافس أردوغان الرئيس. لا يمكن استشراف نتائج هذه الانتخابات، خصوصاً الرئاسية، من خلال استطلاعات الرأي، إذ تتأرجح حسب أهداف وتوجهات ناشريها، وتتذبذب بشكل متقارب تقريباً لصالح أحد الطرفين.

 

تراجَع تأييد الشارع لحزب العدالة والتنمية نتيجة تراجع الأوضاع الاقتصادية في البلاد، لذلك تركز المعارضة عليها في دعايتها الانتخابية رغم عدم تقديم رؤية اقتصادية بديلة، واكتفائها بالانتقاد، الأمر الذي يضعف حجتها. وتعاني تركيا تراجعاً كبيراً في أوضاعها الاقتصادية في السنوات الأخيرة، فتراجعت قيمة الليرة مقابل الدولار بشكل كبير، زادت نسبة التضخم في ظل غلاء الأسعار وتآكلت القوة الشرائية بشكل ملحوظ، وانخفضت نسبة دخل الفرد، ووصل التضخم مع نهاية العام الماضي لأكثر من ٨٠ بالمائة. ولأهمية القضية الاقتصادية ودورها في نتائج الانتخابات يركز أردوغان على برامجه لتحسين الوضع الاقتصادي في بلاده وعرض أدواته لتجاوز الأزمات الحالية. كما تعامل بحكمة مع تبعات الزلزال المدمر الذي ضرب البلاد مطلع شهر شباط الماضي، وخلف أكثر من ٥٠ ألف ضحية ودماراً كبيراً، من خلال العمل الإغاثي وتقديم برامج لتعويض المتضررين بمساعدات مالية مباشرة والتخطيط السريع لإعادة الإعمار، فحولت الحكومة الكارثة لفرصة استثمرتها في دعايتها الانتخابية. كما ركزت الحكومة على تقويم سياساتها تجاه اللاجئين، التي اعتبرتها المعارضة أحد أسباب تدهور الوضع الاقتصادي في تركيا.

 

إلا أن تراجع دعم الشارع لتحالف الجمهور الحاكم لا يعود فقط لتراجع مكانة حزب العدالة والتنمية فقط، إذ تراجعت أيضاً نسبة تأييد حزب الحركة القومية اليميني المحافظ، الحليف الرئيس لحزب العدالة والتنمية. وجاء التراجع بسبب انشقاق حزب الجيد عنه، والذي انضم للمعارضة، وهو يحمل نفس صفاته، ويحصد تأييد ١٢ بالمئة من الناخبين. كما تراجع دعم الصوت الكردي لأردوغان وحزبه في السنوات الأخيرة، الذي كان يدعمه عدد كبير منه في الماضي، وذلك بسبب تحالفه مع حزب الحركة القومية وفشل مساعي عملية السلام لحل القضية الكردية، ويقدر ثقل صوتهم بـ ١٠ بالمائة من مجمل الأصوات الانتخابية. كما أن هناك شريحةً واسعة من الشباب والذين لا يعرفون قيادة غير قيادة أردوغان، قد يميلون للتغيير، ويشكلون ١٠ بالمائة من الأصوات الانتخابية، كما أن هناك حوالي ١٠ بالمائة من الأصوات المترددة، وهي نسبة غير قليلة وقد تكون مؤثرة في ظل سيادة حالة من التنافس والاستقطاب الحاد.

 

في المقابل، ارتبط حزب الشعب الجمهوري بحزب الشعوب الديمقراطية الكردي لكسب أصواته. وعمل حزب العدالة والتنمية على تعطيل ذلك التحالف بالربط بين الأخير وحزب العمل الكردستاني المصنف بالإرهاب في تركيا، والتحالف مع حزب الهدى بار الإسلامي الكردي. كما أن اصطفاف حزب الشعوب الديمقراطية الكردي، الذي يمتلك كتلة انتخابية صلبة، لن يضمن بالضرورة أن تذهب أصوات كتلته لصالح أوغلو في الانتخابات الرئاسية، لأنها في العادة تصوت لمرشحي حزبها، وليس لآخرين من انتماءات أخرى، خصوصاً في الانتخابات الرئاسية.

 

خلال العقدين الأخيرين نجح حزب العدالة والتنمية في حشد كتلة انتخابية محافظة داعمة له، والتي تشكل أكثر من ٥٠ بالمائة من الكتلة الانتخابية عموماً، في مواجهة التحالف الذي يروّج لتوجهات مجتمعية أكثر انفتاحاً. لذلك حاولت الكتلة المعارضة خلال السنوات الأخيرة تغيير صورتها النمطية بالاقتراب من التيار المحافظ، وضمت بالفعل أحزاباً محسوبة على القوى المحافظة في البلاد، مثل حزب المستقبل بقيادة أحمد داوود أوغلو وحزب السعادة بقيادة كاراكولا أوغلو. إن ذلك يفسر إصرار حزب العدالة والتنمية لإقناع حزب الرفاه الجديد الانضمام لتحالفه، لجذب ناخبي حزب السعادة المتحالف مع المعارضة. إلا انه من الضروري التأكيد أن الانسجام الأيديولوجي لتحالف الجمهور الحاكم يدعم مكانته في الشارع مقارنة بالتباين الأيديولوجي الذي يحكم تحالف الأمة، ويشكك بتوجهاته المحافظة، التي يحاول أوغلو أن يقنع الشارع الانتخابي بها. كما أن أوغلو المنافس الحقيقي لأردوغان في هذه الانتخابات من طائفة الأقلية العلوية، في بلد يشكل فيه السنة أغلبيته الساحقة، وأكثر من ٥٠ بالمائة منهم محافظون، الأمر الذي قد يرجح كفة أردوغان في الفوز.

 

ويتطلب الفوز بمنصب الرئيس حصد أكثر من ٥٠ بالمائة من الأصوات، ويرجح وجود أربعة مرشحين في الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية، والمنافسة الحادة بين أردوغان وأوغلو الذهاب لجولة انتخابية ثانية بعد أسبوعين من الأولى لحسم النتيجة لصالح أحدهما، والتي ستتأثر تلقائياً بنتائج الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية ونتائج الانتخابات البرلمانية التي ستكون قد ظهرت. ومن المفيد أن يكون الفائز في الانتخابات الرئاسية فائزاً أيضاً في الانتخابات البرلمانية، وإلا سيعني العكس مواجهة الرئيس لمعارضة برلمانية معطلة لعمله.

 

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة قدس نت